غيث خوري

عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب، أبو الأسود، بن سعد بن زهير التغلبي، أحد أشهر شعراء وفرسان بني تغلب، ولد في 525 ميلادية وعاصر عمرو بن هند، وأدرك النعمان بن المنذر، ولم تذكر المراجع أين ولد بالتحديد ولكنها ترجح أنه وُلد في بلاد ربيعة شمالي الجزيرة العربية.
وكان كلثوم والد عمرو من سادات قومه، وتزوج من ليلى بنت المهلهل، وقد نشأ عمرو بن كلثوم في بيت من أسياد تغلب، وكانت قبيلة تغلب من أقوى القبائل العربية في ذلك الزمن وقد قيل فيها: «لو أبطأ الإسلام قليلاً لأكلت بنو تغلب الناس».
توفر في عمرو بن كلثوم وهو يعيش عز أبيه، ومنعة قبيلته، صفات وخصال حميدة قلّ أن تجتمع لدى غيره، كالشاعرية، والفروسية، والخطابة، والكرم، والشجاعة، وهي صفات جعلته سيداً في قومه يشار إليه بالبنان، ويحكى أنه ساد قومه وهو في الخامسة عشرة من عمره.
ولد عمرو إذاً، بين مجد وحسب وجاه وسلطان، فنشأ شجاعاً، خطيباً، جامعاً لخصال الخير والسؤدد والشرف، وقال الشعر وأجاد فيه وإن كان من المقلّين، ولم يصلنا من شعره إلا معلقته الشهيرة «أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَـا»، التي جاءت تعبيراً عن حادثتين ارتبطتا بالحرب بين بكر وتغلب، دامت أربعين سنة، ولم تتعاقد القبيلتان على الصلح إلا بعد أن ألّف بينهما النعمان بن المنذر.
لقد كان لهذه المعلقة الأثر الكبير في شهرة اسمه، لحسن لفظها وانسجام عبارتها، ووضوح معناها، ورشاقة أسلوبها، وعلوّ فخرها، ونباهة مقصدها، وفيها يطرق ابن كلثوم مقاصد الشعر الجاهلي وألوانه، بدءاً بالغزل ووصف المحبوبة وجمالها، ثم ينتقل إلى الفخر بقومه ومجدهم وعزتهم، ويهدد الملك عمرو بن هند وينذره ويتوعده بأسلوب قوي جزل مع جمال في التعبير، والظاهر أن ذلك كان يوم التحاكم أمام عمرو بن هند والمفاخرة بين تغلب وبكر، ومن الفخر بنسبه ومجد قومه، ينتقل إلى ذكر وقائعهم وحروبهم وانتصاراتهم بالغاً ذروة الفخر، والظاهر من سياق أبيات المعلقة أن الشاعر نظمها على مرحلتين: في مفاخرته في أثناء الاحتكام أمام الملك عمرو بن هند بين تغلب وبكر، ثم بعد الحادثة التي أودت بحياة الملك.
وشعر عمرو بن كلثوم، في معظمه، ليس إلاّ أداة للتعبير عن خيلائه، تتكاثر فيه الصور الملطخة بالدم، وتتراكم خلالها أشلاء القتلى، ويرتفع غبار الحرب، حتى عُدّ شعره نموذجاً للشعر الحربي الذي تتمثل فيه فضائل الفروسية العربية خير تمثيل. فشعره هو شعر الإنسان القويّ، الذي لم تسمه الحياة بوسم، تنتشر فيه ألوان التفاؤل، ويطغى عليه الشعور بالقوة والكرامة الإنسانية، فتبدو له الحياة كأنها ساحة أعدّت ليظهر عليها بطولته. لقد كان عمرو في أكثر شعره فارساً جزلاً مفاخراً، يظهر فيه الخيال حتى يدرك الأسطورة والمستحيل، ولعلّ فضيلته الفنية الأولى، كما ذكر النقاد، هي فضيلة الخيال المتمرّد الذي يصور الأشياء تصويراً مثالياً، على بعد ناءٍ يحوّل به الفكرة إلى صورة، والعاطفة إلى مشهد قائم في حدود الحواس.
اعتُبر عمرو بن كلثوم من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وقد خلدت معلقته في تاريخ الشعر العربي، وبين أقرانه من فحول الشعر الجاهلي، ويقال إن هذه المعلقة تزيد أبياتها على الألف، غير أنها وصلت غير مكتملة وفيها الكثير من النقص.
ويرى عميد الأدب العربي طه حسين أن معلقة عمرو بن كلثوم منحولة كحال الكثير من قصائد الشعر الجاهلي، ويقول في كتابه الشعر الجاهلي: «وسواء كان عمرو بن كلثوم شخصاً من التاريخ، أو بطلاً من أبطال القصص، إلا أن القصيدة التي تنسب إليه لا يمكن أن تكون جاهلية.. ومهما يكن من شيء، فإن في قصيدة ابن كلثوم من رقة اللفظ وسهولته ما يجعل فهمها يسيراً على أقل الناس حظاً من العلم باللغة العربية في هذا العصر الذي نحن فيه. وما هكذا كانت تتحدث العرب قبل ظهور الإسلام بما يقارب نصف قرن، وما هكذا كانت تتحدث ربيعة خاصة في هذا العصر الذي لم تسد فيه لغة مضر ولم تصبح فيه لغة الشعر، بل ما هكذا كان يتحدث الأخطل التغلبي الذي عاش في العصر الأموي أي بعد ابن كلثوم بنحو قرن».