«جمع من الكتب ما لا يوصف، وقصد بها من الآفاق، وكان لا يحب من الدنيا سواها، ولم تكن له دار ولا زوجة، وأوصى بكتبه للناصر صاحب حلب، وكانت تساوي خمسين ألف دينار»، وتستمر الحكاية في عدة مصادر لتسرد شغف المؤرخ القفطي بالكتب والقراءة، ذلك المؤرخ الذي كان صاحب أكبر خزانة كتب في حلب في القرن السابع الهجري، حيث كانت داره قبلة للوراقين ومقصداً للناسخين، يجلبون له الكتب من كل حدب وصوب، حتى يروى أنه مرض مرضاً شديداً لبضع صفحات ضاعت من كتاب مخطوط بخط صاحبه اجتهد في الحصول عليه، وفي كتابه «إنباه الرواة على أنباه النحاة» كثيراً ما يفخر بأنه اقتنى كتاباً من ناسخ مشهور أو عثر على نسخة فريدة لا توجد عند سواه.
ينتمي المؤرخ جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي إلى طبقة المؤرخين المتميزين، الذين كتبوا في حقول التاريخ، السير والتراجم وأخبار الأسر الحاكمة وأخبار الدول، وانفردت الكتب التي وصلتنا منه بفضاء خلاب ومثير ويدفع إلى الاطلاع والقراءة، وأهم كتبه «إخبار العلماء بأخبار الحكماء»، والحكمة التي ركز عليها مؤرخنا في كتابه هي حكمة عصره، أي ترتبط غالباً بالطب والفلسفة، فنجده يشتغل على التأريخ لسير فلاسفة وأطباء من الهند واليونان وأقطار العالم الإسلامي، أما كتابه الثاني «الأنباه» فهو معجم شامل لتراجم أعلام النحو واللغة من عصر أبي الأسود الدؤلي حتى عصر القفطي نفسه.
ازدهار علمي
ولد القفطي في عام 586 ه، في بلدة قفط في صعيد مصر، ويبدو أن البلدة شهدت في ذلك الزمان ازدهاراً علمياً حيث تلقى القفطي في طفولته العلوم الأساسية، ثم ذهب إلى القاهرة وقضى بها عدة سنوات، ودرس على يد محمد بن بنان الأنباري، ورحل إلى الإسكندرية ليأخذ العلم عن أبي طاهر السلفي، وكلما كان يسمع عن أحد العلماء البارزين يرتحل إليه، وكان والده معروفاً بجمال خطه والتحق بخدمة الأيوبيين مما أتاح للقفطي أن يتجول مع أبيه في بلاد الشام، حتى قرر الوالد الرحيل إلى اليمن فاتجه الابن إلى مدينة حلب، وهناك تعرف إلى ميمون القصري صديق الملك غازي، الظاهر بن السلطان صلاح الدين، وبعد ذلك عاش القفطي في حلب قارئاً ودارساً وجامعاً للكتب، وتقرب بدوره من الأيوبيين وتولى منصب قاضي قضاة حلب خلال الفترة من 616 إلى 628 ه ولقبه الجميع بالقاضي الأكرم، وبعد ذلك طلب من السلطان إعفاءه من هذا المنصب ليتفرغ للكتابة والتأليف فوافق السلطان، فعكف القفطي على البحث حتى وفاته في عام 646 ه في حلب.
كتب القفطي الشعر كذلك، ولكن تبدو عليه الصنعة ويشيع فيه التكلف على ما يذهب الكثيرون، وله العديد من المؤلفات في التاريخ والأدب، منها: «تاريخ اليمن»، «أخبار آل مرداس»، «أخبار المصنفين وما صنفوه»، «أخبار مصر» في ستة أجزاء، «الدر الثمين في أخبار المتيمين»، «نهزة الخاطر»، «والمحمدون من الشعراء».
