يوم له معنى، ذلك اليوم الذي قضيته على أحد شواطئ الإسكندرية من دون ترتيب مسبق مع أستاذ درس لنا النظرية السياسية، وكان قد انتهى لتوه من تصحيح ورقة امتحاني. أراد أن يناقشني في ما ورد في ورقتي وكشفت فيها عن مواقفي من أفكار عدد من الفلاسفة. دار النقاش باللغة الإنجليزية التي كان يفضل التدريس والتخاطب بها بعد إقامة طويلة في إنجلترا. كان يوماً له معنى لأنه اليوم الذي اقتربت فيه من نفسي التي لم تكن قد كشفت لي بعد عن مكنونها وخفاياها.
}} يوم آخر له معنى، كان اليوم الذي دعيت فيه إلى غداء في نادٍ للأجانب في مدينة نيودلهي. جلست إلى جانبي فتاة تصغرني بأربعة أعوام، كان مقدراً لها ولي أن نعيش معاً ونرزق بابن وابنتين، وأن نغامر معهم، وبهم في حياة لم تعرف الاستقرار إلا قليلاً. ثلاثتهم الآن، بفضل يوم عشته في الهند، هم أحلى وأغلى ما بقي لي في حياة طويلة ومثمرة.
}} يوم آخر له معنى، هو ذلك اليوم سيئ السيرة والسمعة حين حل علينا في مدينة بوينس إيرس، نائب وزير الخارجية المصرية، تصادف أن يصل يوم الخامس من يونيو/حزيران عام 1967، وشاء حظه أن أكون الشخص المكلف بإبلاغه بما انتهى إليه اليوم الأول في الحرب، أبلغته الأخبار المقيتة بكل الهدوء الممكن، واستأذنته في نهاية الإبلاغ أن أسأل سؤالاً، السؤال الذي حمل في طياته نيتي صنع مستقبل مختلف لنفسي وعائلتي. سألته: بالله عليك، ألم يكن أفضل لك، ولمصر، ولنا جميعاً لو تمسكت وأنت الطيار المتميز بطائرتك وموقعك في سلاح الطيران، ولم تتدخل في السياسة؟ بدخولك السياسة خسرك الجيش المصري والوطن، ولم تكسبك السياسة.
عرفت في ذلك اليوم قيمة ومعنى اليوم الذي قضيته مع أستاذ النظرية السياسية على شاطئ الإسكندرية قبل اثني عشر عاماً، يوم تعرفت وأنا ابن التاسعة عشرة على نفسي وموقفي من السلطة وفهمي للعدالة والحرية. عرفت أيضاً معنى وقيمة اليوم الذي سعيت فيه على مائدة غداء في عاصمة الهند لتحمل مسؤولية الاقتران وإقامة عائلة.
}} يوم آخر له معنى، كان اليوم الذي استقبلني فيه هيكل مرحباً بقبولي دعوته للعمل في مركز الدراسات الفلسطينية والصهيونية بالأهرام، ومبدياً استعداده للاستماع إلى اقتراحاتي لتطوير المركز والارتقاء به إلى مستوى التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وتوثيق العلاقة بين النظريات الجديدة في العلوم الاجتماعية والعمل الصحفي. كان اليوم الذي أطلق الفرصة لأيام أخرى كثيرة ليكون لها معنى. تلك الأيام امتدت من صيف1971 حتى مطلع هذا الشتاء، شتاء 2016. كان أروع ما ربط بعضها بالبعض الآخر كحلقات في سلسلة فريدة المعدن والصياغة، وأكسبها معنى، هو «عبقرية» الطرفين في صنع علاقة تجمع بين العمل والصداقة، علاقة احترمت الخصوصيات واستغنت عن المصالح، وبنيت على الصراحة والثقة المتبادلة. لا أخجل من، ولا أتردد في استخدام كلمة العبقرية، فالمحافظة على علاقة صداقة مع إنسان له صفات ليست عادية، ويتمتع بذكاء غير مألوف، ويخضع لضغوط استثنائية، ويعرف كل ما أعرفه وأكثر، ويقرأ كل ما أقرأ وأكثر، ويطمئن على غير عادته إلى أن ما نتبادل من دخائل وتفاصيل سوف يظل دائماً بعيداً عن متناول الآخرين، وما أكثر هؤلاء الآخرين. علاقة لا شك تحتاج رعايتها والمحافظة عليها إلى موهبة خاصة، وبالأحرى تحتاج إلى «عبقرية» من كلا الطرفين.
