القاهرة:«الخليج»

في إطار الحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفييتي (السابق) فاز عدد من الأدباء الروس بجائزة نوبل، ومن هؤلاء يأتي ألكسندر سولجنتسين (11 ديسمبر/‏ كانون الأول 1918 - 3 أغسطس/‏ آب 2008) ففي أكتوبر/‏تشرين الأول من عام 1970 أبرقت إليه الأكاديمية السويدية بفوزه بجائزة نوبل، تقديراً لقوته وصلابته الأخلاقية، التي حافظ بها على تقاليد الأدب الروسي، فرد عليها ببرقية قال فيها إنه يعتبر منحه هذه الجائزة تكريماً للأدب الروسي، وكذلك المجتمع الروسي الذي يعاني المتاعب، مبرزاً بذلك البعد السياسي الذي حدا بالأكاديمية السويدية لأن تمنحه الجائزة.
وبطبيعة الحال تحين أعداؤه هذه الفرصة للنيل منه والهجوم عليه، لما له من علاقات مشبوهة بالغرب، وشنت «البرافدا» حملة صحفية عليه، وحذت حذوها صحف أخرى، بل إنها تشككت في موهبته الأدبية، ورغم سخط السلطات السوفييتية عليه لقبوله جائزة نوبل، فإنه تلقى برقيات تهنئة من كتاب وأدباء سوفييت ومن زملاء قدامى له في معسكرات العمل، حيث عبروا عن تقديرهم له، لأنه صور محنتهم في إنتاجه الأدبي.
كان «سولجنتسين» يؤكد أن السلطات السوفييتية اتخذت قرار طرده من البلاد في صيف عام 1969، وقد كثرت الإشارات إلى ذلك في عدد من المقالات المنشورة والبيانات الصادرة عن الحزب الشيوعي، وقد عبر الحزب عن استعداده، لاستخراج جواز سفر له، وإعطائه تأشيرة الخروج المطلوبة، وقيل إن مجلس رئاسة الجمهوريات السوفييتية أعد مسودة بإسقاط الجنسية السوفييتية عنه، وأن 12 عضواً باتحاد الكتاب طالبوا رسمياً بنفيه.
في تلك الأثناء كانت الأنباء ترد بأن الكاتب الفرنسي «فرانسوا مورياك» يسانده نحو 50 كاتباً، قاموا بترشيحه لجائزة نوبل للأدب في يوليو/‏ تموز 1970، وهنا يقول الكاتب إنه كان يحلم بحصوله على الجائزة منذ سماعه بها أثناء وجوده في معسكرات العمل، حتى قبل أن ينشر باسمه كلمة واحدة.
لم يكن سولجنتسين راضياً عن موقف باسترناك من الجائزة، حين تم منحها له عام 1958، ولما طالته الشتائم من كل صوب، اضطربت نفسه وقرر رفض الجائزة، ولذا قرر سولجنتسين بينه وبين نفسه أنه لو جاءته الجائزة لتحدى السلطات السوفييتية وقبلها، حتى لو أدى ذلك إلى أن يعيش بقية حياته في المنفى، واستند ترشيح سولجنتسين للجائزة إلى ترجمة روايته «عنبر السرطان» إلى اللغة السويدية، وأثناء استغراقه في كتابة روايته الجديدة «أغسطس 1914» تلقى في 8 أكتوبر 1970 مكالمة تليفونية مضمونها أن جائزة نوبل للأدب من نصيبه هذا العام.
طلب من الصحفي النرويجي الذي زف إليه الخبر أن يشكر الأكاديمية السويدية، لكن الصحفي قال له إن مثل هذا الشكر لا يكفي، لأن العالم بأسره ينتظر أن يعرف رد فعلك، فأمسك بالقلم وكتب هذا التعليق القصير: «أشعر بالامتنان لحصولي على الجائزة، وإني أقبلها وأنوي السفر لاستلامها في اليوم المقرر، اللهم إلا إذا حدث ما هو خارج عن إرادتي وحالتي الصحية لا تعوق سفري».
بعد منحه الجائزة حاول سولجنتسين أن يتفاوض مع كبار المسؤولين السوفييت من موقع القوة، فطلب منهم رفع الحظر عن روايته «عنبر السرطان» وعودة كتبه الأخرى إلى أرفف المكتبات، وطلب أيضاً الموافقة على نشر روايته «أغسطس 1914»، لأنها تخلو من أي إزعاج للسلطات، ولم يطلب نشر روايته «الدائرة الأولى» باللغة الروسية، أو يقترح على السلطات نشر «أرخبيل الجولاج» والتزم السوفييت الصمت نحو مطالبه، فاشتعلت الصحافة ضده.
رغم أن سولجنتسين أبدى استعداده للسفر إلى ستوكهولم، لتسلم الجائزة في الاحتفال المتفق هناك في نهاية عام 1970، فإنه عاد وغير رأيه بسبب ظروفه العائلية، وتأخر سفره إلى السويد أربعة أعوام، فقد سافر إليها لتسلم الجائزة عام 1974. بعد أن نشر له الغرب روايته «أرخبيل الجولاج»، التي تروي تجربته القاسية في معسكرات العمل السوفييتية.