وصف ابن خلدون كتاب «الأغاني» للأصفهاني بـ«ديوان العرب»، ووصفه طه حسين يوماً بأهم مرجع في تصوير الحياة الاجتماعية والأدبية في التراث العربي فهذا الكتاب الذي أمضى صاحبه في تأليفه 50 عاماً ظل فريداً من نوعه في آداب العالم كلها حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، كما يذهب إبراهيم العريس، فقد جمع الأصفهاني فيه بين أخبار الشعراء والمغنيين وربط بينهم، وفي ثنايا حكاياته كنوز من المرويات عن الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية، وفي كثير من الكتب اللافتة التي تشتغل على مختلف حقول الثقافة والمعرفة تاريخياً سيصادفك «الأغاني» كمرجع مهم، ربما يعتمد عليه الباحث لرصد سيرة هذه الشخصية أو تتبع ذلك الجدل أو رسم تلك الصورة المرتبطة بأحوال البشر وتقلباتهم، وبرغم تأليف الأصفهاني لعدة كتب أخرى إلا أن اسمه ارتبط بـ«الأغاني».
عندما تتصفح كتاب أحمد أمين اللافت «ضحى الإسلام» ستجده يعتمد إلى حد كبير على الأصفهاني في تحليله للحياة الاجتماعية في ذلك الزمن، وهناك الكثير من الدراسات التي استندت إلى كتاب الرجل، برغم تشكيك الكثيرين في أهمية الكتاب التاريخية أو انتقادهم لصدق مؤلفه، أو هدفه هو نفسه من الكتاب، إذ يعتقدون أنه خصصه للتسلية والإمتاع.
وهناك مختصرات للكتاب الذي يقع في إحدى طبعاته في 25 جزءاً من القطع الكبير فضلاً عن جزأين للفهارس، مثل كتاب «تجريد الأغاني من المثالث والمثاني» لابن واصل الحموي، و«مختار الأغاني في الأخبار والتهاني» لابن منظور المصري وهذا العمل الأخير رتبه مؤلفه على حروف الهجاء وأضاف إليه ترجمة موسعة لأبي نواس، وفي العصر الحديث أختصر محمد الخضري الكتاب تحت عنوان «تهذيب الأغاني» حذف منه الأسانيد وجعله في قسمين الأول للشعراء والثاني للمغنين، وكثيرة هي المؤلفات عن العشاق والمحبين في التراث العربي والتي ترجع إلى «الأغاني»، وكتب عنه محمد أحمد خلف الله «صاحب الأغاني»، وشفيق جبري «دراسة الأغاني».. الخ.
ولنستمع إلى ابن خلدون وهو يتحدث عن الأصفهاني: «وقد ألف أبو الفرج الأصفهاني كتابه في الأغاني، جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم، وأيامهم، ودولهم، وجعل مبناه على الغناء في المئة صوت التي اختارها المغنون للرشيد، فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب ولعمري إنه ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب»، وقال عنه ابن الجوزي البغدادي: «ومثله لا يوثق بروايته.. ومن تأمل كتاب الأغاني رأي كل قبيح ومنكر»، وهو ما يذهب إليه أيضاً الخطيب البغدادي بالقول: «كان أبو الفرج الأصفهاني أكذب الناس، كان يشتري شيئاً كثيراً من الصحف ثم تكون روايته منها».
أما الروائي محمد المنسي قنديل في كتابه الممتع «شخصيات حية من الأغاني» فيلخص كل هذا الجدل حول شخصية الأصفهاني بالقول: «الأقدمون قالوا عن أبي الفرج إنه عبقري فذ، صنع ما لم يصنعه أحد، وقالوا بل هو أكذب الناس، كان يذهب إلى سوق الوراقين فيحمل إلى بيته ما يمكن حمله، ويعكف في البيت على سرقة ما يجد من أخبار وينسبها لنفسه. وحكى الصاحب بن عباد أنه كان يصطحب معه إلى موسم الحج حمولة ثلاثين جملاً من الكتب، فلما ظهر كتاب الأغاني استغنى به عن كل الكتب والجمال».
