العباس بن الأحنف العربي البغدادي نشأ في النعمة والثراء والحياة المترفة، وهو خير ممثل للغزل العفيف في العصر العباسي، وهذا الشاعر المترف قد استطاع أن يتجنب الموجات الهدامة التي انغمس فيها جماعة أمثال أبي نواس، والحسين بن الضحاك المعروف بالخليع، وصريع الغواني وغيرهم، كل هذا نأى عنه العباس وركز قواه على محبوبة واحدة لم يحد عنها إلى سواها، وإن كان جعل لها مسميات كثيرة تمادياً في التعمية والتمويه على شخص هذه المحبوبة الحجازية المدينية الهاشمية الشريفة، واشتهرت باسم فوز، وبات يرى في كل مليحة فوز.
ويلاحظ من يقرأ شعره أنه يحسن وصف الحب الحزين، فلا يشبه مجنون ليلى الذي وقع ضحية لعاطفة أدى به كبتها إلى أن يصبح مرفوضاً من المجتمع الإنساني.
وهذا يدفعنا إلى القول إن عصر ابن الأحنف كان يمد الشاعر بمنافذ كثيرة كان يتنفس من خلالها وينفس عن نفسه، ويخفف من لوعته وحرقته ولهيب قلبه، وقد بلغ حرص العباس على محبوبته درجة كبيرة خوفاً عليها من أن تمس بأذى أو تخدش بأذى فكتم اسمها وكنى عنه بأسماء كثيرة وأوصاف مختلفة، وتلك صفة من صفات الحب العفيف.
وبقيت فوز بين جوانح العباس الدافع والحافز والملهم، وما عداها فهو الوهم الذي لا يقف عنده، وهي القريبة من العباس في حاضرة الخلافة، ولكنها البعيدة أو المتباعدة بموروث عاداتها الحجازية الهاشمية، وكانت كثيرة التنقل بين العراق موطن إقامتها والمدينة المنورة مسقط رأسها، ويقول العباس:
أزوار بيت الله مروراً بيثرب
لحاجة متبول الفؤاد كئيب
إذا ما أتيتم يثربا فتبرأوا
بلطم خدود أو بشق جيوب
وقولوا لهم يا أهل يثرب اسعدوا
على جلب للحادثات جليب
فإنا تركنا بالعراق أخا هوى
تنشب رهنا في حبال شعوب
لقد عانى العباس من حب فوز كل المعاناة مما حمل بعض المستشرقين ويوافقهم بعض الدارسين أن يعدوا معاناة العباس في شعره ضرباً من الخيال، بل أن يعدوا فوزاً ضرباً من الخيال والوهم.
ويقول المستشرق الفرنسي بلاشير في تصدير ديوان العباس بن الأحنف بتحقيق الدكتورة عاتكة الخزرجي، (لعل العباس لم يحي في مغامراته التي أنشدها في شعره، ولكنه تخيلها في ألوان رقيقة مثلتها له أشواقه العلوية، ولذا فقد حافظ شعره على ميزة نادرة، وهي قدرته على أن يثير أصداء حية في وجداننا العصري، وهو بالغ ذلك دون عناء).
ويمضي بلاشير فيقول إن صوت ابن الأحنف ينضم إلى أصوات الشعراء العذريين الذين أنجبهم الشرق العربي، ولكنه صوت أقدر على إثارة مشاعرنا لأنه يتردد بنبرات صافية لا ثقل فيها ولا فضول.
ونستمع إلى رقة الحب الأحنفي يخاطب فوزاً:
ألم تعلمي يا فوز أني معذب
بحبكم والحين للمرء يجلب
وقد كنت أبكيكم بيثرب مرة
وكانت منى النفس من الأرض يثرب
أؤملكم حتى إذا ما رجعتم
أتاني صدود منكم وتجنب
فإن ساءكم ما بي من الضر فارحموا
وإن سركم هذا العذاب فعذبوا
وكما هي قوانين الحب العفيف والتي تقضي أن ينتهي حال المحبين إلى الفراق الأبدي الذي لا لقاء بعده، انتهى حب ابن الأحنف ومضى في طريقه، ليستحيل هذا كله إلى شعر عذب رقيق يفيض حلاوة وحناناً وشوقاً.