القاهرة - «الخليج»:

يهدف هذا الكتاب إلى دراسة التحضر الإنساني، بما يعنيه من انتقال الإنسان من الوجود الفردي إلى الوجود الجماعي، فصغرت هذه الجماعة فكانت أسرة، أو كبرت قليلا فصارت قرية، أو وصلت إلى منتهى الاتساع، فصارت شعبا في مدينة، وهكذا يدرس المؤلف «لويس ممفورد» في كتابه «المدينة على مر العصور» الصادرة ترجمته العربية عن المركز القومي للترجمة، عملية استقرار الإنسان بمراحلها وأنواعها، وما احتوى عليه ذلك الاستقرار من وسائل حماية ورعاية وترف، بالإضافة إلى العوامل التي دفعته إلى الانتقال من مقر إلى مقر، أو من مرحلة استقرار إلى مرحلة أخرى، وهل استطاع الاستجابة إلى تلك العوامل، أو تلبية كل ما طمح فيه، جملة القول إن الكتاب عبارة عن قصة الحضارة الإنسانية بكل ما لها وما عليها، ويتبع منهجا دقيقا في العرض، يثير الاهتمام، ويضع القارئ على الطريق الصحيح.
الكتاب الذي ترجمه إلى العربية إبراهيم نصحي يشير إلى أنه دراسة لكل التجمعات أو المستوطنات الطبيعية مثل الكهوف، والصناعية مثل المساكن، دراسة لكل ما استقر فيه الإنسان، منذ أن بدأ عملية الاستقرار، ويجمل المترجم كل ذلك في قوله: «ليست هذه الدراسة مقصورة على أوضاع المدينة ومشتملاتها ووظائفها في الحياة ودورها في بناء الحضارة، بل هي دراسة جامعة تشمل أيضا نظم المجتمع وأهداف الإنسان ووجوه نشاطاته الدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية والجنسية، وأثر كل ذلك في تشكيل أوضاع المدينة، ثم انعكاس هذه الأوضاع على حياة الإنسان».
يتبع الكتاب منهجاً معيناً في العرض، فيصدر فصوله بعناوين، ويفتتح كل عنصر بعدد من الأسئلة، يثير الاهتمام، ويكشف المؤلف نفسه عن منهجه في الدراسة قائلاً: «عند البحث عن أصول المدينة قد يكون من اليسير جداً أن يغرينا ذلك بالاقتصار على التنقيب عن بقاياها المادية، لكننا إذا فعلنا ذلك يكون شأننا عندئذ كشأننا عندما نبحث في أمر الإنسان الأول، ونركز اهتمامنا حول عظامه وقطع فخار آنيته وآلاته وأسلحته، وبذلك نبخس قيمة مبتكرات مثل اللغة والطقوس الدينية، وهي التي قلما خلفت على الإطلاق أي آثار مادية».
يشير الكتاب إلى أنه إذا أردنا أن نعرف المدينة، فإنه يجب أن نقتفي الأثر بادئين من أكمل ما عرفت المدن من منشآت ووظائف، لنعود القهقرى إلى عناصرها الأولية والأصلية، مهما بلغ تباعدها في الزمان والمكان والحضارة، عن أقدم التلال التي يسكنها الإنسان، فقبل وجود المدينة وجد الكفر والهيكل والقرية، وقبل القرية وجد المخيم والمخبأ والكهف والمغارة، وقبل هذا كله ظهر الميل إلى حياة اجتماعية، وهذا أمر يشترك فيه الإنسان مع كثير من الحيوانات الأخرى.
ومن الجائز- كما يوضح الكتاب - أنه قبل أن يظهر في الوجود أي مما اصطلحنا اليوم على اعتباره مدينة، كانت بعض وظائف المدينة قد أدت بعض أغراضها، بل لعل بعض المواقع التي استخدمت فيما بعد لإقامة المدن، كان قد سبق استيطانها في زمن آخر، ولذلك حتى ندنو من المعرفة الحقيقية بأصل المدينة، يجب أن نستكمل عمل عالم الآثار، الذي يسعى حثيثا إلى بلوغ أعمق الطبقات الأرضية، التي يستطيع أن يتبين فيها ولو أثراً طفيفاً، يشير إلى وجود نظام حضري.