إعداد : محمد إسماعيل زاهر

عندما تقرأ لأحد المؤرخين المسلمين كتاباً بعنوان «تجارب الأمم» تشعر بإحساس غريب، فالعنوان ينتمي إلى زمننا نحن، وعندما تفتش في كتب التراث عمن خصص كتاباً كاملاً لمبحث الأخلاق لابد أن تشعر مرة أخرى بأن صاحبه ينتمي إلى زمننا أيضاً، احتفي به من معاصرينا محمد عابد الجابري في «العقل الأخلاقي العربي»، ومحمد أركون في « نزعة الأنسنة في الفكر العربي، جيل مسكويه والتوحيدي»...الخ، وصفه أبو حيان التوحيدي بالفقير بين الأغنياء، وبمخالف عصره ربما لأنه تطرق إلى موضوعات جديدة آنذاك، وقال عنه الثعالبي في «يتيمة الدهر» :» الذروة العليا من الفضل والأدب والبلاغة والشعر وكان في ريعان شبابه متصلاً بابن العميد»، ذكره التوحيدي في «الإمتاع والمؤانسة» ، و»المقابسات»، « مثالب الوزيرين» و«الصداقة والصديق»، وأيضاً أبو سليمان المنطقي في «صوان الحكمة»، وأبو بكر الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني في رسائلهما، والقفطي في « إخبار العلماء بأخبار الحكماء»، هو محمد بن محمد بن يعقوب الملقب بمسكويه أبو علي الخازن، ولم يقتصر ذكره على معاصريه فقط، بل أورد البيهقي وابن أبي أصيبعة وياقوت الحموي والصفدي وحاجي خليفة ... معلومات أكثرها عن كتاباته، وأقلها عن حياته.
يقول مسكويه في مقدمة كتابه « تجارب الأمم وتعاقب الهمم»: «وإنّي لمّا تصفّحت أخبار الأمم، وسير الملوك، وقرأت أخبار البلدان، وكتب التواريخ، وجدت فيها ما تستفاد منه تجربة لا تزال يتكرّر مثلها وينتظر حدوث شبهها وشكلها: كذكر مبادئ الدول، ونشء الممالك، وذكر دخول الخلل فيها بعد ذلك، وتلافي من تلافاه وتداركه إلى أن عاد إلى أحسن حال، وإغفال من أغفله واطّرحه إلى أن تأدّى إلى الاضمحلال والزوال، وذكر ما يتّصل بذلك من السياسات في عمارة البلدان، وجمع كلم الرعيّة، وإصلاح نيّات الجند، والحروب ومكايد الرجال، وما تمّ منها على العدوّ، وما رجع على صاحبه، وذكر الأسباب التي تقدّم بها قوم عند السلطان، والأحوال التي تأخّر لها آخرون، وما كان منها محمود الأوائل مذموم العواقب، وما كان بضدّ ذلك، وما استمرّ أوّله وآخره على سنن واحد، وذكر سياسات الوزراء، وأصحاب الجيوش، ومن أسند إليه حرب وسياسة، أو تدبير أو إيالة، فوفى بذلك وتأتّى له ، أو كان بخلاف ذلك».
يحاول مسكويه في هذا النص وغيره أن يكتب التاريخ بطريقة مغايرة، ونلاحظ بين ثنايا النص السابق وعيا بما يمكن تسميته بمحاولة الوصول إلى قوانين أو مبادئ حاكمة للتاريخ، وهو ما حاوله ابن خلدون في علم الاجتماع، ولذلك سيخضع مسكويه حكايات المؤرخين السابقين له للنقد العقلي الصارم، فالتاريخ وفق هذه الرؤية الباكرة ليس الهدف منه الإمتاع والتسلية، وإنما التدبر ومعرفة أسباب العمران والعوامل التي تؤدي إلى أضمحلال الأمم وزوالها.
ولنستمع إليه مرة أخرى في مقدمة «تجارب الأمم»:» ووجدت هذا النمط من الأخبار مغمورا بالأخبار التي تجري مجرى الأسمار والخرافات التي لا فائدة فيها غير استجلاب النوم بها، والاستمتاع بأنس المستطرف منها، حتى ضاع بينّها، وتبدّد في أثنائها، فبطل الانتفاع به، ولم يتصل لسامعه وقارئه اتصالا يربط بعضه بعضا، بل تنسى النكتة منها قبل أن تجيء أختها، وتتفلّت من الذهن قبل أن تقيّدها نظيرتها، ويشتغل الفكر بسياقة خبرها دون تحصيل فائدتها فلذلك، جمعت هذا الكتاب، وسمّيته تجارب الأمم. وأكثر الناس انتفاعا به وأكبرهم حظّا منه، أوفرهم قسطا من الدنيا، كالوزراء، وأصحاب الجيوش، وسوّاس المدن، ومدبّري أمر العامّة والخاصّة. ثم سائر طبقات الناس. وأقلّ الناس حظّا، لا يخلو أن ينتفع به في سياسة المنزل، وعشرة الصديق، ومداخلة الغريب، ولا يعدم مع ذلك، أنس السمر الذي يوجد في القسم الآخر الذي اطّرحناه».
