متابعة : عبير حسين

لم يتسبب تقرير المركز الدولي للأبحاث في مجال السرطان IARCالتابع لمنظمة الصحة العالمية الصادر مطلع الأسبوع الجاري، في إثارة الهلع العالمي من تناول اللحوم الحمراء والمقددة فقط، لكنه كان سبباً في إعادة تذكير العالم بمحاولات علمية جادة تجرى منذ عدة سنوات للبحث عن بدائل للحوم ليس فقط لمخاطرها الصحية، ولكن في إطار عمليات أوسع وأشمل للبحث عن بدائل غذائية مناسبة لسد الاحتياجات المتزايدة لسكان العالم من الغذاء بعد تجاوز عددهم 7 مليارات نسمة.
كما انتهزت جماعات الحفاظ على المناخ وحماية البيئة النتائج التي توصل إليها التقرير في إعادة «تحذير» العالم من مخاطر زيادة إنتاج الثروة الحيوانية التي طالما لفتوا الانتباه إلى خطورتها على البيئة، إذ يشير أحد تقارير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» إلى أن صناعة اللحوم تسهم بنحو 18% من انبعاثات الغازات المسببة لارتفاع درجة حرارة الأرض، وهي نسبة من المتوقع ارتفاعها مع زيادة تناول اللحوم في البلدان سريعة النمو مثل الصين والهند.
وتعد اللحوم المصنعة في المختبرات أحد الحلول العلمية التي تحاول تقديم بدائل صحية للحوم الحمراء، فقبل نحو عامين عرضت أول قطعة برجر بقري مصنعة في مختبر لأول مرة في العالم، وطهيت القطعة المصنعة من خلايا جذعية من الماشية بتكلفة 250 ألف يورو أمام عدسات الصحافة والتلفاز لتحصل على أكبر تغطية إعلامية لتجربة علمية استمرت خمس سنوات. وصنعت قطعة البرجر المستديرة الحمراء بربط 20 ألف نسيج بروتيني مصنع معملياً مع مكونات أخرى تستخدم عادة في صناعة البرجر ومنها الملح وفتات الخبز ومسحوق البيض، مضافاً إليها عصير البنجر الأحمر والزعفران لمنحها لوناً، وقال فريق الخبراء المعني بتذوقها إن مذاقها «قريب من مذاق اللحوم».
وكانت فكرة اللحوم الحمراء المصنعة في المختبرات من ابتكار العالم مارك بوست الباحث بجامعة ماستريخت الهولندية، وهدف من تجاربه إلى التأكيد على إمكانية إنتاج لحوم لا تأتي بالضرورة من تربية وذبح ملايين الماشية في العالم وهي صناعة مكلفة مالياً وبيئياً.
وفي منتصف العام الماضي توصل علماء ألمان إلى صنع لحم من الخضروات له طعم ورائحة اللحم الحيواني، وقالوا إنه من الصعب التفريق بينهما.
وأطلق العلماء على هذا النوع الجديد «اللحوم الخضراء»، وبالرغم من أن الهدف من تصنيعها كان إنهاء معاناة النباتيين الذين يفتقدون لمذاق اللحوم، أو علاجاً مناسباً للأشخاص المحظور عليهم طبياً تناول اللحوم الحمراء، لكنها برزت في اليومين الأخيرين كبديل مناسب للحوم الحمراء ليس فقط من الناحية الصحية، بل أيضاً كبديل اقتصادي مناسب إذ تمتاز عملية تصنيع اللحوم الخضراء بالسرعة ويمكن إنتاج 60 إلى 70 كيلوغراماً في المختبر خلال ساعة واحدة.
وأعادت المخاوف التي بثها تقرير IARCعن العلاقة بين تناول اللحوم الحمراء والمقددة وارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان إحياء أفكار قديمة عن بدائل أفضل ورخيصة في التغذية، كان أحدها ما قدمته منظمة «الفاو» قبل عامين في تقرير أثار جدلاً كبيراً وقتها عن فوائد تناول «الحشرات»، واعتبارها مصدراً هاماً للبروتين والمعادن، إضافة إلى احتياجها كميات أقل من التغذية لكل كيلو من كتلتها مقارنة بالماشية، فضلاً عن إنتاجها كميات قليلة من الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري.
وحددت أيفا أرسولا موللر مدير قسم سياسة اقتصاديات الغابات والإنتاج بالمنظمة أسماء 1900 نوع من الحشرات القابلة للتناول مؤكدة على قيمتها الغذائية الكبرى لاحتوائها على النحاس والحديد والماغنيسيوم والفوسفور والسيلينيوم والزنك، فضلاً عن أنها مصدر هام للألياف.
واستعان تقرير منظمة «الفاو» الصادر 2013 بآراء عدد كبير من العلماء الذين أكدوا أن القيمة الغذائية لأنواع من الحشرات مثل الجنادب (الجراد النطاط)، وأنواع من النمل والخنافس تقترب قيمتها الغذائية من قيمة اللحوم الحمراء والأسماك المشوية.