كل يوم قضيناه مع هيكل في الرحلة المطولة في القارة الآسيوية كان يوماً له معنى. عودنا أنفسنا خلال الرحلة التي جمعتنا معه على أن يجتمع الفريق فور عودته إلى الفندق من زيارة إلى رئيس، أو وزير، أو رجل أعمال، أو مواطن عادي، في منزله، لنتبادل ما جمعنا، كل على حدة، من ملاحظات وما سجلنا من كلمات. لم يحدث إلا نادراً خلال هذه الاجتماعات أن فاجأناه بملاحظة شيء أو كلمة فاتت عليه، أو لم ينتبه لها. كان الاجتماع دائماً بالنسبة إلي درساً في مهنة لم أحلم يوماً بشرف ممارستها أو الانتماء لها. كنت أخرج من كل اجتماع أسأل الرفاق، ومنهم الصحفي العتيد حمدي فؤاد، والدبلوماسي المحنك سميح صادق، والمفكر عالمي المستوى محمد سيد أحمد، كيف فاتنا ما لم يفته؟ علماً بأننا نسجل كل كلمة وكل ملحوظة وهو لا يمسك بقلم. كان يعتقد، على حق، أن الورقة والقلم وجهاز التسجيل في يد الصحفي كافية لمنع المسؤول من التصريح بما يخفي، كافية على الأقل لإثارة حرصه. عرفت ما لم أكن أعرف. عرفت أن حرص المسؤول عدو لدود للصحفي، وخصم عنيد لا يلين، أو يضعف إلا أمام مهارة صحفية وتدريب جيد.
تعلمت في الصغر أن الفضول رذيلة، فقد نشأت على قواعد أخلاقية تنبذ الفضول، وتحذر من الوقوع في براثنه. كان للأستاذ رأيه في موقفي من الفضول، ولم يكف يوماً عن ترديده. كرره في يوم قضينا بعضه في مكتب مسؤول عربي كبير، كنا خارجين للتو من اللقاء حين فاجأني بالسؤال عما إذا كنت خمنت اسم المرض الذي يعانيه المسؤول الذي قابلناه، فاجأته بإجابتي ومفادها أنني لم انتبه حتى إلى أن الرجل مريض، فأنى لي أن أتعرف إلى مرضه أو أشخصه. هنا يبدأ، كما في كل مرة، الجدل حول الفضول، يتحمس منتقداً وكاشفاً عن تعجبه من أن باحثاً في السياسة ومحللاً لها يتعالى على الفضول، بينما هو يمارسه في كل مرة يقرر البحث عن معلومة، أو التنقيب عن دراسة، أو يستفسر عن خلفية حاكم، وعن عدد زوجاته ومحظياته، وعما يفعله وقت فراغه والاستفراد بنفسه. أما كيف أدرك أن المسؤول الكبير مصاب بمرض معين، فيقول إنه لاحظ خلال المقابلة أن المسؤول الكبير يسحب الطباق اللازم لحشو «البيبة» الصغيرة جداً جداً من زجاجة دواء مستعملة أيضاً صغيرة جداً، هذه الزجاجة كغيرها من الزجاجات التي يبيعون فيها الأدوية في أمريكا مسجل عليها اسم الدواء، واسم المرض، وأحياناً اسم المريض.
انتهى النقاش بيننا إلى أنه لا ضرر أو تجاوز أخلاقياً يحول دون أن انتبه إلى الزجاجة والتفاصيل المسجلة عليها في الوقت نفسه الذي استمع فيه إلى الحديث الدائر وأدون على الورق، أو في الذاكرة بعضه أو أكثره.