رؤية مسكويه في النص السابق علمية ومؤنسنة في الوقت ذاته، تعرف طريقها وهدفها، ولا تستبعد أحدا ولا تقصي أحدا، فالتاريخ بالدرجة الاولى موجه إلى فئة ما، ولكنه أيضا يصلح للجميع، مفيد للدارس، وأيضا للبسيط. ولد مسكويه في عام 932م وامتد به العمر لما يقرب من مائة عام إذ توفي في عام1030م، وعاصر التوحيدي ووجه إليه هذا الأخير مجموعة طويلة من الأسئلة رد عليها في كتابه «الهوامل والشوامل»، وكذلك الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني وأبو سليمان السجستاني، والتقى ابن سينا وكان هذا الأخير في بداياته عندما دخل على مسكويه في مجلسه وسط طلابه فرمى جوزة إلى مسكويه وقال له «أحسب مساحتها» ، فألقى إليه مسكويه برسالة له في الأخلاق قائلا: «ابدأ أنت‏ بتهذيب أخلاقك أولا حتى أقوم أنا بحساب مساحة الجوزة، لأنك أحوج إلى تهذيب أخلاقك مني إلى استخراج مساحة الجوزة».
لقد شكل مسكويه ومعاصروه جيلا ذهبيا في الثقافة العربية، في التاريخ والأدب والفلسفة والعلوم، قرأ مسكويه لجابر ابن حيان ومحمد ابن زكريا الرازي وتأثر ككل مؤرخي عصره بتاريخ الطبري، وتفرد بمصادر لا تجدها عند الطبري أو ابن الأثير، إذ عمل خازنا لمكتبات البويهيين من أمثال ابن العميد وعضد الدولة، حيث امتدت صحبته لابن العميد إلى ما يقرب من سبع سنين، ويقال ان فهرس مكتبه هذا الأخير تكونت من 1056 ورقة، أيضاً يحكي المقدسي عن مكتبة عضد الدولة قائلا:» وخزانة الكتب عليها وكيل وخازن، ومشرف من عدول البلد، ولم يبق كتاب صنف إلى وقته من أنواع العلوم كلها إلا وحصله فيها، وهي أزج طويل، في صفة كبيرة، فيه خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان الأزج والخزائن بيوتا طولها قامة في عرض ثلاث أذرع من الخشب المزوق، عليها أبواب تنحدر من فوق، والدفاتر منضدة على الرفوف، لكل نوع بيوت وفهرستات، فيها أسامي الكتب، ولا يدخلها إلا وجيه».
ومع مسكويه أيضاً يتكرر ما حدث مع ابن خلدون، إذ عايش الحوادث، حيث اقترب من دوائر صنع القرار، وكان هو في حد ذاته مصدرا للأخبار، يقول: «أكثر ما أحكيه بعد هذه السنة، يقصد سنة 340ه، فهو مشاهدة وعيان، أو خبر محصل، يجري عندي خبره مجرى ما عاينته».
والقارئ لكتاب «تجارب الأمم» يستوقفه أولاً ذلك التأريخ الخطي الرأسي التقليدي الذي يعتمد على رصد حوادث السنوات، ولكن يلمح فيه كثيرا تحليلا ومناقشة لبعض الموضوعات التي يراها مسكويه ضارة بالعقل أو بالهدف من كتابة التاريخ أصلا، كما يستوقفه ثانيا تلك المقدرة على السرد، الإمتاعي التي تقترب من جماليات الحكي القديم، فضلا عن لمحات هنا وهناك يحاول فيها مسكويه إيضاح دور السياسات الجيدة في عمارة البلدان والارتقاء بها، إضافة إلى غزارة المعلومات التي تؤكد سعة الاطلاع والدأب على البحث والدراسة.

