للسنديان حكايات لم تكتب بعد ،تروي قصص الأصالة والجذور العريقة والتمسك بالوطن، وحكايات السنديان يعرفها المبدعون من الشعراء والكتّاب والأدباء لما تتميز به هذه الشجرة المغرقة في القدم، وتزهو بالفرح والجمال مع حلول فصل الربيع.
هذا هو شجر السنديان الراسخ في الأرض مقاوماً تحديات الزمن وعاتيات الرياح، فالسنديان وأنا متشابهان والسنديان وأنا توأمان. نسقط كلمات الشاعر على غابات وأشجار السنديان وما تمثل من غطاء أخضر وتاريخ وتراث وعراقة متجذرة في الأرض، وثمة قصيدة للشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم تتكوّن من ثماني كلمات بعنوان «أبدية» يقول فيها:

تتبدّل الأوراق من آن لآن لكن جذع السنديان.. لا يتبدل «في رمزية مزج فيها الشاعر بين السنديان والصمود والإباء. تتبدل الأوراق من آن لآن ولا يتبدل جذع السنديان. ربما أفقد ما شئت في ثوان، لكن روحي تعشق السنديان. بعض أشجار السنديان يحمل ثمرًا يؤكل وبعضها للظل فقط، كما أن بعضها ينمو في الجبال العالية والبعض الآخر في الأودية والسهول المنخفضة، على أنه لا يمكن تحديد أي أنواع السنديان، وعلى الرغم من صعوبة الوصول إلى بعض المناطق فقد وجدت هذه الشجرة طريقها إليها لتمدها بالحياة وذاك اللون الأخضر القاتم المميز، وكأنها تتحدى التضاريس الطبيعية ووعورة المسالك في غابات عذراء عصية على البشر، وكأن السنديان يؤثر في بقائه منتصباً في الحد من ظاهرة التصحر. لقد اختار أجدادنا شجرة السنديان لتجاور بيوتهم وأديرتهم ومقامات أوليائهم وجباناهم لتبعث من بين أغصانها تلك الهيبة والخشوع أمام عظمة الخالق.
وفي لبنان السنديان كل منها تختلف في حجمها وشكل أوراقها وثمارها واستخداماتها الطبية وغيرها، تتواجد فيه هذه الأشجار.

أقوم بجولات في الطبيعة لممارسة رياضة المشي، ولدي هواية في التعرف إلى التنوع النباتي والحيوي في غاباتنا.. والسنديان معلم سياحي وتاريخي إضافة إلى أنني لاحظت أن بعض جذوع عدد من الأشجار المعمرة أصابها نخر على شكل فتحات متعددة في الجذع، ما يؤدي لاحقاً إلى إضعاف الشجرة تدريجياً، وقد تأخذ هذه العملية سنوات وتؤدي في نهاية المطاف إلى يباسها ، وفي كل زيارة ألاحظ إصابات جديدة، ونخوراً أكثر لجذوع الأشجار القديمة. إنه وضع مأسوي ، فالشجرة التي تحمّلت منذ مئات السنين الكثير من التغيرات في المناخ وشهدت أحداثاً تاريخية وعاصرت أجدادنا تهزمها هذه الآفة، وهناك شجرتا سنديان معمرتان أصابتهما آفات ونخرتهما بسوس المرض في مزرعتنا القابعة في الجبل، وكان جدي يخشى عليهما من اليباس. الشجرة خلقت لتنمو وتكبر وتمتد أفرعها ليتظلل البشر تحتها ولتعطي ثماراً من كل نوع وشكل ولون، وإذا رزقنا الله بشجرة توقف نموها نحزن كثيراً ونعتبرها مشوهة.. نحزن لأنه يجب أن نتخلص منها لعدم جدواها، ولكن أن نقزم نحن الشجرة بأنفسنا وباختيارنا فلماذا؟ فقط للمنظر الجميل أم لنضعها على طاولة داخل المنزل؟ أنا لا أفهم هذا!
الشجرة كائن حي ينمو ويكبر ويشعر ويحس. في تراثنا يقولون إن النبات يشعر بوجود صاحبه فيسعد بقربه وتكون النتيجة واضحة على حيوية النبات كلما مر صاحبه بجواره، ولكن أن يكون صاحبه هو من يقوم بتعذيبه! مسكينة أنت أيتها الشجرة بالتأكيد تبكني كلما مر صاحبك بجانبك. هل يستطيع أحد منا تحمّل قيد على كل أجزاء جسمه لمدة ساعة ؟ طبعا لا، فالشجر مثلنا تماما في الإحساس،
النبات يسبح بحمد الله ، ولكننا بهذا نجعل الشجرة تتألم. على أية حال لنأخذ من النبات درس الحياة، ومن السنديان درس الصمود.

سحر حمزة