«ما أفصح لسانه، وأضبط جنانه، وأطول عنانه، والله إني لأظنه كما وصف نفسه».
ذلك الوصف، هو ما أطلقه عبدالملك بن مروان، على الشاعر كثير عزة، حين دخل الأخير عليه، فسأله عبدالملك أأنت كثير عزة؟ قال نعم، قال عبدالملك: «أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فأجابه كثير عزة قائلاً: يا أمير المؤمنين، كلٌّ عند محله رحب الفناء، شامخ البناء، عالي السَّناء، ثم أنشأ يَقُولُ:
ترى الرجل النحيف فتزدريه
وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطرير إذا تراه
فيخلف ظنك الرجل الطرير
بغاث الطير أطولها رقاباً
ولم تطل البزاة ولا الصقور
خشاش الطير أكثرها فراخاً
وأم الصقر مقلات نزور
ضعاف الأسد أكثرها زئيراً
وأصرمها اللواتي لا تزير
وقد عظم البعير بغير لبٍّ
فلم يستغن بالعظم البعير
ينوخ ثم يضرب بالهراوى
فلا عرف لديه ولا نكير
وكثير عزة هو صاحب قصة العشق الشهيرة التي ربطت بين اسمه واسمها «عزة» وهي كغالبية قصص الحب في الشعر العربي، غالباً ما تكون مفعمة بالوجد والألم والتفاصيل الدرامية المؤلمة، وهو الذي يجعل الشاعر، عاشقاً استثنائياً، يحوله ذلك الحب، أو يرفعه درجات في مساحات الإبداع والتألق، فكانت تلك القصائد التي كتبت في الحبيبات أو العشيقات، بمثابة ظاهرة فريدة في الشعر، لما انطوت عليه من تميز في التجربة الوجدانية والعاطفية، التي حركت المشاعر، بمثل ما حركت العقل والتفكير.
هو كثير عزة (660 - 723).. الذي يعرف بأنه من أهل المدينة المنورة وشعراء الدولة الأموية، واسمه كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن عويمر الخزاعي، أما حبيبته فتعرف بعزة بنت جميل بن حفص بن إياس الغفارية الكنانية.
بدأت قصته معها حين كان يرعى الماشية، فوجد بعض النسوة من بني ضمرة، فسألهن عن أقرب ماء يورد إليه غنمه، فقامت إحدى الفتيات بإرشاده إلى مكان الماء، وكانت هذه الفتاة هي عزة التي تتصف بالجمال والفصاحة، فاستولت على لبه منذ اللحظة الأولى التي رآها، ومن ثم كتب بها أجمل الغزليات، وهو الذي أغضب أهلها فزوجوها إلى رجل سافر معها إلى مصر.. وبقية القصة معروفة حيث لحقها كثير إلى هناك وعاش سنوات، انتهاء بقصة موته.
صـاغ كثيـر قصائد كثيرة في عزة، منها واحدة بعنوان (لعزة إذ أجدّ بها الخروج) ومنها:
ألمْ يحزُنكَ يومَ غدتْ حُدُوجُ
لعزَّة َ إذْ أجدَّ بها الخروجُ
بضاحي النَّقبِ حينَ خرجن منهُ
وخلفَ متونِ ساقتها الخليجُ
رأيتُ جمالها تعلو الثّنايا
كأنَّ ذرى هوادجها البُروجُ
وَقَدْ مَرَّتْ عَلَى تُرَبَانَ تُحْدى
لها بالنَّعْفِ مِنْ مَللٍ وَسيجُ
رأيتُ حدوجها فظللتُ صبّاً
تهيّجني مع الحزنِ الحدوجُ
إذا بصرتْ بها العينان لُجَّتْ
بِدَمْعِهِمَا مَعَ النَّظرِ اللَّجوجُ
هناك روايات وقصص وكتب نقدية كثيرة، قدمت قصة الشاعر أفضل تقديم، ومما يرد في إجماع هذه الكتب، أن كثير عزة، قد اكتسب شعريته بالتجربة والاجتهاد، فقد عاصر الشاعر الشهير جميل بثينة، بل كان في بداية حياته الشعرية راوية يحفظ أشعار جميل ويرويها ويقدمها على شعره هو، ذلك أنه أي «كثير» كان يحب هذا الشاعر وارتبط معه بعلاقة صداقة معروفة، دامت سنوات عدة، لا بل أن بثينة وعزة أيضا كانتا صديقتين، ويروى أن كلتيهما: (بثينة وعزّة) اتفقتا على أن تعبثا بكثيّر لامتحان مقدار صدقه في حب عزة، وهو الذي كان يلهب مشاعره ويحرك عنده أجمل الأشعار.