استهلال القصيدة ينطوي على براعة لغوية فكان بيتها الأول خير تمهيد لما هو آت ليضعنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في مشهد وكأنه لحظة لقاء حبيب منتظر، إنه لقاء الأرواح بأيام تفتح فيها أبواب السماء، فما أجمله من لقاء، وما أعظمه من مشهد، والقصيدة لا تنضب معانيها السامقة في مستهل البيت بل تأبى إلّا أن تطوف بنا في عوالم محتشدة بالمعاني اللامعة بلغة سلسة وباذخة، هي السهل الممتنع، وهي كذلك حتى تكون دانية للجميع، فبعد هذا الاستهلال البليغ، تدخل القصيدة إلى موضوعها مباشرة.
ويستدعي سموه في هذه الأبيات تلك اللحظات الحاسمة في تاريخ البشرية، التي بدأ بها ميلاد جديد نقلت به البشرية من الظلمات إلى النور، عندما أنزل القرآن الكريم في تلك الأيام المباركات، ليهدي الله عز وجل البشرية جمعاء. يقول الله تعالى في محكم تنزيله «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»، إنه القرآن الكريم الذي به اهتدت النفوس الحائرة، بلسان عربي مبين يحمل البلاغة والفصاحة، فكان نبراساً وسراجاً يضيء ظلمة الحائرين، إنه لاستدعاء يجعل القلوب والعقول في حالة تفكر وتدبر ومعايشة روحانية مع الحدث العظيم، أيام رمضان المعدودات والتي تحمل للبشرية خير أيامها كلها. إن القصيدة حملت معاني باذخة متدبرة، وبعد أن تتناول القصيدة تلك اللحظات الروحانية في وحدة موضوعية تنتقل بسلاسة لتبين بلاغة القرآن الكريم الذي أنزل في الشهر الكريم، وتبرز إعجازه ومعجزاته:
وبه تحدى الله أرباب النهى
في أن يجيء بمثله من ألحدوا
نور سماوي يشع هداية
يفني الزمان وعلمه لا ينفد
لا يبلغ الفصحاء من إعجازه
لو آية عجزوا وعنه تبلدوا
إنه المعجزة التي أعيت أصحاب العقول كافة، أن يأتوا بمثلها، وكذلك من تاهت أحلامهم في دياجر الظلمات، إن معجزة القرآن الأولى هي اللغة الفصيحة التي عجز فصحاء العرب عن الإتيان بمثلها، ويقول رب العزة: «لسان ٱلذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين»، ولقد أفلحت القصيدة في ترابط بديع في عكس هذا البيان الفصيح، وتأخذنا القصيدة لتصور لنا المشهد الآخر، وهو مشهد أهل قريش وقد حلت بهم الحيرة، وطوقتهم الأسئلة الحارقة.تعكس القصيدة في بلاغة تصويرية مشهد أهل قريش وقد استبد بهم هول الأمر، فصاروا في حيرة من أمرهم هذا، يقلبون الرأي بينهم ويتبادلون سيل الأسئلة، عن: ماذا يريد محمد «ص»، فتباروا في طرحها، وتقديم الإغراء تلو الإغراء لنبي الرحمة حتى يتراجع عن رسالته العظيمة «الإسلام»، عرضوا عليه الملك والزعامة والمجد والنساء والمال، مستعينين في مقصدهم بعم النبي «صلى الله عليه وسلم»، أبي طالب فأبى الرسول الكريم ونقلت الرواة قوله: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته»، فلما يئسوا من أمرهم ولقلة عقلهم اتهموه بالجنون، وهي التهمة التي أنكرتها السماوات، إذ يقول تعالى «ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون»، وسور القرآن الكريم مليئة بالآيات التي تسفه عقول كفار قريش، إذ اتهم نبي الرحمة بالجنون تارة، ويصفونه بالشاعر تارة أخرى، إن القرآن الكريم ينفي عن النبي صلى الله عليه وسلم صفة الجنون، ويتحداهم أن يأتوا بمثل ما أتى به محمد من عند ربه، رب العزة، ما أجمل أبيات القصيدة التي تستدعي تلك الأيام الأولى من السيرة النبوية، تلك الأيام الفاصلة بين الحق والباطل، بين الظلمات والنور، وتعكس مقبل الأبيات من القصيدة في تصوير بلاغي مشهد تآمر القوم في دار الندوة.تصور القصيدة واحدة من أهم منعطفات الدعوة، تلك المحاولات التي هدفت إلى إخمادها في أيامها الأولى، وهو مشهد أهل قريش في دار الندوة يتفاكرون في كيفية مواجهة الدين الجديد، في مشهد يحضر فيه إبليس اللعين ليحرض القوم على إطفاء نور النبوة حتى وصل بهم التفكير إلى قتل نبي الرحمة بواسطة أربعين فرداً يمثلون قبائلهم، ولكن ماذا حدث؟:
والله مكمل نوره ومتمه
والنصر من رب الخلائق يعقد
أنجاه خالقه وهاجر واهتدت
بهداه أمته وطاب المورد
سارت القصيدة في دروب السيرة النبوية، وصورت مشاهدها الكبيرة، وعكست كيف أن كيد الكافرين ومعهم الشيطان قد ضعف، وأبى الله إلا أن يتم نوره، وكيف لا وقد رعته رعاية أكبر هي الرعاية الإلهية في كل مراحل النبوة، وبمثلما حازت القصيدة حسن الاستهلال، كذلك كان ختامها مسكاً يفوح عبيره، بذكريات تلك الأيام العظيمة:
رمضان هذي ذكريات هجتها
إني بوجهك حين تقبل أسعد
القصيدة حملت مضامين عظيمة، وهي رسالة لأمة الإسلام بالاقتداء بالسيرة النبوية وجعلها حاضرة ماثلة من أجل نصرتهم وعزتهم، وهذه المضامين حملتها أبيات غاية الفصاحة والتعبير اللغوي، جاءت كالبنيان المرصوص، في وحدة موضوعية وجزالة بديعة، حيت في مستهلها الشهر الكريم، وأبانت أن عظمته في كونه الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم هو الهدى للناس، وأبانت بلاغته وفصاحته وإعجازه، وتوقفت عند صنوف الكيد الذي تعرض له حامل الرسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف أن الله تعالى قد نجاه من الكيد وأتم نوره، لتختتم القصيدة أبياتها ببيت بليغ، يجعل القلب يتلفت إلى تلك الأيام العظيمات، التي تحمل لنا ذكرياتها نسائم رمضان العطرة، إن كل بيت في هذه القصيدة حالة قائمة بذاتها، كل بيت فيها يحتشد بالبلاغة والإبداع اللغوي والتعبيري، ومقدرة مذهلة على تصوير المشاهد وهضمها وتحويلها إلى حالة شعرية فريدة.
بلاغة القص الروحاني
يفتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء -حاكم دبي- رعاه الله، في قصيدته «أهلاً رمضان»، نافذة واسعة على العلاقة التي تربط القصيدة العربية بكل ما تحمله من موروث تاريخي، وجملة المفاهيم الروحانية الإسلامية، التي ظلت معيناً لا ينضب للشعراء في توصيف تجليات البعد الجمالي للمناسبات الدينية، ورسم صور عالية لسيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
يروي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في قصيدته سيرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ لحظة خلوته في الغار ونزول الوحي عليه، مروراً بالرفض والعذاب الذي لاقاه على يد كفار قريش، وصولاً إلى هجرته التاريخية المعروفة إلى المدينة وتثبيت دعائم الدين الإسلامي.
يكتب سموه سيرة روحانية مكثفة، تنسج الروحاني بجزالة اللغة، وتبنى أبياتها برصانة المعنى، وبلاغة اللغة، متماهياً بذلك مع الأجواء الروحانية التي يفرضها شهر رمضان المبارك، وما يثيره من ذكرى في نفوس المؤمنين، فالقصيدة إلى كونها استعادة لسيرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - هي أيضاً تتلمس جماليات الرسالة السماوية الإسلامية وتاريخها.
ينكشف ذلك في مستهل القصيدة التي يكتب فيها ثلاثة أبيات مكتوبة بلغة عالية، وفيها ما يكفي لاستحضار الخشوع، والروحانية في شهر رمضان المبارك.
يوظف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هذا الاستهلال المحتشد بجماليات الضياء، والتقى، والتعبد، والنور، ليدخل إلى سيرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فيرسم لتعبده في الغار، ولحظة نزول الوحي جبريل، أبياتاً شعرية موغلة في التكثيف والإيجاز، ومستندة على بلاغة المفردة، وسلسلة المرجعيات التاريخية الإسلامية في الثقافة الروحانية للمسلمين.
وينتقل سموه من هذا التوصيف القصصي إلى وقفة جمالية لحكمة التنزيل وبلاغة القرآن الكريم، فاتحاً بذلك الباب على سلسلة من المرجعيات الراسخة حول القرآن وعلو لغته، وإعجاز لفظه، ودقة وصفه.
ويستعيد سموه في توصيفه لتاريخ الدعوة الإسلامية بأركانها الكريمة كلها، الرسول - صلى الله عليه وسلم - والوحي، والقرآن، والمسلمين التابعين الأوائل، يستعيد العداء الذي واجهه الرسول في رفض قريش للدعوة، فيشير إلى تساؤلاتهم والإغراءات التي قدموها للنبي ليترك دعوته، إذ يقول مشيراً إلى تساؤلات أهل مكة.
تبدو بلاغة التكثيف وتتابع السرد الشعري القصصي للقصيدة، منسوجة بإحكام البليغ والممسك بمعمار القصيدة، إذ يكمل سموه قصة المؤامرة التي حاكتها قريش لقتل النبي، بعد أن رفض كل مغرياتها، من ملك، وزوجة، ومال.
ويختتم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قصيدته بالنصر الذي حققته الدعوة الإسلامية، بفضل الله وعزة نبيه - صلى الله عليه وسلم - معيداً جماليات الذكرى الروحانية لشهر رمضان الكريم، بوصفه الشهر المبارك الذي كان شاهداً على الكثير من الفتوحات، والنصر للأمة الإسلامية وكرامة أهلها.
المحرر الثقافي