ولد علي بن الحسين بن محمد المرواني الأموي في عام 284 ه، في أصفهان ونشأ وتوفي في عام 356 ه في بغداد، والبعض يقول إنه ولد وتوفي في بغداد حيث كان جده محمد بن أحمد على علاقة بكبار رجال سامراء، وكذلك عمه الحسن بن محمد كان من الكتاب في عصر الخليفة العباسي المتوكل، أما نسبه لأمه فيعود إلى آل ثوابة المعروفين باهتمامهم بالشعر والأدب، وفي مدينة الكوفة قضى فترة من حياته يدرس على علمائها، ثم رحل إلى بغداد ودرس على أعلامها معارف عصره، حتى حصل منها قدراً كبيراً، يقول عنه معاصره التنوخي: «كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والحديث المسند والنسب، ما لم أرَ قط من يحفظ مثله، وكان يحفظ الكثير من اللغة والنحو والسير والمغازي».
ظل الأصفهاني لمدة 50 عاماً يتتبع سير من أرخ لهم في الكتب وبين الأوراق، جامعاً لها من شفاه الرواة، ربما أضاف هنا وغير هناك، و أضاف وحذف وبدل، وتدخل، ولكنه في النهاية لم يكن يشتغل في إطار العلوم النخبوية أو التي تستدعي الأمانة العلمية بصرامتها المنهجية، كان يكتب عن الشعراء والمغنيين، وكان لابد للخيال أن يلعب دوره المهم والمركزي، وبعد أن فرغ من الكتاب ذهب به إلى سيف الدولة الحمداني فأعطاه ألف دينار، ولكنه استفاد من نسخة أرسلها إلى الخليفة في الأندلس مقابل ألف دينار ذهباً.
أسباب التأليف
كتاب «الأغاني» موسوعة ليس في الغناء العربي وحسب، ولكنه كنز لمن أراد أن يقرأ قصص الشعراء ويطلع على حكاياتهم. يذكر الأصفهاني الدافع له على تأليف الكتاب بالقول: «والذي بعثني على تأليفه أن رئيساً من رؤسائنا كلفني جمعه له، وعرفني أنه بلغه أن الكتاب المنسوب إلى إسحاق الموصلي في الغناء مدفوع أن يكون من تأليفه وهو مع ذلك قليل الفائدة، وأنه شاك في صحته»، إذاً الكتاب موضوع كبديل للكتاب المنسوب للموصلي، ولذلك صدر «الأغاني» بذكر المئة صوت المختارة لهارون الرشيد الذي أمر إبراهيم الموصلي وإسماعيل بن جامع، وفليح بن العوراء باختيارها له من الغناء، وبرغم أن هدف الكتاب الأساسي الأصوات والغناء إلا أنه ترجم لما يقرب من 300 شاعر و60 من المغنيين والمغنيات.
في «الأغاني» سير لكبار المغنيين في الفضاء الزمني للأصفهاني، الذي يمتد من ما قبل الإسلام وحتى العصر العباسي، أمثال: ابن محرز، ابن سريج، الغريض، الأبجر، الهذلي، معبد، دنانير، حبابة، عريب.. الخ، وفي الكتاب رصد لقواعد الغناء العربي، وآلات الطرب والموسيقى التي كانت سائدة في عصره: الدف، الطبل، الطنبور، العود، الناي، الرباب..الخ.
في الأغاني سير الشعراء العرب، مكتوبة بإمتاعية وأسلوب مختلف: امرؤ القيس، تأبط شرا، الشنفرى، النابغة، عروة بن الورد، المنخل اليشكري، الحطيئة، أمية بن الصلت، الخنساء، عمر بن أبي ربيعة، قيس بن الملوح، ديك الجن، كثير عزة، وضاح اليمن، قيس بن ذريح، جرير، الفرزدق، بشار بن برد، وتعثر في الكتاب على غير الشعراء، حكاياتهم تتشابك وتتقاطع مع الشعراء، تقرأ عن حرب البسوس، وداحس والغبراء، وزرقاء اليمامة وأشعب، تتشعب فضاءات القراءة ليمتزج الأدب بالفن بالسياسة بالإيديولوجيا، بقصص تشعر أحياناً بأغراضها غير البريئة ولكنك لا تملك الفكاك من سحرها الأدبي، وأحياناً أخرى يضفي الأصفهاني مخياله على الشخصيات، وفي أحيان ثالثة يصور ما يحيط بالشخصية حتى ينفذ إلى أعماقها.