}} يوم آخر له معنى وأشعر بتفاصيله محفورة في الذاكرة، كان من بين أيام عدة في الرحلة الآسيوية لكل منها معنى. كان قد رسخ في ذهن الأستاذ بعض ما نقلته إليه في الطائرة عن تفاصيل لقائي قبل سبعة عشر عاماً مع أستاذ النظرية السياسية على شاطئ في الإسكندرية، فإذا به ونحن في بداية رحلتنا في الصين يطلب من المرافقين الصينيين الإذن لاثنين فقط من أعضاء الفريق، وهما رئيس المركز وأنا، بزيارة خاصة لفصل متقدم من فصول التأهيل في أحد معسكرات العمل. (بالمناسبة كان يتعمد خلال الرحلة الإشارة إلى أنه يرأس الوفد بصفته رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية وليس بصفته رئيس تحرير الأهرام، ووراء هذا الاختيار قصة عريضة). دخلنا قاعة تأهيل.. كان المنظر بكل المعاني رهيباً، منظر مئات المعتقلين الجالسين القرفصاء بلباسهم الأزرق، أسوة بلباس بقية أفراد الشعب والحكام في ذلك الحين، ينهض الواحد، أو الواحدة منهم وقوفاً ليعرب أمام زملائه عن أسفه وتوبته عن فكرة بورجوازية راودته. ظل الأستاذ طول الزيارة يراقب ردود فعلي وانعكاسات المنظر على وجهي. قضينا مع الرفاق في الفندق بقية اليوم نعرض ما رأينا وسمعنا ونناقش محتدين حيناً، ولكن منبهرين طوال الوقت، كان بحق يوماً له معنى.
هناك في الصين، بلغ اهتمامنا أقصاه بتفاصيل وآثار الثورة الثقافية التي أطلقها الرئيس ماو تسي تونغ ليستعيد التوازن إلى علاقات مؤسسات الدولة ببعضها بعضاً. هناك، في مصر، كان في انتظارنا من يتابع تقاريرنا عن رحلة الصين، خاصة عن الثورة الثقافية. لم تمض سوى أيام قليلة على عودتنا إلا وطلب العقيد القذافي عقد لقاء في الأهرام يضمه وأعضاء المركز ليسمع عن تجربة الصين.
تحدد الموعد، وكان يوماً مشهوداً. أبدى العقيد في البداية اهتماماً بأمور عادية يهتم بها كل الحكام، مثل دور ماو تسي تونغ في الحكم والقيادة والفكر، ومثل طول تماثيله وعرضها، ثم أنصت إلى سرد مفصل عن الثورة الثقافية قبل أن يمطرنا بالأسئلة.
لم نكن في حاجة إلى ذكاء شديد لنقرأ ما يدور في رأسه. تبادلت والأستاذ النظرات، وبخاصة عندما دخل علينا في القاعة أشرف مروان ليصطحب العقيد إلى اجتماع يعقد في الرئاسة مع الرئيس وكبار المسؤولين، فإذا بالعقيد يسكته بإشارة من يده ويتوجه إلينا بمزيد من الأسئلة. أثبتت الأيام التالية أن شكوكنا كانت في محلها، إذ لم تمض مدة طويلة إلا وكان العقيد يعلن الثورة الثقافية في ليبيا، ويحل أجهزة الدولة وينشئ اللجان والمؤتمرات الشعبية ويكلفها بإدارة شؤون الناس.
عشت سنوات بعد هذا الاجتماع متهماً من هيكل وزملاء في الأهرام باشتراكي في تحمل مسؤولية التطورات الليبية التي أعقبت زيارة العقيد لفريق الرحلة الآسيوية في مقر المركز بالأهرام. لم تكن المرة الأولى التي اتهمني فيها هيكل مازحاً بالمسؤولية عن حدث أو آخر.
ذات يوم من أيام الترقب لحرب تعيد لمصر أراضيها، ووسط الانشغال بالتحضير لاجتماعات مغلقة تعقد بصفة تكاد تكون يومية في غرفة ملاصقة لمكتب رئيس التحرير، ويحضرها زملاء وأصدقاء من الخارجية، ومندوب شبه رسمي وشبه دائم من الرئاسة، انفرد بي الأستاذ في مكتبه وأمامه تقرير أقرب في الحجم إلى أن يكون دراسة منه إلى مقال. أشار إلى أنه التقرير الذي أرسلته له في الليلة الفائتة. سألني عما أنوي أن أفعله بهذا التقرير، فهو بالتأكيد لا يصلح للنشر كمقال في الجريدة، ولا يصلح للنشر في مجلة الطليعة في حال وافق الأستاذ لطفي الخولي، وكثيراً ما اعترض، ولا يحتمل انتظار العدد المقبل من مجلة السياسة الدولية. أجبت بأنه ربما يفيد كخلفية في أحد اجتماعاتنا المغلقة، متمنياً أن يظل في أضيق نطاق لحساسية بعض الأفكار الواردة فيه، فكر قليلاً قبل أن يعلن قراره أن تجرى مناقشته على أعلى مستوى ممكن في أول اجتماع، وأن تخرج خلاصته وخلاصة النقاش إلى أوسع دائرة ممكنة من القراء، وفي النهاية طلب مني التوجه بالتقرير إلى الخارجية، وتسليم نسخة منه إلى السيد إسماعيل فهمي، مع دعوة شخصية للمشاركة في دائرة حوار لمناقشته، وكان ما كان وكله منشور ومعروف.
