«أعلم أن الكلام هو الذي يُعطي العلومَ منازلها، ويبيّن مراتبها، ويكشفُ عن صُوَرها، ويجني صنوفَ ثَمَرها، ويدلُّ على سرائرها، ويُبْرِزُ مكنون ضمائرها، وبه أبان الله تعالى الإنسان من سائر الحيوان، ونبّه فيه على عِظَم الامتنان، فلولاه لم تكن لتتعدَّى فوائدُ العلمِ عالِمَه، ولا صحَّ من العاقل أن يَفْتُق عن أزاهير العقلِ كمائمه، ولتعطَّلَت قُوَى الخواطر والأفكار من معانيها، واستوَتِ القضيّة في مَوْجُودَها وفانيها، نَعمْ، ولوقع الحيُّ الحسَّاس في مرتبةِ الجماد، ولكان الإدراك كالذي ينافيه من الأضداد، ولبقيتِ القلوب مُقْفَلةً تَتَصَوَّنُ على ودائعها، والمعاني مَسْجُونَةً في مواضعها»، هذا الكلام كتبه عاشق آخر للغة بقواعدها وجمالياتها، بأسرارها ومنطقها، باستعاراتها وتشبيهاتها، هو إمام من أئمة البلاغة عاش في القرن الخامس الهجري، هو عبد القاهر الجرجاني.
يعتبر البعض الجرجاني مؤسس علم البلاغة، أو أحد أبرز مؤسسيها، ولا تزال كتابات الجرجاني، مثل «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز» وغيرهما، تستقطب اهتمام طيف واسع من المثقفين والباحثين، وربما يعود ذلك إلى تركيز الجرجاني في كثير من كتاباته على منطق اللغة، أو عقلنتها، فضلاً عن ميله الواضح لأولوية المعنى على اللفظ، يقول في «أسرار البلاغة»: «الألفاظ خَدَمُ المعاني والمُصرَّفةُ في حكمها، وكانت المعاني هي المالكة سياستهَا، المستحقَّةَ طاعتها، فمن نَصَرَ اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جِهَته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنّة الاستكراه، وفيه فَتْح أبواب العيب، والتَّعرُّضُ للشَّيْن، ولهذه الحالة كان كلامُ المتقدِّمين الذين تركوا فَضْل العناية بالسجع، ولَزِموا سجِيَّةَ الطبع، أمكنَ في العقول، وأبعَد من القَلَقِ، وأَوضحَ للمراد، وأفضل عند ذوي التَّحصيِل، وأسلمَ من التفاوتِ، وأَكْشَفَ عن الأغراض»، هنا دفاع عن المعنى، وتبرير لاتجاه الأقدمين نحو اللفظ، حيث الفطرة والرغبة في الوضوح والمباشرة في المعالجة، بعكس العالم الذي يعيش في عصر بلغت فيه الحضارة أوجّها وبالتالي لابد من تغليب المعنى والبحث عن العقل في كل الأشياء، حتى اللغة نفسها.
لقد عاش الجرجاني ثقافة عصره، في وسط يذهب فيه أهم النقاد إلى الانحياز إلى اللفظ ويقدمونه على المعنى، وكان يحس بوعي نقدي أن ثنائية اللفظ والمعنى عند ابن قتيبة، على سبيل المثال، تشكل خطراً على البلاغة، فتقديم اللفظ، يقتل الفكر، لأن الفصاحة ليست في اللفظ، وإنما هي في العملية الفكرية التي تصنع تركيباً فصيحاً من الألفاظ. وأنت تقرأ الجرجاني ستلاحظ أنه أشد معاصرة لنا من جميع من يدعون دفاعهم عن اللغة العربية، أو دراستها وفق الألسنية الحديثة، يتحدث عن المعنى، ومعنى المعنى، الأول ما يتسرب إلى عقولنا من ظاهر الكلام، والثاني ما يمكن أن نطلق عليه المسكوت عنه في المعنى، فكرياً وجمالياً، أي أن معنى المعنى يضم حزمة واسعة من الدلالات والرموز والاشارات التي يود صاحبها إرسالها إلينا مصوغة في بنية كلامية جمالية تتوزع على قدرته على التصوير والتشبيه واستخدام الاستعارة والكناية والمجاز المرسل.
معنى المعنى
ووضع الجرجاني كتابه «أسرار البلاغة» لدراسة معنى المعنى، حيث بحث التشبيه والتمثيل والاستعارة، وألمح إلى أن «معنى المعنى» يقوم على مستويات متفاوتة في الدلالة والتأثير معاً، وكانت له وقفته النقدية حين تحدّث عن التناوب بين المكني والصريح، وضرورة إعلاء شأن قوة التمثيل من الزاوية العقلية بغية الوصول إلى اللذة النفسية في تتبع صور الجمال.
