يحق لنا القول بأننا ننتظر أن يطل علينا الفيلم المصري في كل موسم بحلة جديدة وصناعة جيدة. ويطول الانتظار أحياناً ليأتي الفيلم الذي نستمتع بمشاهدته يتيماً. الإنتاج السينمائي السخي والأعمال المبهرة باتت قليلة، البعض يترك الساحة خالية «لتجار السينما» ويضع عينه على المهرجانات والجوائز، بينما قلة تغامر وتقدم أعمالاً راقية يستوعبها ويُقبل عليها الجمهور. من المغامرين في الإنتاج السينمائي الفنان أحمد حلمي الذي يقدم فيلماً هو ليس بطله وإنما من إنتاج شركته، وهو «شكة دبوس» الذي يعرض حالياً في صالات الإمارات.
ربما يكون قد جازف الفنان أحمد حلمي من خلال شركته «شادوز» التي يشاركه فيها إيهاب السرجاني، بإنتاج فيلم في وقت تعاني فيه السينما المصرية قلة إنتاج، وندرة في الجودة المطلوبة. لذا نستطيع القول إن من مميزات «شكة دبوس» أنه ليس من إنتاج «السبكي» الذي تحول إلى الماركة شبه الوحيدة والدائمة للأفلام المصرية، ومن واجبنا اليوم تشجيع حلمي وكل الفنانين القادرين على الإنتاج، ليقدموا أعمالاً جيدة، ولا بأس إن كان بعضها متوسطاً، فهي بلا شك مطلوبة من باب التنويع في الإنتاج، وأفضل من الأفلام الرديئة والتي تعتمد على الإغراء والابتذال فكرة وكتابة وتصويراً وإخراجاً.
مجموعة من النجوم الشباب يتحملون مسؤولية «شكة دبوس»، ينجحون في نقاط ويفشلون في أخرى. الفكرة في العموم جديدة وعصرية جداً. تواكب الحياة اليوم، ولو أن أحمد عبد الله صالح مؤلفها ومخرجها عن سيناريو د. أيمن عبد الرحمن، لو أنه تمهل في صناعة الحبكة لتكون أكثر حرفية ومنطقية، لاستطاع أن يحقق نجاحاً كبيراً لفيلمه، ولأصبح من بين الأعمال المتميزة والتي تعبّر عن السينما المعاصرة.
ينطلق «شكة دبوس» من الشاب الصيدلاني سيف سراج الدين (خالد سليم) العائد من الكويت خصيصاً من أجل الزواج بخطيبته شاهيناز (مي سليم). طبعاً لم نعرف كيف تعرف سيف بحبيبته «شاهي»، ولا طول مدة خطوبتهما، علماً أن هذه المعلومات تعتبر مهمة في سياق الأحداث، وتجيب عن تساؤلات يطرحها المشاهد لاحقاً حين يرى العلاقة تتدهور بين «الحبيبين».
توكل العروس صديقتها هدير (نسرين أمين) والتي تعمل معها محررة في صحيفة «ساعة بساعة»، أن تشتري لها هاتفاً خلوياً لتقدمه هدية لعريسها، ولأن سيف «لا يعرف شيئاً عن التكنولوجيا» وكيف يستبدل الشريحة ليضعها في المحمول الجديد، تدله هدير على محل قريب حيث يلتقي بصديق الطفولة عمرو الصفطاوي (محمد شاهين) يعمل في المحل، ومن الطبيعي أن يسلمه الهاتف الجديد لينقل الشريحة ويضيف له كل التطبيقات ومواقع التواصل.. والأهم أنه أضاف له برنامج «تروكولر» أو المتصل الحقيقي الذي يتيح له معرفة هوية المتصل. ومن تلك اللحظة تنقلب أوضاع العريس وينطلق التشويق في الفيلم.
نفهم بألا يكون سيف من هواة التكنولوجيا وتبديل الهواتف، لكن ما هو غير منطقي أن يبدو مبهوراً وجاهلاً لمسألة «قص» الشريحة لتتلاءم مع هاتفه الجديد وهو العائد من دولة خليجية، فهذه مسائل اعتادها كل الناس وخصوصاً من يعيش في دول الخليج لأنها الأكثر مواكبة للتكنولوجيا وتصل إليها أحدث الهواتف النقالة وكل ما يتعلق بمميزاتها وتطبيقاتها وبرامجها قبل غيرها. غير منطقي أن يشعر المشاهد من خلال تصرفات سيف بأنه شاب خارج دائرة التطور.
نتخطى هذه الهفوة (للزوم استكمال الحبكة) ونكمل الفيلم فنجد سيف وقد وضع ثقته بالكامل بصديق وجار الطفولة، والذي يستغل هذه الثقة طبعاً من أجل أهداف تتضح لاحقاً. شاهي تغار على خطيبها بجنون، وهي أيضاً تتعرض لمكيدة من زميلتها هدير التي تغار منها لأنها المدللة لدى رئيس تحرير الجريدة أدهم (سامي المغاوري) وتسعى إلى أخذ مكانها بأي شكل.
