عثمان حسن

ربما ليس من المبالغة القول، أن الأدب الفرنسي الحديث، سوف يكون ناقصاً، من دون لويس أراغون (1897-1982)، هذا الشاعر الكبير أولاً، والناقد والمثقف الذي كتب القصة والرواية، ومارس كل أنواع الخطاب الثقافي ثانياً وثالثاً.
كانت ريادة صاحب «مجنون إلزا» في التجربة الشعرية والأدبية الفرنسية لا تحتاج إلى دليل، من دون التنكر -بالطبع- لمن جايله من الشعراء الكبار، ففي التعريف الشائع عنه، يرد أنه يعد رائداً من رواد النقد الأدبي والفني الواقعي، وقد اشترك في تأسيس مجلة الآداب الفرنسية، وهو مؤسس اللجنة الوطنية للكتاب، وهي الجبهة الثقافية في فرنسا، كما تزعم المدرسة السريالية في الشعر والأدب بين عامي 1920و1930، وتحول عن السريالية بعد التقائه وزوجته إلزا فاعتنق الفلسفة الاشتراكية، وبعدها انضم إلى العمل الحزبي في سنة 1932، وكان منذ عام 1932 إلى 1939 من أقوى المناضلين ضد الفاشية والحرب، كما أنه كان من أبرز من أدار الحركة الثقافية والأدبية النقدية في فرنسا في 1945 بوصفه رئيساً لتحرير الآداب الفرنسية، ومديراً لدار الناشرين الفرنسيين المتحدين، ونائباً لرئيس اللجنة الوطنية للكتاب.
أما إذا تحدثنا عن مواقفه السياسية فهو مناضل ينبذ الحرب، ويحذر من ويلاتها، ومواقفه واضحة في هذا الشأن وضوح الشمس، فقد تعايش مع حربين عالميتين شرستين، ووقف حينها ضد الشعوب المضطهدة كما كان دوما ضد التوحش الاستعماري، ويميل في كثير من الأحيان كما بدا واضحا في كتابه «مجنون إلزا» للتذكير، بل للتوقف عند المفاصل الكبرى في التاريخ، كما هو عند اكتشاف كريستوفر كولومبوس لأمريكا، في إشارة إلى استيلاء الأمريكيين على أراضي الهنود الحمر وهم السكان الأصليون، وما تركوه خلفهم من مذابح ومجازر يندى لها جبين البشرية، غير أنه لم ينس أيضاً في غمرة ذلك كله وفي موازاته من حيث الزمن التذكير بفترة حكم العرب لإسبانيا، مروراً بطردهم من الأندلس، وهي الحادثة التي يتوقف عندها أراغون ويستثمرها استثماراً أدبياً صادقاً وشفيفاً، وفي هذا النص يعجب أراغون بما خلفته الحضارة العربية في الأندلس من تراث ثقافي وأدبي وعلمي استفادت منه أوروبا، هذه التي كانت تعيش نزعة الحرب والغزو والبطش، وتعاني في ما تعانيه، الكثير من الخراب السياسي والاجتماعي الذي ذكرته كتب التاريخ.
في «مجنون إلزا» يجد القارىء نفسه أمام ملحمة تجمع بين فني الشعر والنثر، وهو نص تنبع أهميته كما يوضح الناقد إبراهيم العريس من أنه راح ينظر إلى ما حدث في الأندلس من وجهة نظر المهزومين، لا من وجهة نظر المنتصرين، والمهزومون هم هنا، أول الأمر، كائنات بشرية، لكنهم كانوا أيضاً أبناءً لحضارة مزدهرة كانت هي ما أشع بنوره على أوروبا كلها.
هو أكبر كتاب فرنسا، كما يصفه السياسي والكاتب بيير جولا كان، حين التقاه قبل فترة قصيرة من وفاته، وقد سبق أن التقى جولا كان مرات عدة، لكنه في المرة الأخيرة هذه، سمعه يلقي مقطعاً شعرياً سريالياً وصفه بالقول «لقد كان أجمل نصّ سمعته طوال حياتي».. ذلك ما جاء في كتابه «أراغون.. مصير فرنسي» الذي يتعرض من خلاله لسيرة حياة الشاعر مجنون إلزا وقد سبق ان ربطت بينه وبين هذا الأخير صداقة حميمة.
يضيء الكتاب على كثير من تفاصيل حياة أراغون، منها شغفه الكبير بالقراءة حتى وهو فتى صغير، كما يضيء على شعر الحب الموجه لإلزا التي أثارت فيه كل ملهمات الشغف والتي ارتبط معها بقصة حب من أجمل القصص التي عرفتها علاقات الشعراء في القرن العشرين، وهو الذي يضيء على تأثر أراغون بالشعر الأندلسي.
ترك أراغون مجموعة من الدواوين الشعرية منها: «قلب كسير» و«عيون إلزا» و«متحف جريفان» و«ديانا الفرنسية» كما خلف مجموعات قصصية أبرزها: سلسلة «العالم الحقيقي» التي تشمل «أجراس مدينة بال» ثم «الأحياء الجميلة» و«المسافرون على عربة امبريال» و«أورليان»، وفي النقد والنظرية الجمالية: «بحث في الأسلوب» «الثقافة والإنسان» وغيرهما.