غير المعروف على نطاق واسع هو أنه فور إعلان الوزير مراد غالب توقيف السفير إسماعيل فهمي عن العمل بسبب ما نشر على لسانه أثناء الحوار، استدعاني هيكل إلى مكتبه ليقول لي إنه بما أنني مشارك أصيل في مسؤولية ما حدث فواجبي أن أكون مشاركاً في ابتكار حل يستعيد للسفير موقعه ومكانته، بل الاعتراف له بشجاعته في إبداء رأيه بحرية. قال «لا تنس أنك شخصياً، والأهرام كمؤسسة مسؤولان عما حدث لهذا الرجل».
التزام الأهرام ألا يتخلى عن أصدقائه العاملين فيه وكل من وقف إلى جانبه في محنة أو أخرى سمعته منه أكثر مرة. مورس هذا الالتزام أمامي في أزمة مائدة الحوار التي شارك فيها السفير إسماعيل فهمي، ومورس في أزمة المبعدين من الصحفيين، خاصة من الأهرام، إلى وظائف إدارية في الحكومة والقطاع العام. مورس مرات عدة في حماية مقالات وروايات وقصائد كبار الكتاب والأدباء والفنانين، مورس معي شخصياً في مواجهة غضب شديد ورغبة قوية في فصلي عقاباً على مقال نشرته الأهرام عن طبيعة علاقات الحكم في بعض دول أمريكا اللاتينية، ظناً من رئيس الدولة أن المقال يمسه شخصياً ويعرض بالطبقة الحاكمة.
من أيام لها معنى، تلك الأيام التي تلت تنحية الأستاذ من منصبه في الأهرام. حينها تأكدت بما لا يقبل الشك أو التردد أن ثقة كبيرة باتت تربط بيننا، لا أعني أنه خلال الأعوام السابقة كان هناك شك، ولكن كان هناك دائماً التحفظ الرصين من جانب طرفي العلاقة. الثقة تطورت ثم تدعمت خلال رحلات بالطائرة تجاوزت مدة بعضها الساعات التسع أو العشر، وخلال «تمشيات» طويلة في مزرعته ببرقاش وفي شوارع باريس وروما وتونس والكويت ودمشق وبيروت، وغيرها من مدن العرب، ففي مثل هذه الرحلات والمشاوير الطويلة يفرض الوقت ضرورات ملئه وتمريره. من خلالها عرفت أنه يقرأ أكثر مما أقرأ، ويدخن أكثر مما أدخن، وينصت إلى الموسيقى أكثر مما كنت أنصت، وأظن أنه كان يفكر في كل شيء وفي كل الأوقات، أكثر مما كنت أفعل. لكنه كان يأكل ويشرب سوائل ساخنة أو باردة أقل مما كنت آكل وأشرب.
في هذه الرحلات والتمشيات تحديداً، وفي جلسات ما بعد العشاء في الفنادق أو قصور الضيافة، أرضيت بعض شغفي، ولا أقول فضولي، لمعرفة ما غاب عني عن «حقيقة» أو طبيعة جمال عبد الناصر. لم يبح بمعلومات عن كل ما سألت عنه، ولكني صرت مع الوقت وبعد هذه الرحلات والتمشيات والجلسات أعرف أكثر مما كنت أعرف قبلاً، وبالتأكيد أكثر مما يظن الكثيرون أنهم يعرفون عن شخصية هذا الرجل الذي استطاع تغيير مسيرة مصر. عرفت أيضاً الكثير عن دور سوريا في تطور فكر ووعي عبد الناصر، وفي استراتيجية مصر في عهده، وعهدنا على حد سواء. عرفت منه، ومن محمود رياض، ومن آخرين اقتربت منهم دور «العواطف» في صنع السياسة الخارجية المصرية، فكانت إضافة إلى ولعي بالبحث في أدوار العواطف في الأداء السياسي والاقتصادي للناس على اختلاف مشاربهم.
