يكتبها: يوسف أبولوز

تميّزت السرود الشعبية الإماراتية بحملها لجملة من الدوال تستعمل بطريقة مواربة، تنفتح على الإيديولوجيا بما فيها من محمولات لغوية ودلالية، وعلى ما أقصاه الرواة من أجساد الحكي، أمكنتنا الإجراءات القرائية من الانتهاء إليها عن طريق ردم فجوات النص، وملئها بما يعينها على الجلاء، وإعادة تخطيط النص وهيكلته بغية الوصول إلى ما يشبه النموذج أو الأصل أو حتى محاولة التفكير فيه نسقياً.
يتخلص الفضاء في مجمل الحكايات الشعبية الإماراتية المتعرض لها بالدراسة، من وجوده الهندسي الإطاري، ليتحول إلى أداة ذهنية.
الحكايات الشعبية في تراث الأمم السردي.. الشفوي أو المكتوب هي تاريخ لذاكرة جماعية صاغت هذه الحكايات التي غالباً ما ترويها النساء، وهناك أفراد مجهولون (قالوا) هذه الحكايات، ذلك أن (القول) الشعبي سابق على (المكتوب) أو (المدوّن).
في الحكايات الشعبية الإماراتية نعثر على الحكاية الفطرية، أو القص الفطري، كما نعثر على روح الشعر، وتبدو هذه الحكايات كما لو أنها (قيلت) في الليل أي في الصحراء، وهناك حكايات ذات صلة بثقافة البحر أو بيئة البحر، وهناك حكايات ذات صلة بثقافة وبيئةالجبال، وأياً كانت طبيعة هذه الحكايات، فإنه كنز (قولي) أو (شفوي)، وقد قام باحثون إماراتيون بتقصّي هذه الكنوز، وجمعوها من أفواه الرواة من الرجال والنساء، قام بهذا الجهد الباحث التراثي والشاعر عبد العزيز مسلم، وقام بهذا الجهد الشاعر والباحث المسرحي أحمد راشد ثاني، وغيرهما ممن (قبضوا) على التراث الإماراتي، والثقافة الشعبية الإماراتية بقلوبهم وعقولهم وأقلامهم مثل الباحث عبد الله عبد الرحمن في (موسوعته) المحلية (الإمارات في ذاكرة أبنائها).
أحمد راشد ثاني اهتم بالحكايات الشعبية الإماراتية اهتماماً يتوجب التوقف عنده، وذلك لأمر بسيط وهو أن أحمد يرى إلى بحثه هذا بعين الشاعر، أي أنه يخلّص البحث مما هو أكاديمي جاف، و(يهديه) شيئاً من ليونة الماء.
جمع أحمد راشد ثاني حكايات شعبية في كتبه: حصاة الصبر، دردميس، إلا جمل حمدان في الظل بارك، وسوف تكون هذه المادة الشعبية بمثابة هدية ثقافية للباحثة الجزائرية.. نسيمة بوصلاح التي وضعت كتابها استناداً إلى هذه الحكايات وهو «الطي والعقد»، والكتاب من عنوانه الثاني.. قراءة تأويلية في حكايات شعبية من الإمارات، ومن المفيد الإشارة هنا أن «الطير والعقد» هي حكاية شعبية تتحدث باختصار شديد عن طائر يخطف عقد امرأة ويهرب به إلى البحر، فيلاحق الطائر زوج المرأة، لكنه يقع أسيراً ويؤخذ إلى سوق العبيد.. (راجع الحكاية في بحث أحمد راشد الشعبي، وهو بحث ميداني يعود إليه كل من يقترب من روح الثقافة الشعبية المحلية).
تقول الباحثة نسيمة بوصلاح في مقدمة كتابها: «.. حاولت في هذا العمل الاقتراب فقط من الحكايات ذات الصبغة الإماراتية الخالصة، وإن كان لها ما يشبهها بشكل طفيف في الأدب الشعبي العربي أو العالمي، ولكنني أسقطت ما ورد في ثلاثية الأستاذ أحمد راشد ثاني من حكايات مشتركة بين الوطن العربي ككل».
تميل الباحثة نسيمة بوصلاح إلى ما هو «انثروبولوجي» في قراءتها للحكايات الشعبية الإماراتية، ويدل على ذلك طبيعة البحث الذي قام على ستة محاور أساسية: «الحكاية الشعبية بأية أداة وبأي منهج» «الترقيع والخرق، السرد بالإبرة، السرد بالمقص، الراوي الشعبي.. قناة عازل أم ناقل مؤدلج، (تعالقات الفضاء ومدارج التخييل)، فتنة العد وإرواء «التسبيع»، (المرأة والقناع.. مع الاعتذار لأوسكار وايلد..).
مصادر البحث تتمحور حول مادة أحمد راشد ثاني، إضافة إلى مصدرين من سلامة فرحان مبارك كما اعتمدت على 25 مرجعاً عربياً إضافة إلى اعتمادها على ثلاثة مراجع أجنبية.
وتخلص في نهاية دراستها إلى القول.. «..تخلصت السرود الشعبية الإماراتية المدروسة في مجملها ببعض الاقتدار من صبغة السذاجة التي ألصقت وهماً بالنصوص الشعبية، وراهنت على نفسها كنسق دال، قابل للارتجاعات التأويلية في ظل سياقات جديدة..».

الكتاب: الطير والعقد
المؤلفة: نسيمة بوصلاح
الناشر: مطبعة دار الفجر - أبوظبي - 2009