حوار علمي

في «الهوامل والشوامل» يبحث أبو حيان التوحيدي عن جواب ل 175 مسألة هائمة تؤرقه وتحيره، فيجيب مسكويه في «الشوامل»، هي الحيوانات التي تضبط الإبل الهوامل فتجمعها، حيث يستفهم الأول في إحدى مسائله عن أحساس العالم بالْعجب ، فيرد الثاني:» أما الْعَالم الْمُسْتَحق لهَذِهِ السمة فَلَيْسَ يلْحقهُ الْعجب وَلَا يبلي بِهَذِهِ الآفة وَكَيف يبلي بهَا وَهُوَ يعرف سَببهَا؟،وأَنَّهَا مرض سَببه مكاذبة النَّفس وَذَلِكَ أَن حَقِيقَة الْعجب هِيَ ظن الْإِنْسَان بِنَفسِهِ من الْفضل مَا لَيْسَ فِيهِ وظنه هَذَا كذب ثمَّ يستشعره حَتَّى يصدق بِهِ فَتكون صورته صُورَة من يرى رجلاً فِي الْحَرْب شجاعاً يحمل على الْأَبْطَال وَيظْهر فَضِيلَة شجاعته فَيَكْفِي الْعَدو ويفنى الْقرن وَهَذَا الرَّأْي عَنهُ بمعزل ناكص على عَقِبَيْهِ ناء بجانبه وَهُوَ ذَاك يَدعِي تِلْكَ الشجَاعَة لنَفسِهِ فَهُوَ يكذبها فِي الدَّعْوَى ثمَّ يصير مُصدقا بهَا، وَهَذَا من أعجب آفَات النَّفس وأكاذيبها لأجل أَن الْكَذِب فِيهِ مركب فقد يكذب الْإِنْسَان غَيره ليصدقه الْغَيْر فيموه نَفسه عَلَيْهِ فَأَما أَن يموه نَفسه بِالْكَذِبِ ثمَّ يصدق فِيهِ نَفسه فَهُوَ مَوضِع الْعجب وَالْعجب. وَلأَجل هَذَا التَّرْكِيب الَّذِي عرض فِي الْكَذِب صَار أشنع وأقبح من الْكَذِب نَفسه الْبَسِيط الْمَعْرُوف. وَإِذا كَانَ الْعَالم الْفَاضِل لَا تقترن بِهِ آفَة الْكَذِب الْبَسِيط لمعرفته بقبحه لَا سِيمَا إِذا اسْتغنى عَنهُ - فَهُوَ من الآفة المركبة أبعد. فَلذَلِك قلت: إِن الْعَالم لَا يعجب فقد صَارَت هَذِه الْمَسْأَلَة مَرْدُودَة غير مَقْبُولَة. فَأَما مَا يعرض من الْعجب لمن يظنّ أَنه عَالم فَلَيْسَ من الْمَسْأَلَة فِي شَيْء».
يعيد مسكويه في كتابه الأشهر «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق» الاعتبار لفلسفة الأخلاق، فيتحدث عن العدالة والسعادة والقناعة، وقوى النفس .. إلى آخر مباحث هذا الفرع الفلسفي الشامل والمهمل في ثقافتنا العربية، بل يذهب دارسوه إلى أنه أعاد للأخلاق كما بحثها فلاسفة اليونان أهميتها بعدما اهتم فلاسفة المسلمين قبله بمباحث المعرفة والوجود، يقول في كلمات دالة ومؤثرة في ما يتعلق بالخُلق: «الخلق حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيا من أصل المزاج كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب ويهيج من أقل سبب وكالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه أو يرتاع من خبر يسمعه وكالذي يضحك ضحكا مفرطا من أدنى شيء يعجبه وكالذي يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله، ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدرب وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر عليه أولاً فأولاً حتى يصير ملكة وخلقاً، ولهذا اختلف القدماء في الخلق فقال بعضهم الخلق خاص بالنفس غير الناطقة وقال بعضهم قد يكون للنفس الناطقة فيه حظ. ثم اختلف الناس أيضا اختلافا ثانيا، فقال بعضهم من كان له خلق طبيعي لم ينتقل عنه وقال آخرون ليس شيء من الأخلاق طبيعيا للإنسان ولا نقول أنه غير طبيعي. وذلك أنا مطبوعون على قبول الخلق بل ننتقل بالتأديب والمواعظ إما سريعا أو بطيئا. وهذا الرأي الأخير هو الذي نختاره لأنا نشاهده عيانا ولأن الرأي الأول يؤدي إلى أبطال قوة التمييز والعقل وإلى رفض السياسات كلها وترك الناس همجا مهملين وإلى ترك الأحداث والصبيان على ما يتفق أن يكونوا عليه بغير سياسة ولا تعليم وهذا ظاهر الشناعة جدا».
لقد عكست كتابات مسكويه الوعي المتقدم لذلك الزمان، القرن الرابع الهجري، تلك الكتابات التي لا تزال معاصرة لنا، في التاريخ والذي يبدو أننا نقرؤه للتسلية، وفي الأخلاق حيث يندر التأليف أو ينعدم في هذه المسألة، وفي ذلك الحوار الهادئ والمفقود الآن بين «أعلام ورموز» العصر.