القاهرة «الخليج»:

يرجع الفضل إلى سيغموند فرويد (1856 - 1939) مؤسس مدرسة التحليل النفسي، في اكتشاف تلك الحقيقة المهمة، وهي أن جزءاً كبيراً من حياتنا العقلية لا شعوري، وأن لهذا الجزء اللاشعوري من حياتنا العقلية تأثيراً كبيراً في سلوكنا ومشاعرنا، سواء في حياتنا السوية، أو فيما نتعرض له من اضطرابات وأمراض نفسية.
كانت فكرة اللاشعور معروفة من قبل فرويد، لكنها كانت فكرة غامضة، غير واضحة المعالم، ولم نجد أحداً من الذين قالوا باللاشعور من قبل فرويد قد نسب إليه ذلك الدور المهم الذي نجده في مذهب فرويد، الذي تميزت به نظرية التحليل النفسي، ويرجع تاريخ اكتشاف فرويد للاشعور، ولما له من أهمية عظيمة في حياة الإنسان إلى وقت اشتغاله بدراسة مرض الهستيريا منذ عام 1880 بالاشتراك مع «جوزيف بروير» أحد أطباء فيينا المشهورين وقد اتضح لهما نتيجة لهذه الدراسة أن الأعراض الهستيرية إنما تنشأ عن ذكريات مكبوتة في اللاشعور، وأن هذه الأعراض تزول إذا ما استطاع المريض تذكر هذه الذكريات أثناء العلاج.
ولم يكن من السهل أن يقتنع الفلاسفة والعلماء في ذلك الوقت بوجود عقل لا شعوري، كما كان يقول فرويد، وكان الرأي السائد بين المفكرين في ذلك الوقت هو أن العقل لابد أن يكون شعورياً، وأن القول بوجود عقل لا شعوري إنما هو قول متناقض لا يقبله المنطق، وهكذا لاقت فكرة فرويد عن العقل اللاشعوري كثيراً من النقد والسخرية في أول الأمر، وكان على فرويد أن يرد على الانتقادات التي وجهت إلى نظريته، وأن يحاول إثباتها بالحجج والبراهين المستمدة من خبرته الإكلينيكية، وقد اهتم فرويد في مواضع كثيرة من مؤلفاته الأولى بإثبات نظريته في اللاشعور وبالرد على خصومه.
وفي كتابه «الأنا والهو» الذي ترجمه إلى العربية د. محمد عثمان نجاتي، يعود فرويد إلى الحديث عن اللاشعور وعلاقته ببقية أجزاء الجهاز النفسي ويعدل ويوضح آراءه السابقة التي ذكرها في مؤلفاته الأولى، حيث كان كثير التعديل والتغيير لآرائه ونظرياته على ضوء ما كانت تكشف له ملاحظاته وأبحاثه من معلومات جديدة، وقد تعرضت نظرياته في الجهاز النفسي، وفي الغرائز على وجه خاص، لتعديلات مهمة شرحها في كتابه «الأنا والهو» الذي صدر في فيينا عام 1921.
كان فرويد يرى أن الشعور حالة وقتية، وليست دائمة، فالفكرة قد تظهر في الشعور لفترة قصيرة ثم تختفي وهي تستطيع الظهور مرة أخرى في الشعور بسهولة إذا توافرت شروط معينة، وحينما تبتعد الفكرة عن الشعور لوقت ما، فإنها تكون موجودة في قسم معين من الجهاز النفسي يسميه فرويد «ما قبل الشعور» وهو يقع في مكان متوسط بين الشعور واللاشعور.
يوضح أنه توجد بعض العمليات النفسية التي تستطيع أن تحدث في النفس جميع الآثار التي تحدثها الأفكار العادية، من دون أن تكون هي نفسها شعورية، وهي تحتاج إلى كثير من المشقة والجهد، لكي تصبح شعورية وهذه هي العمليات النفسية التي يسميها فرويد لا شعورية، وهي موجودة في ذلك القسم من الجهاز النفسي الذي يسمى «اللاشعور» ويحوي اللاشعور الدوافع الغريزية البدائية والعدوانية التي غالباً ما تكبت في المجتمعات المتحضرة تحت تأثير المعايير الخلقية والدينية والاجتماعية التي ينشأ فيها الفرد، وتنزع الدوافع والرغبات المكبوتة في اللاشعور إلى الإشباع والظهور في الشعور، وهي كثيراً ما تلجأ في سبيل ذلك إلى طرق ملتوية، كما يشاهد مثلاً في الأمراض العصابية.
وفي كتابه «معالم التحليل النفسي» الذي ترجمه إلى العربية أيضاً د. محمد عثمان نجاتي، وكان فرويد قد كتبه في أخريات أيامه، وهو يعطي فكرة صحيحة عن الصورة النهائية التي وصلت إليها نظرياته وآراؤه، كان فرويد كثير المراجعة والتعديل ولذا ينصح د. نجاتي من يحاول دراسة آراء فرويد في صورتها النهائية أن يرجع إلى كتبه الأخيرة، وفي هذا الكتاب صورة دقيقة موجزة عن رأي فرويد في الجهاز النفسي وأقسامه المختلفة، ووظيفة كل منها، كما أنه يشرح فيه نظريته في الغرائز، ويقرر وجود غريزتين أساسيتين هما غريزة الحب وغريزة الموت، ويتكلم أيضا عن الكيفيات النفسية الثلاث وهي (الشعور، ما قبل الشعور، اللاشعور) ويحاول أن يفسر طبيعة كل منها.
كانت تعاليم فرويد تنتشر في جميع أرجاء العالم، ويلتف حولها الأنصار والأتباع، ثم بدأت بوادر الخلاف والتصدع تظهر بين أتباعه المقربين وكان ألفريد أدلر ويونج من أبرز الأشخاص الذين اختلفوا مع فرويد وانتهى بهم الأمر إلى الانفصال عن مدرسته.