العنقاء طائر أسطوري عرفه العرب قديماً، وحاكوا حوله الحكايات الخرافية، وتعرفه معاجم اللغة وكتب الحيوان بأنه طائر معروف الاسم مجهول الجسم، ووصفوه بالقوة والجمال، واتخذوه رمزاً للشيء الذي تستحيل رؤيته بعد اختفائه، فقالوا «طارت به عنقاء مغرب»، أي إنه اختفى ولن يعود، ويئس منه، ولهم في ذلك قصة رواها ابن منظور في لسان العرب، وهي أن أصحاب الرس، وهم من الأقوام البائدة كان بأرضهم جبل طوله في السماء ميل، وكانت تنتابه طائرة عظيمة الخلق طويلة العنق ذات ألوان زاهية، لا يرى في الطيور أعظم منها ولا أجمل، فتنقض على الطيور فتأكلها، فجاعت ذات يوم، فانقضت على طفل منهم، وأغربت به (أي اختفت به)، ثم عادت بعد مدة واختطفت طفلة فأغربت بها، وكان لهم نبي فشكوا ذلك إليه، فدعا عليها فسلط الله عليها آفةً فهلكت، فضربتها العرب مثلا، ومن أسماء العنقاء أيضاً «الرخ»، وهي عند اليونان طائر «الفينيق» أو «الفنيكس»، غير أن أسطورة الفينيق تختلف عن أسطورة العنقاء، في أن الفينيق يعيش سعيداً مدة طويلة تصل في بعض الحكايات إلى خمسمئة عام وفي بعضها الآخر إلى ألف عام، وعندما يريد أن يولد ويجدد حياته، يترك موطنه - وهو في أغلب الأساطير في اليمن- إلى فينيقيا، وهناك يبني عشاً في أعلى نخلة، ويدخله فيحترق، ومن رماده تخرج شرنقة يتولد منها طائر جديد يعود لموطنه الأصلي، وفي بعض الروايات المصرية القديمة أن الطائر عندما يريد أن يجدد نفسه يسافر إلى معبد الإله «رع» في مصر، ويدخله ويصفق بجناحيه حتى تشتعل فيهما النار، فيحترق ثم يخرج من رماده طائر جديد، ولهذا يسمى الفينيق أيضا طائر النار.
رمز المستحيل
في أشعار العرب ارتبط استخدام العنقاء بالمثل الذي يضربونه لاستحالة رجوع الشيء، واليأس منه، فقد ورد في استخدمها الفرزدق في مدحه لسليمان بن عبد الملك عندما عفا عن آل المهلب وأجارهم وآواهم وكانوا هربوا إليه خوفا من بطش الحجاج، فأحسن إليهم وأكرمهم، يقول الفرزدق في مطلع قصيدته:
لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه
على كل جارٍ، جار آل المهلب
أمر لهم حبلاً، فلما ارتقوا به
أتى دونه منهم بدرءٍ ومنكب
وقال لهم: حلوا الرحال، فإنكم
هربتم، فألقوها إلى خير مهرب
أتوه ولم يرسل إليهم، وما ألوا
عن الأمنع الأوفى الجوار المهذب
فكان كما ظنوا به، والذي رجوا
لهم حين ألقوا عن حراجيج لغب
إلى أن يصل إلى قوله:
ولولا سليمان الخليفة حلقت
بهم من يد الحجاج عنقاء مغرب
أبى وهو مولى العهد أن يقبل التي
يلام بها عرض الغدور المسبب
فجعل بطش الحجاج بهم لو ظفر بهم كعنقاء مغرب لأنه سيقضي عليهم ويقطع دابرهم.
في العصر الحديث استغل الشعراء العرب كثيراً العنقاء رمزاً للقوة وللمستحيل، كما استخدموها بإيحاء الفينيق كرمز للقدرة على التجدد بعد البلى، والحياة بعد الفناء.
وفي النثر العربي وردت العنقاء في مغامرات السندباد في كتاب ألف ليلة وليلة، والسندباد كما هو معروف هو ابن أحد أكبر تجار بغداد أحب المغامرة وتاقت نفسه لرؤية بلدان العالم، فركب البحر مع عمه مغامراً، وطاف بالبلدان والبحار، ودخل في أهوال لا حصر لها، وكان في كل مرة ينتصر فيها، لأن الحكايات تتخذه رمزاً للخير، ومن تلك الأهوال التي مر بها، لقاؤه بالعنقاء، فبعد أن حطم الحوت العظيم سفينة عمه وغرق رجالها، نجا السندباد على خشبة، ونزل بجزيرة غريبة، فرأى فيها هيكلاً أزرق ضخماً ظنه في الأول منزلاً، وعندما وصله وجده بيضة عظيمة، لطائر أزرق كبير، وكان الطائر نائماً، فاحتال السندباد حتى ربط نفسه برجله، يريده أن يطير به إلى حيث يذهب ليستكشف عالمه، فطار به إلى واد سحيق يسمى وادي الماس، فجمع الكثير من الماس، ثم تعلق بقطع لحم كان الصيادون يرمونها ليعلق فيها الماس، فتأخذها النسور وتطير بها، ولما تمر النسور من جانب الصيادين يرمون النسور فتسقط قطعة اللحم منها، فيأخذون ما علق بها من الألماس، فالتصق السندباد بقطعة اللحم، فحمله نسر وأسقطه بين يدي الصيادين، فأعطاهم ما عنده من الألماس، ورافقهم، لكن الصيادين سوف يكسرون بيضة العنقاء فتهاجمهم العنقاء بالصخور، وتحطم سفينتهم، ثم ينجو السندباد إلى مغامرة جديدة.
وهكذا فالعنقاء في النثر رمز للقوة والأهوال العظيمة التي يمر بها الإنسان وعليه أن ينتصر عليها.