المقامة فن عربي قديم، يرجع تاريخه إلى القرن الرابع الهجري، وقد اتخذه الأدباء العرب وسيلة لإظهار براعتهم ومقدرتهم اللغوية والبلاغية، ومن ثم تبوأ هذا الفن مكانة مهمة في الأدب العربي، خاصة بعد أن مهد «بديع الزمان الهمذاني» الطريق لمن أتوا بعده، كالحريري الذي كان واسع الثقافة، ويعرف كيف يحكم الصياغة والتعبير، ويصل بهذا الفن إلى القمة.
كانت كلمة «مقامة» تستخدم منذ العصر الجاهلي بمعنى المجلس، واستعملت في العصر الإسلامي بمعنى المجلس يجتمع فيه الناس، ويقوم فيه شخص بين يدي خليفة أو غيره، ويلقي الخطب والعظات، وبهذا المعنى استخدمها «بديع الزمان» في المقامة الوعظية، أما عن المعنى الاصطلاحي فإنه هو أول من أعطى كلمة «مقامة» معناها الاصطلاحي بين الأدباء، فصارت تعرف بأنها نص أدبي مسجوع، أو قصة قصيرة ليس فيها عقدة ولا حبكة، يتأنق في ألفاظها وأساليبها وتزدان بالمحسنات البديعية، وتشتمل على عظة أو طرفة.
وقد أعادت الدار المصرية اللبنانية نشر «مقامات بديع الزمان الهمذاني»، خاصة النص الذي شرحه الإمام الشيخ محمد عبده، حيث توضح المقدمة التي كتبها محمد فتحي أبو بكر أن المقامة ليست قصة بالمعنى المعروف، وإنما هي حديث أدبي بليغ، وهي أدنى إلى الحيلة منها إلى القصة، فليس فيها من القصة إلا ظاهرها فقط، أما هي في حقيقتها فحيلة يطرفنا بها بديع الزمان وغيره، لنطلع من جهة على حادثة معينة، ومن جهة أخرى على أساليب أنيقة، بل إن الحادثة التي تحدث للبطل لا أهمية لها، إذ ليست هي الغاية، إنما الغاية هي التعليم والأسلوب الذي تعرض به الحادثة.
لم يكن بديع الزمان - كما يشير الكتاب - يريد أن يؤلف قصصاً، وإنما كان يريد أن يسوق أحاديث لتلاميذه، تعلمهم أساليب اللغة العربية، وتقف بهم على ألفاظها المختارة، ولعله من أجل ذلك سماها «مقامة»، ولم يسمها قصة أو حكاية، فهي ليست أكثر من حديث قصير، حاول أن يجعله مشوقاً، فأجراه في شكل قصص، يكون فيها حوار محدود، ويكون فيها ما يشوق، ويجذب الناشئين للاطلاع.
ولعل ذلك ما جعل المقامة منذ ابتكارها تنحو نحو بلاغة اللفظ، وحب اللغة لذاتها، فالجوهر فيها ليس أساساً، وإنما الأساس هو العرض الخارجي، والحلية اللفظية، وكان لذلك وجه من النفع، فقد انساق الأدباء إلى الثروة اللفظية، وأخذوا يبتكرون صوراً جديدة للتعبير، لكن في حدود سطحية، فلم يتجهوا بالمقامة إلى وصف حوادث النفس وحركاتها، ولا إلى الإفساح للعقل كي يعبر عن العواطف ويحللها، وإنما اتجهوا بها إلى ناحية لفظية صرفة، إذ كان اللفظ فتنة القوم، وكان السجع ما لفتهم من جمال في اللغة وأساليبها، وكانت ألوان البديع كل ما راعهم منها ومن أسرارها.
وقد توسع من خلفوا الهمذاني والحريري في المقامة، فأجروها لا في تعليم الأساليب الأنيقة فحسب، بل أيضاً في مختلف الشؤون الثقافية، فحملوها نحواً وفقهاً وطباً، ووضعوا فيها مناظرات خيالية، كما وضعوا بها أحياناً جوانب من مجتمعاتهم، لكنهم لم يفكوا عنها قيود اللفظ وأسجاعه، بل كان ذلك مقياساً للمهارة.
عرفت اللغة الفارسية المقامة وترجمت إلى اللغتين العبرية والسريانية، لكن تأثيرها في أوروبا كان محدوداً، خاصة إذا ما قورنت ب «ألف ليلة وليلة» التي أقبل عليها الأوروبيون وتأثروا بها، أما المقامات فمن الصعب أن نتبين أثرها، لأن القصة ليست عمادها، وإنما عمادها الأسلوب، وما يحمل من زخارف السجع والبديع.
موضوع المقامات هو إعمال الحيلة لكسب المال، وفيها يظهر البطل شيئاً من العلم والفصاحة والبداهة، كما أن بعض المقامات تصف الحياة في بغداد في عهد بديع الزمان الهمذاني، وبعضها يتكلم عن تاريخ قديم، كالمقامة التي يظهر فيها الشاعر «ذو الرمة» والمقامة التي تصور مشهداً في حياة سيف الدولة، كما أن هناك مقامات تتضمن مناظرات في الدين والأحاجي الشعرية، كما تتضمن حيل الشحاذين واللصوص.