أظن أنه كان يخشى على المركز من أن يستدرج إلى غابة السياسة فيهمل في مهمة التفكير الحر ووضع بدائل عمل وشجاعة عرض مواقف وآراء جريئة، وفي أحسن الأحوال تتشتت جهوده.
تصادف أن يواجه مكتبي في الطابق السادس مكتب الصديق لطفي الخولي وجماعة الطليعة، حدث بعد وصولي من الخارج بأسابيع قليلة، أن زارني الأستاذ لطفي ليطلب مني بصفة شخصية مساعدته في إعداد تصور لتنظيم جديد للحزب الحاكم كلفه به الرئيس السادات. وعدته بالتفكير فور انتهائي من دراسة كنت منشغلاً بإعدادها. في صباح اليوم التالي، وعلى غير المعتاد، سمعت هرجاً في الغرفة الأمامية الملحقة بمكتبي ثم نقرة على الباب قبل أن يدخل الأستاذ هيكل. سحب مقعداً وجلس وطلب نصف فنجان من القهوة، ثم راح يتصفح كتباً ومقالات على المكتب. شرب القهوة وبدأ يستعد للخروج ليلتفت فجأة ويقول ما معناه أتمنى لو طلب منك جهاز في الدولة أو خارجها كتابة تقرير أو بيان، إبلاغي قبل أن تشرع في إعداده، ثم استطرد بأنه يعرف جيداً أن الأنظار كلها سوف تتجه إلى هذا المركز، وأنه لا يريد له أن يتوه أثناء تلبية مطالب متعارضة، ومصالح متضاربة لأشخاص، أو أجهزة في السلطة.
لم أكن أعرف حتى ذلك الحين موقع مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في أولويات هيكل. كنت جديداً على المكان وإن كنت غير جديد تماماً عن أحلامه وتصوراته عن المركز. عرفتها بعد أسابيع قليلة عندما اقترح زملاء في المركز الانضمام إلى نقابة الصحفيين، لم يقلها صراحة ولكنه ألمح إلى أنه يتمنى لو أن المركز ظل بعيداً عن الأجواء النقابية، ومشكلات مهنة الصحافة، بل إنه صارحني ذات يوم أنه يجب ألا يرى صغار الباحثين من أعضاء المركز يتجولون في الدور الرابع حيث توجد قلعة التحرير، التي كثيراً ما داعبت نسائمها وعنفوانها وأجواء الطموح فيها أحلام الباحثين الجاهزين لمقايضة جواهر بحثهم العلمي بلمعه من بريق مقال صحفي ينشرونه في صفحة الرأي بالجريدة أو في تقرير أو تحقيق صحفي..
تأكدت مرة أخرى من تصوره لمكانة المركز في مستقبل الأهرام عندما أصر على أن نقوم برحلتنا الآسيوية باسم المركز وتحت شعاراته وبرئاسته كرئيس مجلس أمناء المركز. سمعته، وكنا نتناول العشاء في مطعم الفندق الأشهر في مدينة طوكيو، يصحح فهم الزميل عبدالله عبدالباري لطبيعة المركز ودوره وأهميته. كان عبدالله يتهم المركز بأنه يكلف ميزانية الأهرام، في ذلك الحين، ما يقارب مبلغ الخمسين ألف جنيه سنوياً، من دون أن يحقق عائداً مادياً يذكر للمؤسسة. رد هيكل بأن الأمور لا تحسب على هذا النحو، «لأنك يا عبدالله لو جئت إلى طوكيو عضواً في وفد صحفي فلن تحظى بالاستقبال الذي تحظى به الآن كعضو في وفد يحمل اسم مركز للدراسات السياسية والاستراتيجية، هو المركز الوحيد في العالم النامي لهذا النوع من الدراسات. وهذا بالضبط هو ما عنيته يا عبدالله حين وجهت رسائل إلى الدول المضيفة باسم المركز، وحين تكلمت في كل عاصمة زرناها كرئيس له».