يستند القفطي في شغفه بالتاريخ و الترجمة للأدباء إلى تراث طويل من تلك النوعية من الكتابات، منها «تاريخ بغداد» للخطيب، «تاريخ دمشق» لابن عساكر، «تاريخ مصر» لابن يونس، «طبقات الأمم» لصاعد الأندلسي، «طبقات النحويين واللغويين «للزبيدي،» المقتبس في أخبار النحويين واللغويين «للمرزباني»، «يتيمة الدهر» للثعالبي، «خريدة القصر» للعماد الأصفهاني، «الفهرست» لابن النديم.....الخ.
في كتاب «إنباه الرواة» «نجد أنفسنا أمام تراجم تركز على أعلام النحو واللغة، ولكننا أيضاً نقرأ سير القراء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمتصوفين والأدباء والشعراء والمؤرخين وأيضاً المنجمين، ما يقرب من ألف ترجمة، لم تقتصر على عصر دون أخر أو تركز على بلد أو إقليم بعينه، بل يتنقل بنا القفطي بين الحجاز والبحرين وعمان والعراق وخراسان وديار بكر والشام ومصر والمغرب وإفريقيا والأندلس..الخ.
ينطلق القفطي في كتابه من ولع نراه في تراثنا بالبحث عن بدايات الأشياء، فتحت عنوان «ذكر أول من وضع النحو»، يقول: «الجمهور من أهل الرواية على أن أول من وضع النحو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، قال أبو الأسود الدؤلي رحمه الله: دخلت على أمير المؤمنين علي فرأيته مطرقاً مفكراً، فقلت فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟، فقال: سمعت ببلدكم لحناً، فأردت أن أصنع كتاباً في أصول العربية. فقلت إن فعلت أبقيت فينا هذه اللغة العربية، ثم أتيته بعد أيام، فألقى إلي صحيفة فيها: الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك. واعلم أن الأشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر، فجمعت أشياء وعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها: إن، وأن، وليت، ولعل، وكأن، ولم أذكر لكنّ، فقال: لم تركتها؟، فقلت لم أحسبها فيها. فقال بلى هي منها، فزدها فيها، ثم يتابع القفطي قائلاً: «هذا هو الأشهر من أمر ابتداء النحو، وقد تعرض الزجّاجي أبو القاسم إلى شرح هذا بالتفصيل، ورأيت بمصر بأيدي الوراقين جزءاً فيه أبواب من النحو، يجمعون على أنها مقدمة علي بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي».
ويستمر القفطي مؤرخاً للأدباء والشعراء، يقول عن «الفضل بن الحباب أبو خليفة الجمحي»: «كان واسع الرواية، ولي قضاء البصرة، وكان من علم الشعر واللغة بمكان عال، وكان أهل الحديث يأتونه يقرأون عليه»، هي الرغبة في التدوين والرصد والتأريخ لأعلام الأدب منذ البدايات وفي كل الأمصار حتى عصر المؤرخ نفسه، يكتبها ببساطة وسلاسة ويعود فيها إلى مئات الكتب التي جمعها في حياته.
حكايات التاريخ
يأتي كتاب «أخبار الحكماء» ليجمع فيه القفطي بين ما قرأه وما سمعه، بين التاريخ وبعض الأساطير والمرويات الشفهية، ويسرد ترجمة 414 فيلسوف وطبيب منذ البدايات أيضاً إلى زمن المؤلف، يرتب القفطي كتابه أو معجمه على حروف الهجاء، ويبدأ بحرف الهمزة في أسماء الحكماء ويحكي قصة النبي إدريس عليه السلام، كما وردت في القرآن الكريم والتفاسير، ثم يعدد الحكايات التي قيلت عنه مستفيداً من كتب القدماء وهنا يمزج التاريخي بالأسطوري، فيورد كل القصص التي وردت عن النبي إدريس في التراث المصري القديم و الكتب اليونانية، فاسمه باليونانية طرميس وعند العبرانيين خنوخ و في مصر هرمس الهرامسة، ولد بمصر أو بابل وتلقى العلم قبل النبوة و تعددت الأقاويل فيه.