إيطاليا تطمئن المستهلكين  وجنوب إفريقيا تنتقد التقرير 

حثت إيطاليا - وهي مهد شرائح اللحوم المقددة والمملحة المصنعة في مدينة بارما - المستهلكين على ألا يصيبهم الهلع ويحجموا عن تناول هذه الوجبة التقليدية التي تشتهر بها إحدى دول حوض البحر المتوسط، وذلك بعد تحذير من أن مثل هذه اللحوم تسبب السرطان.
وردت الهيئات الإيطالية المعنية بالأغذية والزراعة ساخطة على تقرير لمنظمة الصحة العالمية، قال إن تناول اللحوم المصنعة والمحفوظة مثل النقانق واللحوم المقددة علاوة على التعرض للتبغ والحرير الصخري (الأسبستوس) تعتبر أسباباً مرجحة للإصابة بالسرطان.
وقالت الرابطة الزراعية الإيطالية (كولديريتي) في بيان «لا ترهيب بشأن اللحوم إذ إن اللحوم الإيطالية هي الوجبات الصحية بدرجة أكبر»، مشيرة إلى أن الأغذية الإيطالية تقف وراء أعلى توقعات بشأن طول العمر في العالم التي تصل إلى 80 عاماً بالنسبة إلى الذكور و85 عاما للنساء.
وأشارت الرابطة الزراعية الإيطالية (كولديريتي) إلى أن مبيعات حفظ اللحوم في البلاد تدر عائدات تصل إلى 32 مليار يورو (35 مليار دولار) سنوياً ويعمل بها 180 ألف فرد.
وقالت بياتريتشي لورنتسين بوزارة الزراعة الإيطالية إن الحكومة تعكف على دراسة تقرير منظمة الصحة العالمية لكنها قالت إنه يتعين ألا يخشى الناس من هذه النتائج التي أشارت أيضاً إلى وجود «أدلة محدودة» على أن لحوم الأبقار والضأن غير المصنعة قد تسبب السرطان.
أما في جنوب افريقيا فإن مجرد الإشارة لأن اللحوم قد تسبب السرطان قد يكون مدعاة للسخرية والمساس بالتقاليد المرعية في بلد يشتهر بحفلات الشواء في الهواء الطلق التي يشارك فيها البيض والسود على حد سواء كأحد أنماط الحياة.
وانتقد أهالي جنوب إفريقيا تقرير منظمة الصحة العالمية الذي صنف لحوم الأبقار والضأن على انها قد تسبب السرطان وقالوا إنهم سيجازفون بتعريض أنفسهم للخطر بدلاً من أن يديروا ظهورهم لهذه العادة الاجتماعية المتأصلة في ثقافتهم المحلية.
وقال جان سكالينز -مؤسس حملة لتحويل عطلة يوم التراث التي توافق 24 سبتمبر/أيلول من كل عام إلى العيد الوطني «للبراي» - إنها عادة «يعشقها سكان جنوب إفريقيا إذ ترسخ أواصر المودة بينهم أثناء التحلق حول النيران ولحوم البراي.
يخالجني قدر كبير من الشك في أن مثل هذا البحث سيكون له أي تأثير على ذلك».
من ناحية أخرى أيدت وزارة الصحة البوليفية التحذيرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية من مخاطر استهلاك اللحم الأحمر، موصية في المقابل بأكل لحم اللاما.
وأكدت فيكي أغويلار المسؤولة عن دائرة التغذية في وزارة الصحة «لدينا لحم جيد في بوليفيا، مثل لحم اللاما الذي يحوي نسبة قليلة من الدهون، لكن ينبغي بالطبع عدم الإفراط في استهلاكه».