صحيح ما قاله هيكل عن اهتمام قيادات الدول وصحفها بزيارته كرئيس لوفد من المركز، رأيناه بشكل خاص في استقبال شو اين لاي، وكبار المسؤولين الهنود والباكستانيين واليابانيين. رأيناه أيضاً وبوضوح مبهر ومدمر معاً، حين جمعنا رئيس جديد للأهرام حل بين من حلوا بعد رحيل هيكل ليبلغنا بأن المركز لا يدر دخلاً، وأن الدولة لا تحبه، وأنه أجدر به أن يهتم بجمع معلومات عن المطاعم والحانات في روما وميلانو وباريس وفيينا التي تعلن عن وظائف شاغرة لشبان مستعدين للعمل فيها، يغسلون الصحون ويمسحون الأرض، ويجمعون القمامة ويحصلون البقشيش. نعم كان هيكل على حق، فالمركز بنشاطه وأسلوب عمله وجرأته في معالجة القضايا الاجتماعية والوطنية، وبخاصة في مرحلة ما بعد الحرب، كان يمكن أن يكون مزعجاً، وفي أحسن الأحوال غير لازم لطرفي العلاقة، غير لازم لصانعي القرار، وغير لازم للصحيفة في عهدها الجديد، عهد ما بعد هيكل.
}} يوم آخر له معنى، كنا، هيكل وأنا، في بغداد لإجراء مقابلات، منها مقابلة مع صدام حسين. عدنا إلى الفندق، وكان لدينا ما نتبادله. اقترح أن نغتسل ونعود لنلتقي على باب الفندق لنخرج إلى الطريق العام. خرجنا بالفعل ومن حولنا، من أمامنا ومن خلفنا وعلى الرصيف الآخر، أعداد لا تحصى من رجال الأمن، نرى أكثرهم ويغيب بعضهم ليعود للظهور عند انثناءة أخرى في الطريق. عدد منهم لم يقصر مخاطراً بحياته في انتهاز أي فرصة سانحة ليعرب للأستاذ عن سعادته بالمهمة. سألني عن انطباعي عن الزعيم القائد وجاءت إجابتي سريعة. قلت إنني رأيت في عينيه ما يخيف، مضيفاً أنني لا أظن أنني قابلت من قبل إنساناً لا يبذل جهداً لإخفاء الشر المتطاير من عينيه. بل لعله كان يمعن في إظهاره. ابتسم مرات خلال المقابلة ولكن لم تفلح ابتسامة واحدة في تهدئة الشر، أو خفوت لمعته.. لا شيء ولا قوة إلا درجة قصوى من الدمار استطاعت كبت هذا الشر أو قمعه.
لا أذكر تعليق هيكل على إجابتي، ولكني أذكر أنه انتقل مباشرة إلى السؤال التالي، أو لعله الجزء الأهم في السؤال الذي رحنا إلى بغداد بحثاً عن إجابة له. سأل «هل فهمت القصد من سرده لقصة اغتيال ابن عمه في الكويت. تقول سردية الزعيم قائد الثورة أن مجلس القيادة اجتمع واتخذ قراراً بتصفيته بناء على ما تجمع من معلومات لديها. وكالعادة أسرع كل عضو في القيادة بتسجيل اسمه على ورقة لتوضع في سلة، ليلتقط الرئيس إحداها ويقرأ الاسم فيصدر المجلس تكليفه لصاحب الاسم بتولي مهمة التصفية. بدأ الأعضاء، كل منهم يضع اسمه على ورقة ويسقطها في السلة. أصر الرئيس على أن تكون له بين الأوراق ورقة تحمل اسمه، وإذا بأعضاء القيادة يتمنون أو يتوسلون ألا يضع الرئيس ورقة في السلة، فالزعيم لا يخاطر به. أصر الرئيس ووضع ورقة وصدر التكليف وأقرت خطة التنفيذ.
