كتاب الكامل في اللغة والأدب لأبي العباس محمد بن يزيد المُبرِّد المتوفى سنة 286 ه، هو أحد أصول الأدب وأمهات كتبه في العصور القديمة، وقد عده ابن خلدون واحداً من أربعة كتب يرجع إليها في الأدب بالمعنى القديم لكلمة أدب (التي كانت تقارب مفهوم الثقافة في العصر الحاضر)، يقول ابن خلدون: «سمعنا عن شيوخنا في مجالس التعليم، أن أصول هذا الفن - يعني الأدب - وأركانه أربعة دواوين، وهي: «أدب الكاتب» لابن قتيبة، و«البيان والتبيين» للجاحظ، و«الأمالي» لأبي علي القالي، و«الكامل» للمبرد، ويصدق ما ذهب إليه ابن خلدون كون هذا الكتاب لقي الكثير من الاهتمام على مر العصور، وكُتب حوله شروح كثيرة، وكان أثيراً لدى الأدباء والعلماء وكتّاب الدواوين، والمتأدبين من السلاطين والوزراء والأعيان على مر العصور، نظراً لما تضمنه من قصص وحكايات شائقة عن البلغاء وأهل الكلام، وما حواه من سديد الحكم ورفيع الأساليب وطرائف المعاني، وشوارد اللغة وتحف النحو والصرف، فكان روضة غناء يرتع فيها القارئ، وينهل من معارفها الجمة، وموسوعة ثقافية تأخذ من كل علم بطرف، وكان ينوّع موضوعاته ويخلط فيه بين الجد والهزل لكي يروّح عن قارئه، فلا يتسرب إليه الملل من قراءته. يقول المبرد في مستهل كتابه مبيناً مقصده منه: «هذا كتاب ألفناه يجمع ضروباً مختلفة من الآداب، ما بين كلام منثور، وشعر مرصوف، ومثل سائر، وموعظة بالغة، واختيار من خطبة شريفة، ورسالة بليغة، والنية أن نفسر كل ما وقع في هذا الكتاب من كلام غريب أو معنى مستغلق، وأن نشرح ما يعرض فيه من الإعراب شرحاً شافياً، حتى يكون الكتاب بنفسه مكتفياً، وعن أن يرجع إلى أحد في تفسيره مستغنياً».

جمع كتاب الكامل بين عدة ميادين أدبية وثقافية ولغوية عديدة، واعتنى بالشرح والتفصيل ليستغني عن غيره كما قال مؤلفه، وهو ما جعله يسميه عن وعي «الكامل»، وجعل القارئ القديم يحرص على اقتنائه، لأن يجمع له علوماً شتى بين دفتيه، ولا يزال قارئ اليوم يجد تلك الجمالية، ويستشعرها، وبالأخص مع ما في الكتاب من خطب العرب من مختلف العصور حتى العصر الذي عاش فيه كاتبه، كخطب الجاهليين وخطب الرسول ،صلى الله عليه وسلم، وخطب الخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية، وزعماء الخوارج، وبعض خلفاء بني العباس، وعامة الخطباء، وما فيه كذلك من أخبار الحكماء مع ذكر أقوالهم، وكذلك مقتطفات من الأشعار وأخبار الشعراء ونوادرهم، وأجمل ما قيل في أغراض الشعر جميعاً.

كان من أسباب رواج كتاب الكامل قديماً شهرة مؤلفه أبي العباس المبرِّد الذي عاش في العصر العباسي في القرن الثالث الهجري، وكان واحداً من العلماء الموسوعيين، وأحد الذين يرجع إليهم في علوم اللغة والبلاغة. ولد بالبصرة، وتلقى العلم بها على يد عدد كبير من أعلام عصره، وتصدر مجالس تدريس النحو والبلاغة، وكان حلو الحديث فصيحاً بليغاً، ولقب بالمبرد قيل: لحسن وجهه، وقيل: لدقته وحسن جوابه، فكأنه يشفي به السائل ويبرد قلبه، وقد أثنى عليه كتّاب السير المحققون، فقال عنه جمال الدين القفطي في كتابه «إنباه الرواة على أنباه النحاة»: «كان أبو العباس محمد بن يزيد من العلم وغزارة الأدب، وكثرة الحفظ، وحسن الإشارة، وفصاحة اللسان، وبراعة البيان، وملوكية المجالسة، وكرم العشرة، وبلاغة المكاتبة، وحلاوة المخاطبة، وجودة الخط، وصحة العزيمة، وقرب الإفهام، ووضوح الشرح، وعذوبة المنطق؛ على ما ليس عليه أحد ممن تقدمه أو تأخر عنه»، ومن يقرأ الكتاب يجد تلك الصفات المتعلقة بالبلاغة والبراعة في النحو التي ذكرها القطفي ماثلة فيه.

محمد ولد محمد سالم