«.. غير أن ثمانين عاماً مضت، منذ اكتشاف خلد الماء، قبل أن يعرف بوصفه ثديياً وحيد المسلك. وكان من الواجب، في أثناء ذلك الوقت، أن تقرر كيفية تصنيفه وتوضيعه. فبقي يوصف، على نحو غامض، أنه شيء ما له حجم الخلد، بعينين صغيرتين وكفين أماميتين وأربعة مخالب يوحدها غشاء (أكبر من ذلك الذي يوحد مخالب الأكف الخلفية)، فضلاً عن الذيل ومنقار يشبه منقار البطة، والأكف ذات البراثن، التي تستعمل للعوم وحفر الوجار. وتضاف إلى ذلك قدرة خلد الماء على إنتاج البيض وإرضاع الصغار من غدده الثديية».
فور سماعك اسم «امبرتو ايكو» تتحول ذاكرتك إلى «اسم الوردة»، (الرواية - العلامة) من علامات السرد في القرن العشرين، ولكن «اسم الوردة» لا تنحصر في السرد فقط، إنها أشبه بالبحث المقترن بالفلسفة، ولا غرابة في ذلك، فصاحب «بندول فوكو» باحث متخصص في ثقافة وتاريخ وميثيولوجيات القرون الوسطى، ومن مرجعياته الثقافية دراسة الفلسفة، وتقول سيرته إنه حصل على أكثر من 30 دكتوراه فخرية.
وضع « ايكو» تحفة فنية أدبية ثقافية تحت عنوان «لا نهائية القوائم - من هوميروس حتى جويس»، وأنت هنا أمام عمل شبه مركب، يجمع بين الفن، ونصوص الشعر والرواية، عمل يليق بباحث في الفلسفة والأدب والفن.
يصوب «ايكو» قلمه نحو القوائم أو الكاتالوجات في الأعمال الفنية والأدبية التي يقرؤها. يأخذ نصاً كاملاً من رواية أو يأخذ نصاً شعرياً ليقوم بعد ذلك بما يشبه «الجردة» للأشياء وحتى الكائنات الموجودة في الكتاب.
يقول: «إذا قيض لمرء قراءة رواياتي، فإنه سيجدها تغص بالقوائم، وقد تمثلت أصول هذا الولع في مادتين درستهما شاباً، وهما النصوص القروسطية، وأعمال جيمس جويس».
يهتم «ايكو» بما أسماه شعرية القوائم، وستكون هذه القوائم «لا نهائية» يقول.. «كان البحث عن القوائم، في المحصلة تجربة مثيرة أيما إثارة، وليس هذا ناشئاً عما استطعنا تضمينه في هذا المجلد، وإنما عن كل تلك الأشياء التي توجب علينا إغفالها، وما أقصد قوله إن هذا الكتاب مقدر له ألا ينتهي إلا بعبارة: «إلى آخره».
يبدأ «ايكو» بالترس وشكله، وذلك في ذهابه إلى قراءة الإلياذة. إنها حروب أخيل، وهيكتور، والإلياذة التي وضعها «هوميروس» هي في قراءتنا ملحمة حروب طروادة، وضياع عوليس في البحر عشر سنوات وعودته إلى ايثاكه حيث كانت تنتظره زوجته بينلوب.
يقول ايكو :«إن هوميروس كرّس شطراً من الفصل الثامن عشر من الإلياذة لوصف الترس الذي أوقف هيفايستوس نفسه لصنعه..».
إذاً «قائمة» امبرتو من الإلياذة تتصل بالترس، وهنا في قراءة هذا الكتاب ولضيق المساحة، فإننا نأخذ نموذج «الترس» بشيء من التركيز، حيث يقرأه إيكو جمالية تشكيلية، تكتمل باللوحات التشكيلية التي يعود بعضها إلى القرون الوسطى. لوحات في منتهى النقاء تعزز قراءة ايكو للقوائم طوال الكتاب.
يقول ايكو.. «.. يحتوي الترس على مشاهد عديدة، إذ من الصعب علينا تخيل الموضوع في دقائقه الغنية ما لم نفترض وجود حرفية دقيقة في صياغة المعادن»، وبالطبع يرفق ايكو صوراً لترس أخيل أحد أبطال الإلياذة معتمداً على رسومات ومنحوتات آثارية.
من نماذج القوائم أيضاً ما ذهب إليه ايكو «في عمل بورخيس، مكتبة بابل، التي تحوي مجلدات لا نهائية حفظت في مراح غير محدود من الغرف.
يذهب ايكو أيضاً إلى رواية «العطر» أو قصة قاتل وهو «غرونوي» الذي يولد بلا رائحة، فينتقم من هذا الحرمان الجسدي (الرائحة) بصناعة عطر يستخلصه من جثث فتيات يقتلهن وهن في ريعان الشباب.
الكتاب «شبكة» جمالية تشكيلية سردية شعرية، من عشرات اللوحات والمنحوتات والأعمال الفنية الكبرى في أعرق متاحف العالم.. أعمال (سافر) ايكو في مقاربتها مع «قوائمه» التي لا تنتهي ولذلك فالكتاب أشبه بعمل متحفي أيضاً جال خلاله «ايكو» في متاحف مدريد، وفيينا، واللوفر وغيرها.
الشعر و«قوائمه» و«لوحاته» لا يغيب عن «ايكو»، وهنا نحن أمام قصائد من: ايلوار، شيمبورسكا، فيون، بل هناك نصوص من الكتاب المقدس (انجيل متى)، ونصوص لـ «هيجو» و«ويتمان»، كما هناك نصوص من الروائي «مارسيل بروست».
«لا نهائية القوائم» كتاب يقرأ أكثر من مرة. أو هو من الكتب التي يعود إليها المرء من وقت إلى آخر، إن لم يكن من أجل «تاريخ القوائم»، فمن أجل «السفر» بين متاحف العالم.
الكتاب: لا نهائية القوائم - من هوميروس حتى جويس.
المؤلف: امبرتو ايكو
المترجم: ناصر مصطفى أبو الهيجاء
الناشر: «كلمة» التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة 2013.