كانت الخطة، حسب ما رواها لنا صدام، طويلة ودقيقة وتفاصيلها عدة. لم يبخل الرئيس صدام علينا بالوقت أو الجهد ليسمعنا إياها. تفاصيل مذهلة عن مواعيد تحرك قافلة السيارات الرسمية، وموعد وصولها إلى الحدود، وتفاصيل إخفاء السيارة التي تحمل العضو المتطوع لتنفيذ التصفية لتغطية انتقاله من صالون السيارة إلى «الشنطة» الخلفية ليبقى داخلها حتى وصول السيارة إلى الفندق الذي يقيم فيه الهدف، ثم التحرك بعد التصفية والعودة حسب الخطة الموضوعة وبالدقة نفسها، وعند تجاوز الحدود تتوقف القافلة لتسمح بعودة العضو المتطوع الذي نفذ التصفية من «شنطة» السيارة إلى صالونها ولتستأنف القافلة رحلتها إلى بغداد. القصة كما سمعتها، وهذا رأيي الشخصي، لا يمكن أن يحكيها بهذه الدقة المتناهية إلا شخص رسمها بنفسه ودققها، أو شخص شديد الذكاء يدعي أنه هو الذي رسم وخطط ودقق ثم نفذ.
سمع هيكل رأيي، ولم يعلق فوراً، ولكنه على طريق عودتنا، ومازال حولنا حرس كثر، قال ولكنك لم تلحظ أنه لا أحد من نخبة القيادة الذين حضروا لقاءنا بصدام تبادل خلال ثلاث ساعات النظر مع زميل له. عيونهم جميعاً معلقة بعيني صدام لا ترى في الغرفة غيره، جماداً كان أم إنساناً. هكذا عشت يوماً آخر له معنى. عشنا المعنى كاملاً ونعيشه مع قادة وزعماء وسياسيين لم يفهموا أن عمر العنف مهما طال قصير، قصير في حساب الاستقرار والحياة الكريمة، وأقصر جداً في حساب التاريخ.
أيام لها معنى، أيام اقتربت فيها من مهنة الصحافة أكثر من كل الأيام التي اقتربت خلالها من مهن ووظائف أخرى، وبعضها كما قلت من قبل، أيام لها معنى ولكن مذاقه مختلف، رأيت، في تلك الأيام، ملوكاً ورؤساء يخاصمون صحفيين كباراً، يهاجمونهم بالأسماء ويسلطون عليهم أقرانهم، يمنعون عنهم المعلومات، وفي ظنهم أنهم نجحوا، أو يمكن أن ينجحوا في إخضاعهم أو إذلالهم، ورغم هذه الخصومة وأحياناً الكره المتبادل، رأيتهم يحتفون بهم، ويشرحون ويبررون ويسترضونهم بالكلمة الحلوة والمعاملة المتحضرة. كنا ذات يوم على موعد مع ملك المغرب، وقبل أن نذهب إلى الموعد عرجنا على باريس لنقابل كبار المعارضين المغاربة واستمعنا إلى ما لدى فرنسا من اعتراضات على مناهج الحكم وتسيير الاقتصاد في المغرب، سبقتنا مقالات قدمت رؤية أخرى لأحداث الصخيرات وغيرها، وتقارير من مخابرات المغرب في مصر وفرنسا، كان الاستقبال كما توقعت متحضراً، وكان الملك حاضر الذهن عاتباً عتاب الملوك، وكان هيكل جاهزاً بكل الحجج والابتسامات من دون اعتذارات ومن دون حتى أن يلمح بها. مرت شهور عدة على هذا اللقاء ثم نشر في الصحافة المغربية معلومات عن المقابلة مخالفة لواقع ما حدث، وراح هيكل يرد عليها ولكن في قفاز ناعم، ودعاني ومعي وثائقي وتسجيلاتي لأكون شاهداً منصفاً في خصومته مع القصر الملكي.
التقينا والرئيس التونسي في قصره بقرطاج بعد أن درنا بالسيارة في الحي منبهرين بنظافته وحسن تنظيمه وروعة الخضرة فيه ومن حوله، وربما كان لهذه الجولة في قرطاج الفضل في عودتي إلى تونس بعد سنوات واختياري هذه الضاحية تحديداً مقراً لسنوات خمس قضيتها في هذا البلد الجميل.. هنا في قرطاج اخترت بيتاً تونسياً بلونيه الأبيض الناصع والأزرق السماوي نجح بجماله وموقعه في أن يستضيف على مر السنين الأصدقاء، لطفي الخولي وأحمد بهاء الدين ومحمود رياض وعلى الدين هلال ونادر فرجاني وهيكل وكثيرين غيرهم. هؤلاء جميعاً ذكرني بهم مسؤولون في الأمن المصري عند عودتي من تونس مع اقتباسات لأحاديث جرت خلال تلك الزيارات على شرفة هذا المنزل الناعم الراقد في حضن جبل الملكة ديدون.
