إعداد: محمد إسماعيل زاهر
في عام 1931 تم إيداع كتاب «الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل» لإسماعيل بن الرزاز الجزري في متحف بوسطن للعلوم الجميلة في الولايات المتحدة، ويعتبر الكتاب ذروة الإنجاز العربي الإسلامي في علم الهندسة الميكانيكية في نهايات القرن السادس وبدايات القرن السابع الهجريين، إذ جاء الكتاب خلاصة لأعمال واختراعات الجزري على مدار ربع قرن بدأها في جزيرة ابن عمر، ثم حصن كيفا ثم مدينة «آمد» في الجزيرة الفراتية في أقصى الشمال السوري، حيث حظي برعاية حكام ديار بكر من بني أرتق، ووصل إلى منصب كبير المهندسين في البلاط.
كانت ابتكارات الجزري في عصره ثورة في علم الميكانيكا، الحيل في التراث العربي، فمن آلات لرفع المياه إلى أنواع مختلفة من الساعات، إلى أوان لمجالس الشراب ذاتية الحركة إلى آلات موسيقية، إلى اختراع ما يشبه الإنسان الآلي أو الروبوت، إلى رؤية وأفكار حول الزمن، حتى أن مؤرخ العلوم الشهير جورج سارتون يقول عن الكتاب: «أكثر الأعمال تفصيلاً من نوعه، ويمكن اعتباره الذروة في هذا المجال بين الإنجازات الإسلامية».
يقول العالم دونالد هيل في مراجعته للترجمة الإنجليزية للكتاب: «إن أهم انطباع يكونه المرء هو أن هذه التكنولوجيا الفنية للألعاب الفلسفية التي سارت على منهج هيرون الإسكندراني ليست نوعاً من اللهو التافه لمجتمع مترف أو مجتمع يكثر فيه استخدام العبيد، بحيث تشغل الناس وتصرفهم عن الاهتمام بالآلات المفيدة، بل إنها تمثل الاتجاه أو التيار الرئيسي للمهارات الميكانيكية التي استمرت وازدهرت في الأجيال اللاحقة في ورشات صانعي الساعات وصانعي الأجهزة العلمية، تلك التكنولوجيا التي كانت القوة الدافعة الأساسية وراء كل من الثورتين العلمية والصناعية، وما من شك أننا نجد أمامنا في هذا الكتاب مجموعة من الآليات المبدعة المستندة إلى ذخيرة كبيرة وافرة من أنواع الآلات والوسائل الهيدروليكية والمهارات الميكانيكية المعقدة الأخرى التي لابد وأنها انتقلت من الصانع والمعلم إلى التلميذ جيلاً بعد جيل».

✽تراث طويل

يقف وراء ابن الرزاز الجزري تراث طويل من التأصيل النظري لعلم الميكانيكا، في عصره كانت كتب مثل «الثقل والخفة» لأقليدس، و«ساعات الماء التي ترمي بالبنادق» لأرخميدس، و«المخروطات» لأبلونيوس، و«رفع الأثقال»لأهرن، و«الآلات المفرغة للهواء والرافعة للمياه» لهيرون الإسكندراني مترجمة للعربية، وكانت كتابات البيروني عن صعود مياه الفورات «النوافير»، وحيل التحريك بالسوائل«ميكانيكا الموائع»، وما كتبه الخوارزمي في «مفاتيح العلوم» عن آلات سحب الأثقال، وما كتبه ثابت بن قرة والكوفي والفرابي وابن سينا وابن الهيثم وفخر الدين الرازي وابن ملكا في مسائل الحركة والجاذبية، كلها منتشرة بين الدارسين من محبي العلوم، أي عاش الجزري في زمن يبدو من الظاهر أنه يعاني الانحدار الحضاري ولكنه تضمن عشرات الأعمال للعلماء العرب المسلمين التي صبت عند الجزري ومن بعده علماء أوروبا.

وبخلاف التأصيل النظري الذي أتاحته تلك الأعمال من مجال للبحث والإضافة أمام الجزري، تبدو النزعة العملية في العلوم الإسلامية، أي العمل المؤسس على النظر، حيث يصف لنا الأديب سليمان فياض في كتابه عن ابن الرزاز الجزري مشهداً مهماً لمدينة«آمد»أو ديار بكر في تلك الفترة قائلاً:«كانت أسوار آمد أو ديار بكر على هيئة دائرة غير منتظمة، يكتنفها اثنان وسبعون برجاً، ما بين مستدير الشكل، أو مربع، أو مثمن، وكان للمدينة أربعة أبواب، وتضمنت ثمانية وعشرين مسجداً جامعاً و اثنتي عشرة كنيسة، واشتملت على مئات الحرفيين من صناع المصنوعات الجلدية، من جلود مجلوبة من مراكش، والمنسوجات الحريرية، والقطنية، والأدوات النحاسية، والزجاجية، والفخارية»، ويستمر في وصف القصور والأسواق والميادين، لنجد أنفسنا نسير في شوارع مدينة مزدهرة متسامحة، تحتفي بالعلم والصناعة، في هذه المدينة عاش الجزري لمدة ربع قرن.

