أمل سرور

هي المبخرة الساحرة التي يضوع في أريجها عطر التاريخ القديم. هي خلاصة الفكر وحكمة الفلسفة وآية الجمال وقمة الإبهار. هي القلب الذي ينبض بشرايينه الجسد لتسري الروح هائمة غارقة في بحرها الحكيم.

هي شجرة الذكريات التي لا تزال تعيش في القلوب وتختزنها العقول، لتكون أغصانها الكثيفة شاهد عيان على تاريخ صنعه الأجداد ويفخر به الأبناء.

هي الواجهة الأولى ومقصد الإماراتيين والوافدين، الأعين جميعها تلتف حولها باحثة عن موطىء لقدم، فيها لا تملك سوى أن تستسلم لهذا الفضاء الإنساني الذي يحاصرك بلا هوادة لتفتح رئتيك على مصراعيهما لتدخل رائحة القِدم والأصالة من دون أي استئذان.

هي ببساطة منطقة الرولة بالإمارة الباسمة الشارقة التي قررت أن أراها بعيون مختلفة، أصول وأجول بين حوانيتها القديمة، لأغوص في أسرار حجرها وبين حنايا بشرها.
إذاً، هي تلك الشجرة العتيقة التي حمل أهم ميادين الشارقة اسمها، ذلك الميدان الذي يحتل مسطحاً مستطيلاً تتجاوز مساحته الكلية 240 ألفاً و993 متراً.
إذاً، هي شجرة الرولة التي لم تكن في يوم مجرد شجرة كبيرة يلتقي تحت ظلها القريب والبعيد، بل هي في الحقيقة موطن الأسرار والحكايات، وملتقى حلقات التشاور، ومكان لعقد الصفقات التجارية بين التجار، ومصدر إلهام الكثير من الشعراء، ومفتاح للذاكرة.
ونحن نعيش أجواء العيد، لابد من القول إن شجرة الرولة كانت ملتقى لأهل الشارقة، والإمارات بشكل عام، في الأعياد وسباق الخيول تحت أغصانها الكثيفة، ونجحت بجدارة في أن تمد جذورها في وجدان الناس، فكم من مسافر أنهكته الرحلة وتمنى الوصول إليها ليلتقط أنفاسه تحت ظلالها، وكم من شاعر كتب فيها قصائد حب، وكم من شخص جلس على رملها وناجى الليل.
وفي الحاضر، تمثل منطقة الرولة فضاء إنسانياً مفتوحاً على كل الاتجاهات، وقلباً يتسع للجميع وتتصل شرايينه بالجميع، فهي مسار إلى دبي وعجمان، وممر إلى كل مناطق الشارقة جديدها وقديمها.
في الطريق إلى ميدان الرولة، أنشغل باجترار التاريخ بذكرياته التي لا يمكن أن تمر مرور الكرام، وصوت شاعر يجتاحني بهدوء قائلاً:

يا رولة في ذراها النفس سارحة
مني عليك سلام المدنف الشاكي
لا زلت في خاطري والشوق يلعب بي
وبين عيني لن ينفك مرآك