ولنستمع إليه وهو يتحدث عن المعاني قائلاً: «واعلم أن غرضي في هذا الكلام الذي ابتدأته، والأساس الذي وضعته، أن أتوصّل إلى بيان أمر المعاني كيف تختلف وتتفق، ومن أين تجتمع وتفترق، وأفصل أجناسها وأنْواعها، وأتتبّع خاصّها ومُشَاعَها، وأبين أحوالها في كرم مَنْصبها من العقل، وتمكُّنها في نِصَابه، وقُرْب رَحِمِها منه، أو بُعدها حين تُنسب عنه، وكَوْنِها كالحَلِيف الجارِي مجرى النَّسَبَ، أو الزَّنيم الملصَق بالقوم لا يقبلونه، ولا يمتعضون له ولا يَذُبُّون دونه».
يتعامل الجرجاني مع الكلام بلغة المحب العاشق، منطلقاً من العقل ومن الذائقة: «وإنّ من الكلام ما هو كما هو شريف في جوهره كالذهب الإبريز الذي تختلف عليه الصُوَر وتتعاقب عليه الصناعات، وجُلَّ المعَوَّل في شرفه على ذاتهِ، وإن كان التصويرُ قد يزِيد في قيمته ويرفع من قدره، ومنه ما هو كالمصنوعات العجيبة من موادَّ غير شريفة، فلها، ما دامت الصورة محفوظةً عليها لم تنتقض، وأثَر الصنعة باقيّاً معها لم يبطل قيمةٌ تغلو، ومنزلة تعلو، وللرغبة إليها انْصبابٌ، وللنفوس بها إعجاب، حتى إذا خانت الأيام فيها أصحابَها، وضامَت الحادثاتُ أربابها، وفجعتهم فيها بما يسلُب حُسْنها المكتسب بالصَّنعة، وجمالَها المستفادَ من طريق العَرضِ، فلم يبق إلا المادّة العارية من التصوير،والطِّينة الخالية من التشكيل سقطت قيمتها، وانحطت رتبتها، وعادت الرَّغبات التي كانت فيها زُهداً، وأوسعتها عيونٌ كانت تطمح إليها إعراضاً دونها، وصدّاً، وصارت كمن أحظاه الجدُّ بغير فضلٍ كان يرجع إليه في نفسه، وقدَّمه البخت من غير معنًى يقضي بتقدّمه، ثم أفاق فيه الدهر عن رقدته، وتنبّه لغلطته، فأعاده إلى دِقّة أصله، وقلّة فضله، وهذا غرضٌ لا يُنال على وجهه، وطَلِبةٌ لا تُدرَك كما ينبغي، إلا بعد مقدّماتٍ تُقدَّم، وأصولٍ تُمهَّد، وأشياءَ هي كالأدوات فيه حقُّها أن تُجمع، وضروبٍ من القول هي كالمسافات دونه، يجب أن يُسَار فيها بالفكر وتُقْطَع، وأوَّلُ ذلك وأوْلاه، وأحقّهُ بأن يستوفِيَهُ النظر ويتَقَصَّاه، القولُ على التشبيه والتمثيل والاستعارة، فإن هذه أصولٌ كبيرة، كأنَّ جُلَّ محاسن الكلام، إن لم نقل: كُلَّها متفرّعة عنها، وراجعة إليها، كأنها أقطابٌ تدور عليها المعاني في مُتصرَّفَاتها، وأقطارٌ تُحيط بها من جهاتها، ولا يَقْنع طالب التحقيق بأن يقتصر فيها على أمثلة تُذكر، ونظائرَ تُعدُّ».
ومن يقرأ «أسرار البلاغة» يدرك أن الرجل يؤسس لما ارتبط به بعد ذلك في كتابه الأشهر «دلائل الإعجاز» حيث صاغ نظريته للنظم لتبيان إعجاز القرآن الكريم، فإعجاز القرآن الكريم، يعود إلى حسن النظم، ولا يرتكز فقط على المفردات أو حتى معانيها؛ أو جريانها وسهولتها وعذوبتها وعدم ثقلها على الألسنة. كما رفض أن يكون الإعجاز راجعًا إلى الاستعارات أو المجازات أو الفواصل أو الإيجاز وحسب، ومجمل نظريته في النظم أنه لا اعتداد بمعاني الكلمات المفردة إن لم تنتظم في سياق تركيبي، وهو ما يعرف بالنحو، فهو يرى أن الدلالة المعجمية معروفة لمعظم أهل اللغة ولكن دلالة اللفظة التي تكتسبها خلال نظمها في سياق تركيبي هي التي يسعى إليها مستخدم اللغة، لاختلاف دلالة اللفظة تبعًا للتركيب النحوي الذي تنتظم فيه، والمواضع المختلفة التي تحتلها في السياقات الناتجة عن أصل سياقي واحد.