ملأ الجزري قصور ديار بكر وميادينها بأشكال مختلفة من الساعات: ساعات شمسية دقاقة، تعلن عن ساعة الغداء بصوت رنان، وساعات مائية ليلية، تشير إلى الوقت وتُسقط كل ساعة كرة في قدح معدني، وتدور حول محور تظهر فيه النجوم ورسوم الحيوانات، وساعات تحمل فتحات منسقة، الواحدة تلو الأخرى في شكل نصف دائري، وتومض كلما جاوزت الساعة الثانية عشر ليلاً، ويمر فوقها هلال وضاء، وكل هذه الساعات تعمل بالماء أو الزئبق أو الشمع المشتعل أو بواسطة حرارة الشمس، وتحدث الجرزي عن التروس القطعية في الساعات للمرة الأولى ولم تُصنع إلا في أوروبا، بعد ذلك بأكثر من قرنين، وأشار أيضاً إلى ميزان الساعة، وهو الجهاز الذي يحافظ على سرعة دوران التروس، وتحدث كذلك عن ساعة بإمكاننا تخصيصها لقياس الزمن الذي تستغرقه عملية ما، stop watch.

ومنح الجزري لساعاته العديد من الأسماء مثل ساعة القرد، الفيل، الرامي البارع، الكاتب، الطبال، وكانت ساعة الفيل أهم اختراعاته، وهي على شكل فيل و العناصر المكونة للساعة موجودة في بيت على ظهر الفيل، وصممت لإصدار صوت منبه كل نصف ساعة، وتوجد منها نسخ في مول ابن بطوطة في دبي، ونسخة أخرى في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في جدة، وفي الساعة أو بيت الساعة نلمح التنين وطائر الفينيق والعمامة الإسلامية، الأمر الذي يؤشر إلى تقاطع الثقافات في تلك المرحلة، وإلى تلك المدينة المنفتحة على الثقافات المختلفة

✽ابتكارات متعددة

وتعددت ابتكارات الجزري المتعلقة برفع وتوزيع المياه، فاخترع مضخة ذات أسطوانتين متقابلتين، وهي توازي حالياً المضخات الماصة والكابسة، ونواعير رفع المياه من الأنهار، ومضخة «الدلاء» وهي نوع من الآلات التي تعطي مردوداً حركياً بفضل سقوط الماء من أعلى، وتعتمد إنجازات الجزري في مجالات المياه على مبدأ أن الحركة الدائرية يمكنها أن تولد قوة دافعة إلى الأمام، وهناك من يرى أنه توصل إلى اختراع عمود «الكامات»، وهو العمود الذي يدور بضغط مكابس المحرك فتتولد قوة دافعة إلى الأمام كما يحدث في محرك السيارة، كما صنع الجزري فرقة موسيقية تطفو على سطح الماء، كل واحد من أعضاء الفرقة يصدر صوت آلة موسيقية مختلفة، وابتكر آلة لتصريف المياه في المغاسل والحمامات، وعندما أخبره الأمير نصير الدين الأرتقي أنه لا يريد أن يقوم الخادم بصب الماء له في الوضوء اخترع الجزري حوضاً كبيراً وبجانبه آلة تصب الماء بطريقة أوتوماتيكية.
يقول دونالد هيل عن الجزري: «لم تكن بين يدينا حتى العصور الحديثة أي وثيقة من أي حضارة أخرى في العالم فيها ما يضاهي ما في كتاب الجزري من غنى في التصاميم وفي الشروحات المتعلقة بطرق صنع وتجميع الآلات».
الملاحظ في كتاب الجزري أنه تحدث فيه عن قوانين الهندسة والميكانيكا والفيزياء، وزوده برسوم ملونة عن ابتكاراته واختراعاته، وترجم إلى اللاتينية في القرن الثالث عشر الميلادي، أي بعد أقل من قرن من رحيل الجزري، ومع الأخذ في الاعتبار مسألة أن الترجمة في تلك الأزمان كانت بطيئة، فإنه يمكننا استنباط شهرة اختراعات الجزري في أوروبا وسعي المثقفين والمترجمين هناك إلى التعرف السريع إلى أفكاره، ومن هنا نفهم لماذا اعتبر سارتون والدوميلي وهونكه كتاب الجزري ذروة المعارف في الميكانيكا والديناميكا، وكتب عنه من العرب المحدثين أحمد يوسف الحسن في«الهندسة الميكانيكية العربية»، وأحمد عبد الرازق أحمد في«الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى»، و مصطفى نصيف في «علم الطبيعة»، وقدري حافظ طوقان في «العلوم عند العرب»، وحكمت نجيب عبد الرحمن في «دراسات في تاريخ العلوم عند العرب»، وتوجد مخطوطات من كتاب الجزري في أكسفورد، ولندن، ودبلن.
وتعتبر المعلومات عن حياة الجزري شحيحة ولكن كتابه معروف، وينم عن اطلاع واسع ودأب في تحصيل العلم، وقدرة على تحويل النظر إلى عمل، وهي سمة عند العلماء العرب والمسلمين، فهذه المهارة اللافتة في ابتكار كل ماهو جديد ومفيد لابد أن تختزن بداخلها دراسة وافية للفيزياء والكيمياء والرياضيات، وإذا أخذنا في الاعتبار أن هذه العلوم في تلك الأزمان لم تكن تدرس منفصلة عن الفلسفة والمنطق والكلام لأدركنا أننا أمام عالم مثل بذاته موسوعة متنقلة استطاعت استيعاب علوم السابقين وأضافت كل ما هو جديد ونافع للآخرين في الوقت نفسه، وبإمكاننا كذلك ملاحظة المكان الذي عاش فيه الجزري و الحقبة التاريخية التي أبدع فيها، حيث كانت الاضطرابات السياسية سمة مميزة لمكانه وزمانه ولكن كل ذلك لم يمنع عالمنا من البحث والاجتهاد وإنتاج العلم الذي يفيد الناس ويمكث في الأرض.