برنامج «تروكولر» والتطبيقات التكنولوجية الحديثة والهواتف الذكية هي بطلة أساسية في الفيلم تلعب دوراً رئيسياً في المؤامرة التي تُحاك ضد البطلين، كما تلعب دوراً في كشف الحقيقة الثانية والتي تأتي لاحقاً، حيث نكتشف مع توالي الأحداث أن هناك مؤامرة أكبر من الأولى، وأن اللعبة تولد لعبة أخرى والشخصيات تبدل مواقعها، والخاسر يصبح رابحاً والرابح يخسر. هذه التركيبة من النقاط الإيجابية في «شكة دبوس» والتي تجعلك تنتظر المفاجآت حتى المشهد الأخير.
بفضل «تروكولر» يكتشف سيف أن خطيبته ملقبة ب «شوشو» ويزرع الشك فيه حول هويتها الحقيقية، موحياً له بأنها إنسانة غير شريفة، منحرفة ومشهورة باسم مستعار. يغذي عمرو الفكرة بتصرفاته ويزيد الشك في صديقه دون أن يبوح سيف بأن «شوشو» هي خطيبته. مشاهد الشك والحيرة والدوامة التي يقع فيها سيف معبرة وتصل إلى الجمهور لتفي الحالة حقها. يبدأ البطل بالبحث عن الحقيقة، وتصبح كل تصرفاتها مصدراً للشك، والمواقف تغذي قناعته بأن «شوشو» المنحلّة هي خطيبته شاهيناز، وبدل إلغاء الزواج، ينتظر لحظة عقد القران ليفضح أمرها أمام الجميع فتسقط مغشياً عليها إثر الصدمة. يتم نقلها إلى المستشفى، فيظهر عمرو بوجه البريء، ليطلب يد شاهيناز من والدها مؤكداً له أن ابنته شريفة وكلام سيف غير حقيقي. يدعم هذا الكلام ما يقوله مدير المستشفى الدكتور نشأت (حمدي السخاوي) الذي يؤكد أنها بريئة من التهمة.
فيلم روحه وفكرته «طازجة»، عصرية جداً، إيقاعه رومانسي تشويقي، أحداثه غير بطيئة، لكنها في المقابل غير واقعية في كل مراحلها. تشطح نحو المبالغات الدرامية وتستنجد بمَشاهد كانت تصلح لأفلام زمان، وقد عفى عليها الزمن، مثل دخول سيف الاستوديو أثناء تقديم حبيبته برنامجها «قول الحق» مباشرة على الهواء، ليقدم لها اعتذاراً أمام الجمهور، بعد اكتشافه الحقيقة وأن هدير وعمرو دبرا لهما المكيدة بسبب الغيرة ولأن عمرو كان يحلم بالزواج من شاهي منذ مدة..
في السيناريو والحوار الكثير أيضاً مما يواكب العصر الحالي، مثل تعاقد شاهيناز مع إحدى القنوات لتقديم برنامج، من منطلق أن «مافيش فرق بين الصحافة والتلفزيون، اللي بيعمل هنا بيعمل هناك» العبارة التي قالها أدهم. و«التكنولوجيا بقت تخرب البيوت»، وغيرها.. والأهم توظيف المخرج للتكنولوجيا لتقديمها بشكل جديد وجميل لتبدو الشاشة وكأنها شاشة كمبيوتر أحياناً وشاشة هاتف نقال أحياناً مع بروز التعليقات و«الشات»..
فيلم يشد الجمهور ويستحق المشاهدة وإن أفلتت منه بعض الأحداث وجنحت نحو السذاجة، إلا أنه يبقى أفضل من أفلام المقاولات الرديئة.
من حالة شك إلى أخرى دون ملل
من مميزات «شكة دبوس» أنه ينقلك من حالة شك إلى أخرى، ومن تشويق إلى آخر دون ملل أو سقوط في فراغ، وتبقى مشدوداً لمعرفة الحقيقة وتفاصيل الأحداث طوال ال82 دقيقة مدة عرض الفيلم. أحمد عبد الله صالح ينجح في أفلام الإثارة والغموض، لكنه يحتاج إلى العمل باجتهاد أكبر وتمهل وتدقيق في كل تفاصيل القصة كي يتجنب هفوات تأخذ من رصيد العمل، وتنقله من درجة جيد إلى مقبول. وهذه السقطات يشعر بها الجمهور فإذا به يرتفع بمشهد إلى حدود المتعة، ومن ثم يأتي مطب يهبط به فجأة إلى روتين الأفلام «الساذجة».
مؤامرة من المؤلف والمخرج
نهاية الفيلم تكشف لك أنك تعرضت لمؤامرة من المؤلف والمخرج، وأن المكيدة الأولى كانت أبسط من المكيدة الثانية. فمع موافقة شاهيناز على الزواج من سيف وعودة المياه إلى مجاريها، تشعر بأنك أمام نهاية تقليدية لفيلم عربي، لكن رنة هاتف شاهي في الغرفة في الفندق، تكشف قصة مختلفة، وأن ما قيل في البداية عن «شوشو» هو حقيقي، ويظهر سيف ليفاجئها ويفاجئنا بحقيقة ثالثة لم تخطر على بال أحد، فتختلط كل الأوراق.