ولد عبد القاهر الجرجاني في عام 400 ه، ونشأ فقيراً في مدينة جرجان وتأثر بسيبويه والجاحظ وابن قدامة وابن قتيبية والآمدي، وأثر بشدة في الزمخشري. واستوعب عبد القاهر الثقافة العربية الإسلامية التي كانت سائدة في عصره، مثل علوم القرآن الكريم وما دارت حوله من مباحث ودراسات. وأتقن الفقه الشافعي وبرع في فلسفة المذهب الأشعري. وألم بالدراسات المنطقية على نحو ما تكشف عن ذلك تقسيماته ودراساته في أسرار البلاغة ومجادلاته في دلائل الإعجاز. وقد كان عبدالقاهر على معرفة تامة بلغات متعددة غير العربية؛ فقد عرف الفارسية والتركية، وبرع في اللغة الهندية.
تصدر عبد القاهر مجالس جرجان يفيد الراحلين إليه والوافدين عليه. وقصده طلاب العلم من كُلِّ صوب، ومن تلامذته علي بن زيد الفصيحي، وأبو زكريا التبريزي، والإمام أبو عامر الفضل بن إسماعيل التميمي الجرجاني، وأبو النصر أحمد بن محمد الشجري.
دروس وجدل
كتبالجرجاني العديد من المؤلفات في البلاغة والشعر والبديع.. الخ، وله كتب في الفلك وعلوم الهيئة، وتوفي في عام 471 ه، وترك أثراً كبيراً في اللغة بفضاءاتها المختلفة، بداية من النحو والصرف وحتى منطق اللغة نفسه الذي ينتمي إلى علوم اللغة المعاصرة.
دارت حول الجرجاني الكثير من الجدل في الثقافة العربية المعاصرة، جدل يتعلق ببوصلة الاتجاه بين المتمسكين بإنجازات الذات، ومن يتطلعون إلى الآخر، ومن يحاولون الأخذ بطرفي المعادلة في الوقت نفسه، ولنا أن نتصور ذلك الرجل الذي ولد على رأس المئة الخامسة للهجرة في عصر دونت فيه العربية علومها، وتحدث فيه المتكلمون والفلاسفة والمناطقة في قضايا الجدل المختلفة، ووضع فيه أعلام اللغة قواعدها وقوانينها وقتلوا جمالياتها المستقاة من القرآن الكريم أولاً، ومن الشعر ثانياً، وما استجد من فنون النثر ثالثاً، قتلوا كل ذلك بحثاً، وناقشوا العلاقة بين اللفظ والمعنى، وأدلى الجاحظ بدلوه وكذلك ابن قتيبة.. وغيرهما، ثم يأتي الجرجاني ليبحث في منطق اللغة إلى الدرجة التي تدفع بعض الباحثين إلى اعتباره من مؤسسي الألسنيات الحديثة.
لقد انطلق الجرجاني من فضاء عصره وأدرك ببصيرته أن «الألفاظ خدم المعاني»، وبحث مختلف قضايا البلاغة ومفرداتها، وفي «أسرار البلاغة» لابد أن تستمتع بتنقله السلس بين الاستعارة والتشبيه والمجاز.. الخ، وتتأمل براهينه وحججه واستشهاداته من السابقين عليه ومن القرآن الكريم ومن الشعر، فضلاً عن أننا نجد أنفسنا أمام رجل يعطي العقل مكانة، خاصة عندما يعرض عليه فرضيته ثم يتدرج وفق آليات وقوانين هذا العقل للوصول إلى نتيجة تتفق مع صحة المقدمة، وفي دلائل الإعجاز لابد أن تبهرك مقولته: «اعلم أن لكل نوع من المعنى نوعاً من اللفظ هو به أخص وأولى، وضروبًا من العبارة هو بتأديته أقوم، وهو فيه أجلى، ومأخذًا إذا أخذ منه كان إلى الفهم أقرب، وبالقبول أخلق، وكان السمع له أوعى، والنفس إليه أميل».
الكتابة عند الجرجاني ليست مجانية، بمعنى أن الكتابة الجميلة، أو الكتابة كما ينبغي لها أن تكون، لابد أن يخضع فيها اللفظ للمعنى، فالألفاظ ليست ملقاة على قارعة الطريق، وكذلك المعاني، فلكل معنى اللفظ الذي يناسبه، هي الحساسية المفرطة للغة، أو هو التعامل المفترض معها، هذا إذا استوعبنا درس الجرجاني الغائب عن فضائنا اليوم.