ليس معروفاً على وجه الدقة، تاريخ ظهور الحكايات الخرافية المنسوبة إلى عالم الحيوان، إذ تشير بعض الروايات إلى ظهور «كليلة ودمنة» في القرن الرابع الميلادي في الهند، وثمة من يرى أن هذا النوع من الأدب كان معروفاً من قبل، وقد ترجم ابن المقفع هذه الحكايات، وأضاف إليها، لتصبح بذلك من أشهر الأعمال الأدبية في العالم العربي.
الحكايات نفسها ترجمت إلى الفرنسية في القرن الثالث عشر، وأصبحت من أبرز كلاسيكيات الأدب العالمي، وقد اعترف الكاتب «جان دو لافونتين» نفسه في القرن السابع عشر بأنه استوحى منها، خاصة تلك المنقولة عن الهندية، حكاياته، وقد صاغ هذه الخرافات في الفترة ما بين عام 1668 وعام 1694، وذلك في 12 كتاباً، تضم نحو 230 خرافة، وهي عبارة عن حكايات قصيدة منظومة شعراً، على ألسنة الحيوانات والطير، وبالطبع لا تخلو من حكمة أو موعظة.
وقد أصدر المركز القومي للترجمة هذه الخرافات بترجمة مصطفى كامل خليفة ومراجعة جينا بسطا، حيث يتضح لنا أن لافونتين لم يكن مبتكراً هذا النهج من الأدب، فقد كان متأثراً إلى حد كبير بإيسوب الذي عاش عبداً في القرن السادس قبل الميلاد باليونان، وصاغ الحكايات على ألسنة الحيوانات والطير، خوفاً من بطش السلطان ورجال السياسة.
كانت معظم آراء لافونتين الفلسفية وخبراته الحياتية تميل إلى التشاؤم، ويعزى ذلك لكونه لم يعش حياة أسرية سوية، فقد كان منفصلاً عن زوجه وطفله الوحيد، وكان يمر أغلب الوقت بضائقة مالية، فلم تكن أموره مستقرة منذ تركه الوظيفة، والاعتماد على المساعدات المالية المقدمة من الملك لويس الرابع عشر، كراع للفنون والآداب، والتي كانت تنقطع حين يهاجمه لافونتين.
اكتسبت «خرافات لافونتين» شعبية كبيرة بين الأطفال لكن الكبار أيضاً كانوا يرونها نبعاً للحكمة والفلسفة، خاصة أن شاعراً قد صاغها في أسلوب أدبي رفيع يعجز الكثيرون من أدباء العالم عن الوصول إليه، وقد ترك لنا جملة أراد بها أن يترجم سرده لهذه الخرافات: «استخدمت الحيوان لإرشاد الإنسان» فقد عاش أميناً لهذا المبدأ، وقد توفي في عام 1695 بعد حياة حافلة بالعطاء والنجاح، إلى حد اختياره عضواً بالأكاديمية الفرنسية.
وقد تميز هذا الشاعر بآرائه التي تنم عن جرأة سياسية، ظهرت في إبداعاته، من خلال المواعظ والحكم التي ضمنها حكاياته الخرافية، وقد أتاحت له معرفته بالطبيعة البشرية عرض مضمون السرد وإتقان الشكل الفني، بحيث يظهر النقد في صورة نتيجة حتمية لحبكة الأحداث.
كانت حكايات لافونتين، برغم ما بها من عمق فكري وفلسفي، تعبر عن الجانب الطفولي التابع في نفس كاتبها، حيث استمرت تلك الطفولة الهادئة البعيدة التي عاشها مصدر إمداد له ومعين لا ينضب وسط خضم حياته، التي لم تخل يوماً من صراع أو فشل أو تحدٍ، ولم يكتب لافونتين حكاياته دفعة واحدة، فكان لا يلبث أن يطل من وقت لآخر، كلما دعت الحاجة إلى نقد موقف سياسي أو اجتماعي أو فني.
عرف القارئ العربي لافونتين، كما عرفته سائر الشعوب من خلال ترجمة حكاياته وأمثاله، حيث تثقفت بها العامة، وتضمنت الكتب الدراسية بعضاً منها، ليقف عليها الطلاب، كما استوحى منها الفنانون والشعراء كثيراً من أعمالهم، وهنا يبرز أهم أدوار الترجمة التي تنتقل بنا من أدب الشرق إلى أدب الغرب لتحقق التواصل المطلوب بين الثقافات المختلفة، وتتسم حكايات لافونتين بالطابعين المسرحي والشعري، وهي تخاطب الصغار والكبار على حد سواء، وقد نالت شهرة واسعة عالمية، بينما حظيت بقية أعماله شهرة قومية بين عشاق الأدب الفرنسي، وقد حالت تلك الشهرة دون انحداره إلى طي النسيان.
يعتبر أفضل ما وجه إلى الحكايات من آراء أنها صالحة لعدة مستويات من القراءة لثلاثة أعمار مختلفة، فالطفل يجد لذة في نضارة القصة وحيويتها، كما يرصد على الاطلاع عليها الطلاب المتخصصون في دراسة الأدب والفن، وكذلك ذوو الخبرة من المفكرين في تأملات الحياة وما تحمله من أسرار خفية.
وقد عرف لافونتين بميله إلى الهزل، الذي من خلاله يوجه نوعاً من النقد اللاذع لبعض الظواهر، التي لا يرضى عنها في مجتمعه، ويصور لنا أخلاقيات لا تقتصر على زمن معين، بل هي موجودة في كل زمان ومكان، فهو لا يصور فقط مآسي الحياة، بل يصور مباهجها أيضاً، فنجد أن كل حكاية يقدمها لنا، كأنها مسرحية من فصل واحد.
كتب غيرت الوعي
«حكايات لافونتين».. الحيوان يرشد الإنسان إلى الحكمة
22 أبريل 2016 04:14 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 أبريل 04:17 2016
شارك
القاهرة: «الخليج»