تعتبر مدينة دمشق شاهداً حياً على إرث حضاري خاص، فعلى امتداد الأزمنة عاصرت المدينة وأهلها حضارات وثقافات متعددة ومتنوعة رسمت معالمها الفنية والمعمارية المختلفة، ويكوّن الإنتاج المعماري الإسلامي أحد أبرز التشكيلات العمرانية لمدينة دمشق، هذا المعمار الذي يعكس صورة واقعية حقيقية لحياة هذا المجتمع في جميع المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ويلبي الاحتياجات البيئية و المناخية لقاطنيه عبر الخصائص المادية لمواد البناء المتوفرة في المدينة.
تأتي البيوت الدمشقية على شكل مجموعة من المنازل تتكاتف مع بعضها بعضاً، تعبرها أزقة ضيقة المساحة لتدعيم الناحية الأمنية، وتسهيل الدفاع عن هذه الحارات وقت اشتداد الأزمات، وأصبحت كل حارة من حارات دمشق عبارة عن كتلة من الأبنية المتراصة ولكل حارة باب أو مدخل رئيسي يغلق في المساء.
كما يعد البيت الدمشقي التقليدي أحد معالم العمارة العربية بمواصفاته الفريدة التي اكتسبها خلال قرون من الازدهار الحضاري بلغ خلالها فن العمارة الإسلامية القمة في الإبداع والتوزيع الوظيفي. ويشكل البيت الدمشقي مثالاً صادقاً لجمال البيت العربي المغلق من الخارج المفتوح على الداخل، حيث نجد أرض البيت واسعة تتوسطها بركة ماء صغيرة وتحيط بها غرف البيت المكونة من طابقين في أكثر الأحيان، ويتصدر البيت الإيوان وإلى جانبه غرفة الاستقبال المفروشة ولا يخلو بيت شامي قديم من الشجر والأزهار.
ينقسم البيت الدمشقي إلى أقسام عدة أهمها، باب «الزقاق»، أول ما يمر به الزائر، وهو باب واسع لإدخال الأغراض الضخمة إلى المنزل، وهناك «الخوخة» وهو باب صغير داخل باب الزقاق ويكون على شكل قوس، ويسمح بمرور الأشخاص، وعادة شخص واحد فقط يستطيع المرور، يعقبه «الدهليز» وهو الممر الضيق والمعتم نوعاً ما الذي يسير فيه الزائر وصولاً إلى صحن الدار، ثم «أرض الدار»، وهي فسحة ضخمة مفتوحة إلى السماء وتحوي في المنتصف بركة ماء صغيرة تحيط بها النباتات المنزلية الشامية العريقة من ياسمين وفل وشجر التوت والنارنج، ثم «الديوانية» وتسمى أيضاً «البرّاني» وهي الغرفة القريبة من مدخل البيت وتكون عادة مجلساً لأهل الحل والربط لحل مشكلات أهل الحي.
ومن أهم أقسام البيت ما يعرف بالإيوان أو «الليوان» وهو مكان أعلى من صحن الدار مفتوح مباشرة على الفناء وإلى جانبه قاعات الاستقبال والضيافة، يحوي على الزخارف الخشبية المنفذة بأشكال عدة، وله قنطرة تسمى تاج الإيوان، يستخدم من قبل أهل البيت، وأيضاً لاستقبال الضيوف القادمين على عجل لقضاء حاجة معينة، أما «القاعة» أو الغرفة الموجودة في أرض الدار فهي قاعة كبيرة داخلية مزخرفة وتحوي بدورها على أثاث فخم لاستقبال الضيوف وقضاء وقت طويل معهم فيها، وضمنها توجد بركة صغيرة تدعى «الفستقية» وسقفها المزخرف يدعى الحلقة.
وهناك أيضاً «المندلون»، وهو شباك صغير يفتح في الجدار الواصل مع البيت المجاور تماماً، بحيث تستطيع سيدة المنزل أن تحدث جارتها من خلاله وتتبادلان الأطعمة والحاجيات المختلفة.
أما «المشرفة» فهو سطح صغير داخل البيت، بين الدرج وغرف النوم في الطابق العلوي، و«القبو» وهو غرفة موجودة تحت الطابق الأرضي تصل إليها باستخدام الدرج وهي معدة للمؤونة.
إن البيت الدمشقي يتميز بتأكيده على التنويع في الزخرفة النباتية والهندسية وتنوع المواد الإنشائية، مثل الطين والخشب والحجر في إنشاء الجدران والسقوف، كما أن القاعات الرئيسية في البيت الدمشقي مطرزة بروائع الزخارف الخشبية والرخامية الملونة التي تزين نهايات الأبواب والنوافذ.