سمعت من هيكل قبل اللقاء ببورقيبة توقعاته منه، بل وربما الكلمات بنصها والوقائع كما هي محفورة في ذاكرة الرجل العجوز. وبالفعل كانت الغرفة التي استقبلنا فيها مطابقة لسمعتها، كما كان يصفها الصديق العزيز أحمد بهاء الدين صديق العائلة، وكما وصفها الزملاء في الخارجية المصرية. يتصدر جانباً منها تمثال لبورقيبة على ظهر حصان إبراهيم باشا، التمثال تصغير لتمثال أكبر يتصدر أهم شوارع العاصمة تونس. جلست استمع لقصة بورقيبة مع مصر، وأستطيع أن أقول إني سمعتها منه شخصياً بعد ذلك أكثر من خمس مرات وسمعتها من آخرين عشرات المرات، بدايتها هذا الجندي «الأمي» حارس بوابة السلوم الذي لم يتعرف إلى الزعيم «سي الحبيب» عند وصوله من تونس لاجئاً، ثم هذا المبلغ الزهيد الذي كان يتقاضاه بورقيبة شهرياً من هيئة تحرير المغرب العربي التابعة لجامعة الدول العربية، ثم فنجان القهوة اليومي في الكازينو المطل على تمثال إبراهيم باشا في ميدان الأوبرا، تنتهي القصة دائماً بالعلاقة بعبدالناصر، الرجل الذي تولى حكم مصر ولم يعترف لبورقيبة بحق الزعامة على كل العرب.
كان بورقيبة رجلاً خفيف الظل، صريحاً مع الجماهير حتى في ما يتعلق بدقائق حياته الخاصة. كان يعتقد أن العرب انحرفوا عن طريق التقدم عندما اعتنقوا مبادئ قومية وآمنوا بتحرير فلسطين بالقوة وساروا وراء عبدالناصر. قال في توديعنا ما معناه: سمعت أنكم قابلتم في روما وباريس معارضين لنا، أشفقت على وقتكم الذي أضعتموه مع أشخاص بلهاء، تماماً، كما أضاع عبدالناصر وقته بالمجيء إلى بلادنا ليخطب في الشعب التونسي. جاء واستقبله الشعب بحفاوة واستمع إليه وودعه، ورحل عائداً إلى مصر وبقي الشعب التونسي هنا إلى جانبي ولم يذهب معه.
وداعاً يا هيكل والشكر متجدد على أيام لها معنى أضفناها معاً إلى حياة استحقت دائماً الأفضل من بين الناس ومن بين الأيام.
ينشر بالتزامن مع «الشروق»
منشأ الثقة بيننا سبق نشوب حرب 1973 وتدعمت بها وبعدها. كانت الثقة بيننا كافية لتجعله يطمئن إلى أنني عندما اطلع على بعض الأوراق والرسائل عالية السرية والمتعلقة مثلاً بالمفاوضات السرية مع كيسينجر وآخرين في الغرب وبعض المسؤولين العرب، أن أحداً لن يعرف. وبالفعل لم يعرف أحد حتى هؤلاء الذين كانوا يتفاوضون بالفعل وكنت التقي بهم في لقاءات مسائية للتسلية، أو لتبادل الرأي في قضايا دولية أخرى غير قضيتنا التي كنت وزملائي في الدبلوماسية المصرية نتحاشى الخوض فيها. كنت أعرف عن بعض ما يفكرون فيه في هذه القضية الحساسة وغيرها، وهم لا يعرفون أنني اعرف أو حدود ما أعرف.
حرصت دائماً على الابتعاد عن دهاليز صنع القرار السياسي في مصر. حرصت مع ذلك على التعرف عن بعد إلى الأسلوب المتبع في مصر لصنع القرار والسياسة وأنواع الضغوط وأحجامها وقوتها. تشاء الأيام أن أعمل مع الرجل الذي عرف عن هذه الدهاليز أكثر من أي شخص آخر في هذه الدولة أو خارجها، لا مبالغة في هذه العبارة، كنت إن أفتيت برأي في جهاز أو في شخص على صلة بعملية صنع السياسة يسارع بتوجيه نظرة ساخرة تحمل معنى اتهامي بحسن النية أو العجز عن فهم غرائز العاملين في حقل السياسة ونوازعهم.