يقول ابن النديم في بداية حديثه عن منشأ اللغة العربية: «اختلف الناس في أول وضع الخط العربي فقال هشام الكلبي أول من صنع ذلك قوم من العرب العاربة نزلوا في عدنان بن أد وأسماؤهم: أبو جاد، هواز، حطى، كلمون، صعفص، وقريسات وضعوا الحروف على أسمائهم ثم وجدوا بعد ذلك حروفاً ليست من أسمائهم وهي الثاء والخاء والذال والظاء والشين والغين فسموها الروادف، قال وهؤلاء ملوك مدين وكان مهلكهم يوم الظلة في زمن شعيب النبي عليه السلام»، لقد كان ابن النديم يحلم بفهرسة العلوم التي وصلت إليه في عصره، يكتب عن بداياتها وأعلامها، وما شهدته من تطور ووضع معلومات وافية عن كل علم في كتابه الأشهر «الفهرست»، حلم ابن النديم تجاوز كتب الطبقات والسير إلى شيء أعم وأشمل.
الطموح السابق يتجلى في بداية «الفهرست» بالقول: «هذا فهرست كتب جميع الأمم، من العرب والعجم، الموجود منها بلغة العرب وقلمها، في أصناف العلوم وأخبار مصنفيها، وطبقات مؤلفيها، وأنسابهم وتاريخ مواليدهم، ومبلغ أعمارهم وأوقات وفاتهم، وأماكن بلدانهم ومناقبهم ومثالبهم، منذ ابتداء كل علم اخترع إلى عصرنا هذا، وهو سنة سبع وسبعين وثلاثمئة للهجرة» هو كتاب الكتب، أو الكتاب الجامع، أو الكتاب الموسوعي والذي يتضمن: الصرف والنحو واللغة والتاريخ والسير والجغرافيا وعلم الكلام والفقه والحديث والفلسفة والأساطير و الحكايات والسحر والكيمياء.
يتدرج الحلم من اللغة إلى الكتب المقدسة، إلى طرائق كتابتها إلى من زين المصحف وزخرفه. «الفهرست» كتاب ينتمي إلى «المقتطفات» في الظاهر، أو كما يحلو لبعض مثقفينا أن يطلقوا على مثل هذه النوعية من الكتب، ولكن وراء هذه المتقطفات عقلية تنحو باتجاه التبويب والتصنيف والنظرة الكلية.
عاش أبو الفرج محمد بن إسحاق الوراق أو ابن النديم في بغداد في القرن الرابع الهجري، وتاريخ الميلاد غير معروف على وجه الدقة، وكذلك الوفاة، عمل خطاطاً وناسخاً للكتب، وهي مهنة ورثها عن أبيه، ولذلك نجده يتكلم عن التدليس في تجارة الكتب، ويورد العديد من أخبار مزادات الكتب، فضلاً عن اهتمامه بأنواع الأقلام التي تفرعت عنها مختلف الخطوط العربية، الأمر الذي يرسم لنا صورة للمناخ الثقافي والمعرفي الذي عاش فيه الرجل ونهل منه، والمعلومات عنه شحيحة للغاية وله كتاب آخر غير «الفهرست» بعنوان «التشبيهات»، وهو مفقود، والخلاف يمتد إلى اسمه أيضاً حيث أكد البعض أنه «النديم» وليس «ابن النديم»، و إلى اسم كتابه حيث أطلق عليه ياقوت الحموي «فهرست الكتب»، وحاجي خليفة «فهرس العلوم»، وإسماعيل البغدادي «فوز العلوم».
تتلمذ ابن النديم على يد أبي سعيد السيرافي وأبي سليمان المنطقي، وقال ياقوت الحموي عن كتابه: «مصَنِّف كتاب الفهرست جَوَّدَ فيه، واستوعب استيعاباً يدل على اطلاعه على فنون من العلم وتَحَقّقِه لجميع الكتب»، والبعض الآخر أحصى ما دونه ابن النديم على النحو التالي: عدّد ابن النديم 8360 كتاباً ل 2238 مؤلفاً، منهم 22 امرأة و65 مترجماً، وفي الفهرست ترد أسماء 12 كتاباً في صناعة السلاح وتنظيم الجيوش، و9 كتب في تركيب العطور، و11 كتاباً في الطبخ، و11 كتاباً في الصيدلة، و6 كتب في البيزرة والصيد، و9 في البيطرة، وثلاث صفحات في الكتب المؤلفة في العشق والعشاق، ومعظمها لم يصلنا منه غير وصف ابن النديم له، وذكر قرابة 45 رياضياً أعجمياً ونحو 120 عالماً عربياً.
