يعرف المصريون بأنهم «أولاد نكتة»، فالنكتة حاضرة دوماً في مفرداتهم اليومية، صناعة وتداولاً، يستخدمونها لمجرد الضحك، أو للسخرية من السلطة، أو النيل من واقع قد لا يقدرون على مواجهته مباشرة.
ويبدو أن ذلك ليس أمراً طارئاً على حياة المصريين، فقدماؤهم كانوا أول شعوب الأرض الذين جعلوا للضحك عيداً، وللنكتة معبوداً، وللمرح أوقاتاً، مثلما كانوا الشعب الوحيد الذي سجل النكتة بالرسم الساخر على جدران المعابد وفي البرديات. 
ووفق الصحفي المصري الراحل أخيراً شفيق أحمد علي في كتابه تحت الطبع «النكتة في زمن الفراعنة»، احتلت «الفكاهة» عند المصريين القدماء مكانة مميزة. 
ويقول شفيق أحمد علي في الكتاب الذي تنشر«الخليج» مقتطفات منه: إنه لهذا قدس الفراعنة القطة «باستت» إلهة المرح، والقزم «بس» إله الفكاهة، وقالوا
على لسان أحد حكمائهم: «كوخ تسعد فيه وتضحك، خير من قصر تشقى فيه وتبكي».
مقتطفات من كتاب «النكتة في زمن الفراعنة» (تحت الطبع)

في الثاني من أغسطس/آب عام 2008 بثت وكالة أنباء الشرق الأوسط، تقريراً مترجماً عن صحيفة «الديلي ميرور» البريطانية قالت فيه إن الدكتور بول ماكدونالد، أستاذ التاريخ والعلوم الإنسانية بجامعة «وليفر هامبتون» في بريطانيا، أجرى دراسة حول أقدم عشر نكات في التاريخ، وكشفت نتائج هذه الدراسة عن أن الفراعنة هم أول من ابتكروا النكتة على ظهر الأرض وأن النكتة الفرعونية هي الأقدم، وأن أقدم نكتة فرعونية تعود إلى عهد الملك سنفرو وتحديداً إلى عام (1600) قبل الميلاد، وإن كان الدكتور شاكر عبد الحميد في كتابة «الفكاهة والضحك» الصادر عن سلسلة عالم المعرفة عام 2003 يقول إن أول فكاهة «بصرية» أي أول فكاهة مرسومة، هي فكاهة فرعونية ترجع إلى عام 1360 قبل الميلاد.
أيام الاحتلال البريطاني لمصر كانت خفة دم المصريين إحدى وسائلهم في استدراج عساكر الاحتلال «وقتلهم»، حيث كان بعض «أولاد البلد» يمشي متباطئاً في الشوارع، أو يقف على إحدى النواصي، وهو يحمل كلباً صغيراً ثم يقترب به من العسكري الإنجليزي قائلاً: تشتري (كااااالب)؟ كان «أولاد البلد» يقولونها بالعربية، لكنهم يكسرون حروفها أو يمطونها، لإيهام «المحتل» بأنهم يتكلمون لغته، ثم فجأة يطبقون على عنقه وتتحقق الغاية.
وفي مذكراته التي نشرت في القاهرة عام 1988 كتب أيضاً فلاديمر فينوجرادوف السفير الأسبق للسوفييت في مصر يقول: لم تكن عبثاً تلك الطرفة الشائعة التي تقول إن السبب الرئيسي لهزيمة نابليون في مصر، هو وابل النكات التي أطلقها المصريون عليه وعلى جنوده.

وفي موسوعة أقدم النكت في التاريخ، قالت دراسة بريطانية أخرى إن أقدم نكتة في العالم، تم العثور عليها مدونة بإحدى البرديات المصرية القديمة، ويرجع تاريخها إلى عام 2600 قبل الميلاد، وتقول النكتة، إن رجلاً في مصر القديمة أراد التخلص من جاريه المزعجين اللذين يعملان في الحدادة والنجارة ويقع دكان أحدهما على يمينه والآخر على يساره، فأعطى كل منهما مبلغاً من المال لينتقلا من دكانهما، لكنه فوجئ في اليوم التالي بأن الحداد قد انتقل إلى دكان النجار وأن النجار قد انتقل إلى دكان الحداد.
أما أقدم عشر نكات في التاريخ، فتقول دراسة الدكتور ماكدونالد إن نصفها نكات فرعونية، أحدها يقول: ثلاثة رجال عطشى في الصحراء يقودون عربة يجرها ثور وبقرة، أحد هؤلاء الرجال يملك الثور، والثاني يملك البقرة، والثالث يملك حمولة العربة، رفض صاحب الثور أن يذهب وحده لإحضار الماء خوفاً من أن يفترس أحد أسود الصحراء ثوره، ورفض صاحب البقرة أن يذهب وحده لإحضار الماء خوفاً من أن تضيع بقرته في الصحراء، ورفض صاحب الحمولة أن يذهب وحده لإحضار الماء خوفاً من سرقة الحمولة، لذلك ذهب الثلاثة معا لإحضار الماء، وأثناء غيابهم ولدت البقرة، عجلا أكل حمولة العربة، والمشكلة التي واجهتهم: أي الرجال الثلاثة يملك العجل؟ (وجدت مكتوبة على بردية ترجع إلى عام 1200 قبل الميلاد)، وتقول أخرى: امرأة عوراء ظلت متزوجة من رجل عشرين عاماً، ولما تقابل الرجل مع امرأة أخرى وعاد إلى بيته، قال لزوجته: سوف أطلقك لأنهم يقولون إنك عوراء، فأجابته الزوجة: وهل اكتشفت ذلك الآن فقط بعد عشرين عاماً من الزواج. (وجدت مدونة في بردية تحوي خطابا بالهيروغليفية عام 1100 قبل الميلاد).

وجاء في نكتة أخرى: الرجال الأكثر رغبة في الزواج، لكن أكياس النقود هي الشيء الوحيد الذي يعيق الرجال عن تحقيق رغبتهم. (وجدت مكتوبة بالهيروغليفية في العصر البطلمي عام 304 قبل الميلاد).
وتضيف نكتة ثانية: سأل الحلاق الفرعون: كيف تفضل يا مولاي أن أقص لك شعرك؟، فأجابه الفرعون: في صمت! (ترجع إلى القرن الرابع قبل الميلادي).
واضح أن عدداً من النكات السابقة تسخر من الغباء، لهذا لم يكتف المصريون القدماء بمثل هذه النكت «المكتوبة» التي تسخر من الغباء، وإنما رسموا أيضاً العديد من النكت التي تسخر من الغبي، مثل تلك النكتة، أو تلك البردية، من عصر الرعامسة، التي رسموا فيها حماراً يلعب الشطرنج مع الأسد، الذي يرمز إلى الفرعون، وكأنهم يقولون من يأمن للفرعون ويلعب معه سوى «حمار» لأن المباراة مهما كانت نتيجتها ستنتهي بالطبع في النهاية بالتهام الحمار.