في كتابه المستوحى من الأغاني يصنع محمد المنسي قنديل من الأصفهاني شخصية روائية، يتحدث على لسانه مباشرة إلى الشعراء والمغنيين الذين كتب عنهم، يُدخله في نقاشات معهم، يحاوره في وجهات نظره التي رسخها عنهم بل ويبحث معه في الوجود الحقيقي لهذه الشخصيات، الكتاب، «شخصيات حية من الأغاني»، تتلبسه روح الهزيمة ربما بتأثير نكسة 1967، ولذلك فشخصيات الأصفهاني/ قنديل منكسرة ارتكبت الكثير من الأخطاء والخطايا التي أدت إلى الهزيمة، هزيمتها من الداخل أولاً، ثم هزيمة محيطها الاجتماعي لاحقا، يتخيل قنديل حواراً بين امرؤ القيس وأبي الفرج لحظة احتضار الأول بعد مسيرة حافلة غلب عليها المرارة قائلاً: «تذكر امرؤ القيس ابنة قيصر وهي تطل عليه في الحديقة...وتخرج لساناً أحمر كالجمر. قال أبو الفرج:
- من أجل هذا أرسل لك، يقصد القيصر، ثوبه المسموم، ومن أجل هذا يتساقط جلدك.
- تأوه امرؤ القيس: حتى في الموت. أغمض عينيه: كم مرة أموت؟، كم نفساً بداخلي؟. التفت إلى أبي الفرج: إذا مت هل ستدفنني بجوار المرأة الوحيدة التي أحببتها؟
- قال: إذا أردت
- قال: لقد أحببت النساء.. وكرهت الملوك، وتعبت من الثأر، عشقت كل الكائنات وأبغضت أبي».
هنا «الأغاني» حاضر كدلالة على النكسة، عبر تأويل آخر لحكاياته وشخوصه، التي عاشت هنا يوماً ما، ولم تتعلم ما حدث لها، وأورثتنا تلك السمات، «الأغاني» حاضر مرة أخرى بقوة في كل من أرخ للأدب العربي، كما هو حاضر مرة ثالثة ككتاب كاذب ومغرض بالنسبة لمن يؤرخ لفضاءات سياسية وفكرية، كما هو حاضر لمن تحدث عن الترف الذي شهدته الحضارة العربية الإسلامية في أوج ازدهارها في زمن الأصفهاني.
أعمال أخرى
كتب الأصفهاني العديد من المؤلفات الأخرى تتفق مع روح «الأغاني»، ومنها :«مجموع الأخبار والآثار»، «أخبار الطفيليين»، «أدب الغرباء»، «الفرق والمعيار بين الأوغاد والأحرار»، «التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها»، «المماليك الشعراء»...الخ، لنقرأ ترجمة للأصفهاني في كتاب «الإماء الشواعر» عن دنانير جارية محمد بن كناسة، يقول فيها: مولدة، من مولدات الكوفة، رباها محمد بن كناسة، وأدبها، وخرجت: شاعرة، أديبة، فصيحة، وقيل إنها كانت تغني، وذلك باطل، كان محمد بن كناسة، رجلاً زاهداً، نبيلاً، وهو ابن خالة إبراهيم بن أدهم وليس مثله من يعلم جارية له الغناء، ثم يسترسل عن القصة نفسها ولكن بصيغة أخرى: أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال حدثني ابن أبي الدنيا، قال: كتب إلى الزبير بن بكار، يذكر أن علي بن عثام الكلابي حدثه، قال: جئت يوماً إلى منزل محمد بن كناسة، وكانت جاريته دنانير جالسة، فقالت لي: مالك محزوناً يا أبا الحسن؟ قلت: رجعت من دفن أخ لي من قريش، فسكتت شيئاً، ثم قالت:
بكيت على أخ لك من قريش
... فأبكانا بكاؤك يا علي!
وما كنا عرفناه ولكن
... طهاره صحبه: الخبر الجلي
وجوه كثيرة يمكن العثور عليها في كتب الأصفهاني، وجدل احتدم حول الرجل وأعماله، وأهدافه، بعضها ارتبط بسمات شخصية وسلوكية، وبعضها تعلق بالانتماء السياسي والمذهبي، فضلاً عن رؤى حاكمت الرجل منطلقة من فضاء آخر تماماً، نتيجة لشهرة «الأغاني» وذيوعه فالرجل صور اللهو في زمانه ولم يصور الجد والعلم والعمل، وعلى أي حال يبقى الأصفهاني وكتبه جزءاً من تراثنا الذي تتعدد فضاءاته وجمالياته التي تنتظر من يكشف عنها تباعاً.