الصورة الذهنية التي رسمها الكثيرون لابن النديم تراوح بين كونه مجرد وراق، يهتم بجمع الكتب، وكتابة التعليقات عليها، واعتباره مجتهداً أضاف الجديد الذي استفادت منه الثقافة العربية، ولنستمع إلى إبراهيم العريس وهو يقول عن «الفهرست»: «نحن هنا في صلب العمل الموسوعي الذي يمكن القول فيه، إن ابن النديم، فيما كان يجمع ويصنف، لم يكن يدري تماماً أنه في عمله ذاك إنما كان يبتكر صنفاً علمياً، سيساهم لدى أمم أخرى لاحقاً، في بناء عصور النهضة والتنوير ويكون له أثر كبير في نوعية أنتجت انعطافات حضارية. ومن الواضح أن هذه لم تكن غاية ابن النديم. فهذا الرجل - الذي لا يُعرف الكثير عن حياته - كان مجرد ورّاق ينسخ الكتب ويبيعها. وهو اعتاد كما يبدو أن يدون جانباً معلومات واختصارات تتعلق بالكتب التي يعرفها أو يسمع عنها، فاجتمعت له مجموعة كبيرة هي التي صنّفها وضمّنها كتابه هذا، من دون أن يدري، أيضاً، أنه في عمله ذاك خلّد ذكر المئات من الكتب التي اختفت تماماً ولم يعد لها من أثر سوى في فصول كتابه، أو أنه إنما يؤسس لتاريخ حقيقي للثقافة العربية ومنتجاتها. غير أن هذا لم يكن كل شيء في كتاب «الفهرست». ذلك أن ابن النديم (أو النديم وفق مصادر عدة) لم يكتف بالتصنيف والتعريف، بل إنه دبج، أيضاً، نصوصاً تحلل بإسهاب، كما فعل في «الفن الأول» من المقالة الأولى حيث وصف لغات الأمم من العرب والعجم، ونعوت أقلامها، وأنواع خطوطها وأشكال كتاباتها»
لم يكن الفهرست ليقف عند محاولة حصر كتب جميع الأمم، بل تخطى الحلم أفق ذلك إلى سحر حواديت الجن، فتحت عنوان «أسماء عشاق الإنس للجن وعشاق الجن للإنس»، يوثق هذا الموضوع: «دعد والرباب، رفاعة العبسي وسكر، سعسع وقمع، ناعم بن دارم ورحيمة وشيطان الطاق، الأغلب والدباب، الضرغام وحودروفس، عمرو ودقيانوس، الشماخ ودمع، الخزرجي والمحتال واسما، حضر بن النبهان والجنية، الدلفاء وأخوتها والجني، دعد الفزارية والجني وعمرو، عمر بن سفيان السلمي والجنية، عمرو بن المكشوح والجنية، ربيعة بن قدام والجنية، وسعد بن عمير والنوار».
الكتاب يمتلئ بألق الحكي الذي يمتزج فيه الحقيقة التاريخية بالخرافة، بالرغبة في التفسير وكشف البدايات، يتجول بنا عند حديثه عن الفلسفة بين مختلف الأمم: الروم، الهند والعرب، ويصنف عطاء كل أمة في الفلسفة تحت عنوان «حكاية»: «كانت الحكمة في القديم ممنوعاً منها إلا من كان من أهلها ومن علم أنه يتقبلها طبعاً، وكانت الفلاسفة تنظر في مواليد من يريد الحكمة والفلسفة فإن علمت منها أن صاحب المولد في مولده حصول ذلك له استخدموه وناولوه الحكمة وإلا فلا، وكانت الفلسفة ظاهرة في اليونانيين والروم قبل شريعة المسيح عليه السلام فلما تنصرت الروم منعوا منها وأحرقوا بعضها وخزنوا البعض ومنع الناس من الكلام في شيء من الفلسفة إذ كانت بضد الشرائع النبوية ثم إن الروم ارتدت عائدة إلى مذاهب الفلاسفة»، ثم يفصل في أسباب عودة الروم إلى الأخذ بالتفكير الفلسفي، أما بالنسبة إلى دخول العلوم إلى العربية فيرجعه إلى خالد بن يزيد: «كان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى حكيم آل مروان وكان فاضلاً في نفسه وله همة ومحبة للعلوم خطر بباله الصنعة فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مدينة مصر وقد تفصح بالعربية وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة».
الملاحظ كذلك أن ابن النديم وهو يتحدث عن هذه العلوم يسميها الفنون، ففي أخبار الفلاسفة والعلوم القديمة والكتب المصنفة في ذلك، يذكر «الفن الأول: في أخبار الفلاسفة الطبيعيين والمنطقيين وأسماء كتبهم ونقولها وشروحها والموجود منها وما ذكر ولم يوجد، وما وجد ثم عدم»، وهكذا يسير في كل مفاصل الكتاب.
الحب في كتاب «الفهرست» لا يقف عند مشاهير العشاق الذين نتداول قصصهم اليوم ونكررها بل يمتد إلى محاولة حصر كل العشاق، فتحت عنوان «أسماء العشاق الذين عشقوا في الجاهلية والإسلام وألف في أخبارهم» يذكر: «عمرو بن عجلان وهند، عروة وعفرا، جميل وبثينة، كثير وعزة، قيس ولبنى، المجنون وليلى، توبة وليلى، الصمة بن عبدالله وريا، ابن الطثرية وحوشية، ملهى وتعلق، يزيد وحبابة، قابوس ومنية، أسعد وليلى، وضاح اليمن وأم البنين، أميم بن عمران وهند، محمد بن الصلت وجنة الخلد، العمر بن ضرار وجمل، سعد واسما، عمر بن أبي ربيعة وجماعة، المستهل وهند، باكر ولحظة، مليكة ونعم وابن الوزير، أحمد وداحة، الفتى الكوفي مولى مسلمة وصاحبته، المغمر بن ملك وقبول، عمرو بن زيد الطائي وليلى، علي بن إسحاق وسمنة، الأحوص وعبدة، بشر وهند... وغيرهم.
«الفهرست» ليس مجرد كتاب، وأكثر من موسوعة، هو أفق يتجاوز عصره لينفتح على أزمنة أخرى لاحقة حملت طموحات كل الأدباء في صياغة ما ينفع ويمتع ويثري المخيلة ويدفع إلى التفكير والبحث والسؤال.