عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدر للناقد والكاتب ممدوح فراج النابي كتاب «جماليات النص دراسات في الرواية»، والكتاب يعمل على تحليل النص الروائي، مبرزاً جمالياته التي تحققت عبر التشكيل ساعياً إلى تطبيق النظرية الروائية، واختبار أدواتها وتقنياتها، على أعمال سردية مصرية، صدرت مع بداية الألفية الجديدة، معتمداً أدوات وتحليل الخطاب الروائي، ساعياً لاستجلاء جماليات التشكيل، التي سعى إليها الكتاب في سردياتهم.
الاشتغال بالمدونة السردية الروائية من دون غيرها من أجناس قريبة يرجع إلى عوامل، ليس منها الوقوع تحت تأثير مقولة جابر عصفور عن «زمن الرواية»، أو حتى الوقوع في أسر الآراء، التي ترى في المشهد الروائي بمثابة الانفجار الكبير، وإنما لما حققته الرواية من مكانة من دون غيرها من الأجناس الأدبية، وهو ما كان دافعاً للدكتور عصفور لإطلاق مقولته السابقة، وإن كان قد سبقتها مقولة الدكتور علي الراعي، التي جعلت الرواية «ديوان العرب» نازعة هذه الصفة من الشعر، وقد نتج عن هذا التتويج أن همشت أجناس، كان لها الصدارة من قبل.
وما بين انفجار مشهد روائي، وغياب الصحافة الأدبية في معظم الصحف، تعالت الصيحات بغياب النقد المواكب لهذا الانفجار، فانتشر النقد الصحفي القائم على العرض والتلخيص دون الوقوف على جماليات الرواية وتشكيلاتها، وفي المقابل كانت دراسات ومتابعات الأكاديميين، منشغلة بالنظرية والمفاهيم والمصطلحات التي أدت إلى عزوف القارئ عن متابعة النقد، وأيضا وجد الأدباء أنفسهم في هذا النقد دليلاً على حالة الانفصال بين النظرية والممارسة.
بناء على هذه الإشكالية يهدف الكتاب إلى أن تسهم هذه الدراسات في كشف هذه الجماليات، مكتفياً بتطبيق آليات تحليل النص على النصوص الروائية، من دون الحاجة إلى الإفاضة في الحديث عن مقولات السرد من زمان ومكان وراوٍ، فهناك الكثير من الكتب التي أفاضت في هذا الجانب النظري دون محاولة من أصحابها للتطبيق.
تأتي هذه الدراسات كاختبار حقيقي لتطبيق هذه المقولات السردية على النصوص الروائية، ويحاول الكتاب كشف جماليات النص الروائي وأغراضه التي يرمي إليها المؤلف، فإن لم تكن له أغراض - كما قال «تزيفتيان تودروف» في كتابه الأخير «الأدب في خطر»، الذي راجع فيه كثيراً من آرائه النقدية السابقة - فلا فائدة تُرْجَى منه، ومن ثم لا قيمة له.
طافت هذه الدراسات في رحاب الفن الروائي زمانيا، ولم تقتصر على مواكبة جيل واحد من الكتاب، وإنما استوعبت معظم الأجيال من دون أن تغض الطرف عن الجيل الجديد، الذي يخطو أولى خطواته في هذا الدرب الوعر والعسير.
بدأ الكتاب بجيل الستينيات وقد أفرد له دراستين، الأولى عن رواية «جوع» لمحمد البساطي، والثانية عن رواية «واحة الغروب» لبهاء طاهر، لما تمثله كتابات هذا الجيل من ثورة في التقنيات، بسعيهم الجاد لتجريب أشكال جديدة لم تَنتهجها الكتابة من قبل، ثم تناول الكتاب جيل السبعينيات وإن كان نتاجه الإبداعي تأخر نسبيا، ومثل له برواية علاء الأسواني «عمارة يعقوبيان».
ثم جاءت روايتا مي خالد «مقعد أخير في قاعة إيوارت» وأحمد أبو خنيجر «خور الجمّال» لاستكشاف جماليات الكتابة لدى جيل الثمانينيات، حيث بدأ طغيان سرد السيرة الذاتية، كما هو واضح لدى مي خالد، أما أبو خنيجر فقدم تجربة مميزة بدأها في «العمة أخت الرجال» ثم تطرق لجماليات الصحراء في «خور الجمال» وأخيرا تناول الكتاب الأحدث في الكتابة جيل التسعينيات في نموذجي هدرا جرجس برواية «مواقيت التعري» ومحمد صالح البحر في حقيبة الرسول.
يرى المؤلف أن فكرة التمثيل والانتخاب لا تعطي صورة متكاملة أو دقيقة للمشهد الروائي برمته، لكن سعة الإبداع الروائي وكثرته حالت دون التمثيل الكلي للأجيال، وإن ارتضى من فكرة التمثيل بأنه قدم ملامح أو رؤية محددة تفيد مَن يُخضع الأجيال بأكملها في مرحلة لاحقة للدرس والتحليل.
وقد استرعى انتباه المؤلف أنه مع هذا الانفجار الروائي وصخب المشهد، إلا أن استحداث تقنيات جديدة، أو العمل على تثوير القوالب الكلاسيكية، لم يكن هدفًا بقدر ما كان تجريبًا عاد بعده الكتاب إلى الأشكال الكلاسيكية القديمة، سواء على مستوى بناء الشخصيات أو على مستوى بناء المتون السردية أيضا.
أما السمة الغالبة التي تتقاطع فيها معظم الأجيال فهي تنحي الخيال لحساب السرد الذاتي، أو تقاطعات الذات مع الواقع، وهو ما يمهد لانتشار المرويات السيرية التي احتلت مكاناً كبيراً في مطلع الألفية الجديدة خاصة مع كتابة البنات.