أما في حرف الباء فيذكر القفطي مثلاً برقلس ديدوخس ويلحقه بصفة الأفلاطوني، ويعني ذلك انتشار واسع للفلسفة اليونانية بين مثقفي ذلك العصر، وبرقلس هذا قال بالدهر و«تجرد للرد عليه يحيي النحوي بكتاب كبير صنفه في ذلك وهو عندي ولله الحمد والمنة»، حيث يفخر القفطي بامتلاكه كتاب النحوي وهي سمة تتكرر كثيراً فيما يتعلق بالعديد من الكتب التي يأتي القفطي على ذكرها.
وينتقل القفطي إلى حكمة الهند فيكتب عن كنكة الهندي وكتابه الألوف، وكنكة هذا «المقدم في علم النجوم عند جميع العلماء في الهند»، و لا ينسى القفطي أن يصف حكمة الهند بالقول: «والهند هي الأمة الأولى كثيرة العدد فخمة الممالك، قد أعترف لها بالحكمة وأقر بالتبريز في فنون المعرفة كل الملل السالفة».
ويتابع القفطي رحلته مع أبي الحكم المغربي الأندلسي نزيل دمشق «هو الحكيم الأديب تاج الحكماء، قرأ علوم الأوائل فأجاد وبحر في الآداب فأحسن، وزاد وطاف في الآفاق شرقاً وغرباً»، أما ابن السنبدي فهو رجل كان بمصر «من أهل المعرفة والعلم والخبرة بعمل الاصطرلاب والحركات، وقد رأينا من عمله آلات حسنة الوضع في شكلها، صحيحة التخطيط في بابها»، و يعرج على بني موسى و حيلهم العلمية وصعود نجمهم في الدولة العباسية، ثم يورد ترجمة الحارث بن كلدة «طبيب العرب في وقته، أصله من ثقيف من أهل الطائف رحل إلى أرض فارس، وأخذ الطب من أهل جند يسابور، وجاد في هذه الصناعة وعالج بأرض فارس»، أما الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني فهو «صاحب كتاب الإكليل المؤلف في أنساب حمير وأيام ملوكها وهو كتاب عظيم الفائدة يشتمل على عشرة فنون ويتضمن نبذ من علم الطبيعة وأصول أحكام النجوم وآراء الأوائل في قدم العالم وحدوثه واختلافهم في أدواره وفي تناسل الناس ومقادير أعمارهم وغير ذلك، وله كتاب سرائر الحكمة وغرضه التعريف بهيئة الأفلاك ومقادير حركة الكواكب وتبين علم أحكام النجوم».
ويتحدث القفطي عن الرازي قائلاً: «طبيب المسلمين غير مدافع وأحد المشهورين في علم المنطق والهندسة وغيرهما من علوم الفلسفة، وكان في ابتداء أمره يضرب بالعود، ثم ترك ذلك وأقبل على تعلم الفلسفة فنال منها كثيراً وألف كتباً كثيرة أكثرها في صناعة الطب وسائرها في ضروب من المعارف الطبيعية والإلهية، إلا أنه توغل في العلم الإلهي وما فهم غرضه الأقصى فاضطرب لذلك، وانتحل مذاهب خبيثة وذم أقواماً لم يفهم عنهم ولا هدي سبيلهم، و تولى مارستان الري ثم مارستان بغداد زماناً ثم عمى في آخر عمره».
تتعدد الترجمات في أعمال القفطي، ينطلق من البدايات ثم يتجول بنا بين مختلف العصور والبلدان، وهناك ولع خاص بالحكمة والأدب، برغم تولي المؤلف منصب القضاء، وهناك أيضاً الكثير من الأسماء التي يوردها القفطي والمعلومات عنها شحيحة، وعناوين لكتب لم تصلنا، والحكايات التي يقصها القفطي لمن ترجم لهم إمتاعية إلى حد كبير، وحديثه عن خزائن وأسواق الكتب التي كان يشاهدها في المدن التي زارها و مكتبات المنازل التي استضافه فيها أصحابها والوراقين الذين تعامل معهم، كل ذلك يؤكد انتشار ثقافة الكتاب والسعي إليه والرغبة في الحصول عليه في القرن السابع الهجري الذي يرى الكثيرون أنه بداية أفول الحضارة العربية الإسلامية، وهي مسألة تؤكد سيرة القفطي وغيره أنها تحتاج إلى إعادة النظر.