ها أنا أصول وأجول بين جنبات حوانيت الميدان والشوارع المتفرعة منه، أذوب في زخم بشري يجوب هنا وهناك، لم أستطع وسط كل هذا الحراك الحضاري الذي يتحدث عن نفسه في زمن الحداثة والتكنولوجيا أن أمنع ذاكرتي من أن تعود إلى القديم الذي تمتد أصوله وجذوره في قلب المكان الذي تفوح منه رائحة التاريخ.
الحياة تدب في المنطقة منذ عام 1567 ميلادية تقريباً، وها هي شجرة الرولة الشهيرة التي زرعها في القرن التاسع عشر الشيخ سلطان بن صقر الأول بعدما أحضر النبتة الخاصة بها ومصدرها غير معروف على وجه الدقة، إلا أن بعض المهتمين بالبحث يؤكدون أنها من بلاد فارس والبعض الآخر ذكر أنها شجرة نادرة لا تنبت إلا في جزر الخليج العربي وذهب البعض إلى احتمال ورودها من بلاد الهند. أياً كان، ها هي الشجرة تقف شامخة صابرة شاهدة على تاريخ المكان وأصالته.
أقف وأتأمل وأجوب ميدان الرولة فلا ترى عيني سوى أغصان الشجرة العتيقة التي تغطي بظلالها الوفيرة على أصحاب المواهب الخاصة في الرسم أو غيره من الفنون التشكيلية البسيطة التي عرفت في ذلك الوقت. حالة من التأمل جعلتني حتى أسمع صيحات الأطفال المهللة فرحاً بتثبيت حبال أراجيحهم البسيطة في أغصان شجرتهم القوية.
لا محالة تستطيع أن تشم رائحة الرسالة التي يفوح بها المكان تستطيع أن تقرأها جيداً عندما تطأ قدماك أرض الميدان، وهو اليوم ملتقى أسبوعي لكل الجنسيات الوافدة والزائرة.‏
ومن يقصد ميدان الرولة في الشارقة في يوم جمعة يجب أن يضع في حسبانه أنه ‏ ‏سيواجه عشرات الآلاف من تلك الجنسيات والوجوه المختلفة ما بين الآسيوي والإفريقي والأوروبي، إذ أصبح متنفساً للجميع من جميع أنحاء ‏الإمارات وشاهداً على لقاءات الأقارب والأصدقاء ومقصداً للسياح من جنسيات عدة.
استوقفتني تلك الحافلة السياحية التي توسطت ميدان الرولة وقد بدأ السائحون في الهبوط إلى أرض الميدان، رحت في حالة من تأمل ملامحهم التي ارتسمت عليها علامات الدهشة والإعجاب في آن، تابعتهم من بعيد فإذا بكاميراتهم الصغيرة بدأت تلتقط صورها التي تنوعت ما بين كتل البشر المتلاحمة المتزاحمة في شوارعها وأزقتها وما بين المحال التجارية التي تتدرج أسعار بضائعها لتناسب كل الفئات والطبقات.
لفتت نظري تلك السائحة التي وقفت أمام نصب الرولة الشهير تتأمله وتلتقط صور تذكارية لها معه، اقتربت منها لتبدأ الألمانية مونيكا نيولين حديثها قائلة: قبل أن أقرر المجيء لهذا المكان وأوافق على الاشتراك في برنامج الفندق الذي يوفر لنا زيارة الأماكن الأثرية في إمارة الشارقة، قررت أن أقرأ وأعرف بعض المعلومات عن المكان الذي أنوي زيارته، والحقيقة أنني عرفت أنه مكان تاريخي لأهل الإمارة، وأن هذا النصب تحديداً كان تقع مكانه شجرة عتيقة حملت اسم المكان نفسه، واعترف أنني مبهورة بالمكان الذي يشهد تجمعاً غير عادي من البشر، وأحسست بالفعل أنني عدت إلى الوراء أزماناً من خلال تلك الزيارة.وجاء حديث الإيرلندي جون بيلتون واصفاً زيارته للمكان بأنها فريدة من نوعها، فهي، كما يقول، فرصة جيدة للتسوق وشراء الهدايا القديمة التي تحمل طرازاً تاريخياً وتعبر عن تراث دولة عريقة مثل الإمارات.
التقطت ماريا بيلتون زوجته الحديث منه قائلة: أكثر ما أعجبني في هذا المكان التاريخي هو أنني نجحت في شراء عباءات عربية مطرزة يدوياً بأسعار مغرية للغاية، والحقيقة أنني وجدت تلك الموديلات بنفس التطريز في مراكز تجارية شديدة الفخامة وبأسعار باهظة، ونجحت في أن أشتري الكثير من العباءات التي أفضل أن أهديها إلى أصدقائي بأسعار مناسبة.
وختمت الإسبانية أماندا بيونشيه الحديث عن زيارتها لمنطقة الرولة قائلة: أفضل جولة سياحية قمت بها إلى الآن، خاصة أني اعشق التسوق ومتابعة الأسواق القديمة، وأكثر ما أعجبني ليس محال العباءات والأزياء التي تتفوق على الموضات العالمية الحديثة، بل أيضاً أسواق البهارات والتوابل الإماراتية والهندية والإفريقية وهذا العالم هو المفضل بالنسبة لي لأنني أؤمن تماماً بالعلاج بالأعشاب وأنوي التخصص فيه لذا زيارتي للرولة أفادتني كثيراً واستطعت أن أشتري مجموعة لا بأس منها من التوابل والبهارات المفضلة لي.