يحفل تاريخ الأدب العربي بالعديد من الشعراء الظرفاء الذين كانوا يجالسون الخلفاء ويستدرون عطاءهم بطرفهم التي كانوا يتحفون بها المجالس. وتطفح كتب الأدب بالكثير من القصص والنوادر التي سارت بها الركبان وتناقلتها الأجيال في مختلف العصور والأزمان، منها قصة الشاعر زند بن الجون، وهو أحد الظرفاء، ونديم الخلفاء والأمراء، ويكنى بأبي دلامة، كان عبداً لرجل من أهل الرقة من بني أسد يقال له قصاص بن لاحق، فأعتقه، وهو أسود اللون، أصله من الكوفة وأقام ببغداد.
كان أبو دلامة غاية في الطرافة والظرافة وحسن التخلص، واستدرار العطايا والهبات بالدعابات والنكات، وقد حظي بمكانة كبيرة عند خلفاء بني العباس فكانوا يطربون لحديثه، ويضحكون من دعابته ونوادره، ويكرمونه في العطاء لما ينشده من أشعار. وقد حفظت لنا كتب الأدب والتاريخ الكثير من قصصه ونوادره التي حدثت له مع الخلفاء والأمراء، فكان فيها سريع البديهة ظريف الدعابة فاره الدعاية سهل العبارة لطيف نكتة، ومما يروى عنه من قصص ما حدث له مع الخليفة العباسي السفاح، لما دخل عليه مرة فقال له الخليفة:
سلني حاجتك؟
قال: كلب صيد
قال: ويلك! أهذه حاجتك؟ كلب؟
قال: نعم
قال: أعطوه إياه
قال: يا أمير المؤمنين فكيف ألحق به، أأعدو على رجلي؟
قال: أعطوه فرساً
قال: فمن يخدم الفرس؟
فأمر له بغلام.
قال: فإن صدت صيداً فمن يطبخه؟
فأمر له بجارية.
قال: يا أمير المؤمنين قد صيرت في عنقي جملة من العيال فمن أين أنفق عليهم؟
فأعطاه مالاً جزيلاً، وقال بقيت لك حاجة؟
قال: نعم، تدعني أقبل يدك
قال: أما هذه فلا.
ودخل أبو دلامة على سلمة المخزومية زوجة السفاح، يعزيها بعد وفاته، فإذا هي متفجعة، فبكى وبكت معه، وأنشدها قصيدة في رثائه، فقالت له: لم أر أحداً أصيب به غيري وغيرك يا أبا دلامة، فقال: ولا سواء يرحمك الله، لك منه ولد، وما ولدت أنا منه، فضحكت ولم تكن ضحكت قبل ذلك، وقالت: لو حدثت الشيطان لأضحكته.
ودخل أبو دلامة يوماً على المهدي يهنئه بقدومه من سفره وأنشده:
بقرى العراق وأنت ذو وفر
لتصلين على النبي محمد
ولتملأن دراهما حجري
فقال المهدي: أما الأول فنعم، نصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأما الثاني فلا.
فقال: يا أمير المؤمنين هما كلمتان فلا تفرق بينهما.
فأمر أن يملأ حجره دراهم، ثم قال له: قم
فقال: ينخرق منها قميصي.
فأفرغت منه في أكياسها ثم قام فحملها وذهب.
وروى عنه أنه دخل يوماً على المهدي وعنده جماعة من علية القوم، فقال له المهدي: أنا أعطي الله عهداً إن لم تهج واحداً ممن في البيت لأقطعن لسانك أو لأضربن عنقك. فنظر إليه القوم، وكلما نظر إلى أحد منهم غمزه بأن علي رضاك. قال أبو دلامة: فعلمت أني قد وقعت وأنها عزمة من عزماته لا بد منها، فلم أر أحداً أحق بالهجاء مني ولا أدعى إلى السلامة من هجاء نفسي، فقلت:
ألا أبلغ إليك أبا دلامهْ
فليس من الكرام ولا كرامهْ
إذا لبس العمامة كان قرداً
وخنزيراً إذا نزع العمامهْ
جمعت دمامة وجمعت لؤما
كذاك اللؤم تتبعه الدمامهْ
والحق أن أبا دلامة امتلك قدرة فائقة على التسلية والترفيه عبر الطرفة الخفيفة والنكتة الظريفة، ما خلب ألباب الخلفاء والعامة، وبخاصة أنه كان يعمد في شعره إلى توظيف اللغة السهلة ميسورة الفهم للمتلقين.
مني بونعامة