هكذا ينظر غاليانو إلى الحياة، ويسخر منها كما لو أنه فهم ما تريد وصار يعرف مفاجآتها، إلى أين ستصل، ففي إحدى الأفلام الوثائقية التي تتوقف عند مفاصل من سيرته، بدا محكم العبارة، صوته لا يشبه سوى لون الشيب الذي غزا رأسه، نظر بحدة عينه نحو الكاميرا وقال: «الخوف بمثابة التهديد/إذا دخنت ستصاب بالسرطان/ إذا تنفست ستتنفس هواءً ملوثاً/ إذا أكلت ستحصل على الكوليسترول/ إذا تكلمت ستخسر وظيفتك/ إذا مشيت ستكون ضحية عمل إجرامي/ إذا فكرت سيرهقك القلق...».
إنه ابن الشجاعة الرزينة، والحكمة العارفة لمواطن الخطر، لا يشبه في حدة بصيرته سوى الذئاب، فهو الجامح، والمتمرد، والعصي على الترويض، إذ ظل صوتاً عالياً في وجه التغول الأمريكي، وظل في الكتابة منفلتاً من الأسلوبية الواحدة، فكان رومانسياً، وواقعياً، ورمزياً، وسوريالياً، وحداثياً متى أراد أن يكون، ولم يكن شاعراً وحسب، وإنما كان صحفياً، وروائياً، وباحثاً كذلك.
في الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأمريكي أوباما إلى فنزويلا، قدم هوغو شافيز كتاب غاليانو «الأوردة المفتوحة لأمريكا اللاتينية» هدية للرئيس أوباما، فكان صوت الأدب أعلى في صراع الديوك السياسي.
ولد إدواردو غاليانو في الثالث من سبتمبر/أيلول من عام 1940 في مونتفيديو، في أسرة ميسورة من أصول إسبانية إيطالية من جهة أمه، وألمانية غالية من ناحية الأب، قبل أن يصير اسمه مكرساً في عالم الصحافة والأدب، وخلال مرحلة الشباب اشتغل عاملاً في مصنع ورساماً وكاتباً عمومياً وموظفاً بالبنك... كما مارس العديد من المهن الأخرى.
بدأ عمله كصحفي مع بدايات 1960 حينما أصدر صحيفة أسبوعية مؤثرة في المشهد السياسي العام هي جريدة «مارشا» أي مسيرة، وحظيت الصحيفة بتعاون أسماء بارزة في عالم الأدب في أمريكا اللاتينية من قبيل ماريو بارغاس يوسا الكاتب والروائي البيروفي، وماريو بينديتي الشاعر والقاص والروائي الأورغوائي، وروبيرتو فيرنانديث ريتامار الشاعر الكوبي، والكاتب البورتوريكي مانويل مالدونادو دينيس، وبعد جريدة «مارشا» الأسبوعية، نشر يومية «إيبوكا» أي «مرحلة» التي سيتواصل صدورها على امتداد سنتين، ثم تتوقف.
لغاليانو العديد من الكتب المهمة واللافتة مثل: «كتاب العناقات» الذي يجمع بين نصوص سردية وشعرية، و«أغنيتنا» التي يعتبرها النقاد رواية عن المنفى والديكتاتورية في أورغواي، وثلاثيته الشهيرة «ذاكرة النار» التي يستعيد فيها تاريخ قارة أمريكا اللاتينية عبر سرد يمزج فيه بين التاريخي والمتخيل في نثر يقترب أحياناً من تخوم الشعر، وقد عنون الأجزاء الثلاثة كالتالي: «الولادات.. من خلق العالم حتى القرن السابع عشر»، «الوجوه والأقنعة.. القرنان الثامن عشر والتاسع عشر»، و«قرن الريح.. القرن العشرون».
توفي إدواردو غاليانو في الثالث عشر من أبريل/نيسان من العام الماضي بسبب سرطان في الرئة في مسقط رأسه مونتفيديو، وخلف العديد من المؤلفات في مجال المقالة الصحفية والقصة والشعر والرواية واليوميات، كما ترك العديد من الجمل والعبارات المسكوكة التي تتردد على لسان كثير من سكان أمريكا اللاتينية وغيرهم.
محمد أبو عرب