دبي: «الخليج» في جو رمضان حيث يحلو الابتهال، وحيث يجأر العِباد بألسنة الدعاء إلى الله أن يهديهم رشدهم تأتي قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، «ابتهال مقامي»، كنفثة إيمانية، فيها ابتهال وتمجيد لله العلي القدير الذي أنعم على عباده بصنوف الخيرات، وتبدو القصيدة نفثة نفس مسلمة طربت بنور الإيمان الذي يتغشاها في رمضان، فعرجت عبر مقامات صوفية، تعبر عنها الألفاظ المستخدمة في البيت الأول مثل «مقامي، عرفوا، شهدوا، قياما»، فنفس الشاعر التي حركها نور الإيمان ارتفعت إلى مقامات يعرفها العارفون بالله المؤمنون الذين ترقت أرواحهم في مدارج الإيمان، وهناك في تلك المعارج، حيث السلام الذي يملأ القلوب راحة وطمأنينة، حلّت تلك الروح، وغشيها السلام من ربها فأنست به واطمأنت له، وأصبح عالمها الذي تسبح فيه، ولكي يكون التعبير عن ذلك الطرب الذي غَشِيَ نفسه بالنور دقيقاً وبليغاً استخدم الشاعر أسلوب التكرار لإحداث إيقاع مناسب للنشوة التي تأخذ النفس المبهورة بالحقيقة الإيمانية الرمضانية، كما استخدم المشاكلة اللفظية في كلمة «مقامي» التي تستخدم ها هنا بعدة صيغ، ففي الأول تأتي بمعنى المصدر الإقامة، وفي الثاني جاءت بمعنى المكانة والمنزلة، وكذلك بين «تسليم» الذي هو مصدر، و«سلام» الذي هو اسم، و«السلام» وهو اسم الله، تأكيداً لتلك الحالة الرفيعة من الإيمان.
ثم تسترسل أبيات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في وصف تلك الحالة السنية من الإيمان بنفس الترديدة الإيقاعية والمشاكلة اللفظية، مستعيراً ألفاظ المحبين الكبار من المتصوفة، مثل «الغرام» التي تدل على الانجذاب في حب الله، لكن هذا الانجذاب كان «غرامة» مدفوعة الثمن مسبقاً، لأنه يذهب بالفؤاد وينسيه كل شيء، ويذيب النفس فلا يعود لها ارتباط بالدنيا، وبالنوازع المادية البشرية، ولئن كانت الغرامة في الأصل تدل على الخسارة، فإن هذه الغرامة التي تدفعها نفس الشاعر محمودة، ومطلوبة لأنها ارتقاء في حب الذات العلية، وتحرر من قيود المادة، ليصفو الفؤاد لعبادة ربه.
وعند هذه المرحلة من الإحساس بانغمار النفس في الحب، يحلو للشاعر أن يمد يد الدعاء لربه مستنزلاً أعطياته، واقفاً ببابه وقفة الفقير المعترف بحاجته إلى ربه الغني الكريم، وبابه هنا هو رمضان، لأن كل مناسبة تعبدية هي باب إلى الله يصل منه الإنسان إليه، وأحسن أوقات الدعاء، عندما يدخل المرء في العبادة، وقبل الرجاء وقبل تقديم الطلب، لا بد من التمجيد لأن الكريم الجليل يطرب لذكر
عباده له بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ففيها تسليم له واعتراف بربوبيته، وهنا يورد سموه العديد من صفات الرحمن الجليلة، فهو السلام الذي ينشر السلام في النفوس، وهو المُرتجى الذي يطمع فيه كل البشر، وهو رب الأنام المالك لرقابهم المتصرف في شؤونهم، وهو الكريم الذي يعطي بلا حساب، ويمنح من غير منّ، والملجَأ الذي تفزع إليه الناس في الكروب والخطوب العظيمة، حيث لا عاصم إلا هو، ولا منجى ولا ملجأ إلا إليه، وهو الذي يرجى منه الخير الذي لا ينقطع، فكل واصل ينقطع وصله، وكل معط تنتهي أسباب عطائه، إلا هو فهو الكريم المعطي على الدوام الذي لا تبرمه الطلبات ولا تنقص من ملكه الأعطيات. يقول:

رجاً أرجوهُ يا مَنْ ترتجيه

                                   جميع الناس في يا رب الأنام

مقامي عند بابك يا كريماً

                                   إليكَ نضجُ في الكُربِ العظام

ومنك الخيرُ يرجى يا مغيثاً

                                   يغيثُ عبادَهُ غوث الكرامِ

وتزداد نفس الشاعر طرباً بأوصاف ربه المجيدة، فيسترسل فيها على نفس الوتيرة الإيقاعية التي تتكئ على التكرار، وهذه المرة يستخدم ترديدة «لولا» التي تكررت ثلاث مرات في بيتين متتاليين، لتخلق جوا موسيقيا داخل الأبيات تنتشي معه النفس وهي تستقبل مع كل ترديدة صفة جديدة من صفات الله العلي، فلولا حلمه لمات البشر بسبب ما يقترفونه من جرائم، فهو حليم، لأنه يراهم يجرمون ثم يمهلهم، ويمد لهم في أعمارهم ويبسط لهم في أرزاقهم، ولولا فضله لكانت الدنيا جحيماً وناراً على ساكنيها، فهو الذي سخر لهم ما في الأرض جميعاً من فضله وكرمه، ولولا عفوه عنهم لما بقيت لهم فرصة في الحياة، لكنه يعفو ويرجئهم إلى أجل مسمى، ثم يخلص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بعد ذلك التمجيد لله إلى الدعاء والاستعصام بالله، لأن من استعصم به كفاه، يقول:

ولولا حِلمهُ قضت البرايا

                                   ولولا فضله فالأمرُ حام

ولولا عفوه ما دام حيٌّ

                                   برحمته ورأفته اعتصامي

وبعد أن تغمر نفس الشاعر تلك المشاعر الإيمانية، وتَتَفكّرَ في حقيقة تلك الصفات السامية لرب العزة تتعجب من نفوس العباد وجرأتها على الله، بمخالفة أوامره، وهو القادر المقتدر الذي لا راد لمشيئته، والأعجب من ذلك أنه لطيف بعبده رغم ما يأتيه من الذنوب والخطايا، يتكرم عليه ويلطف به، ويؤخره لعله أن يتوب ويعود إلى رشده، وتلك غاية اللطف.
ويختم سموه القصيدة بالثناء على الله تبارك ذكره، بما هو أهله من الجود والفضل، وبالدعاء أن يختم له وللمسلمين أجمعين بالسعادة، وتلك غاية ما يرجوه المؤمن، من ربه حيث لا سعادة فوق أن يأتي الإنسان ربه بقلب سليم من كل شرك وشك، موحداً له بالربوبية، يقول:

تباركَ ذكرُهُ جوداً وفضلاً

                                   به نرجو السعادةَ في الختام

خالد الظنحاني: شفافية اللفظ وحسن البيان

في قصيدة «ابتهال مقامي» يستعيد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله» ملمحاً شعرياً أو نوعاً شعرياً قد غاب قليلاً في هذا الوقت، وهو شعر الابتهال لله عز وجل، والتضرع إليه والاجتهاد في الدعاء وطلب المغفرة، وهو يغوص في أعماق التراث العربي ليستخرج منه اللآلئ ويبلور الأفكار، فالابتهالات فن متأصل في وجدان أمتنا منذ آلاف السنين، وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحب الله والتقرب إليه وبالصفاء الروحي والسمو بالذات، كما أنه يستخدم المفردة بكل معانيها ويقلبها في كل أوجه احتمالها وهذا ما نلحظه في عدد من الأبيات مع تكراره لمفردة «المقام» و«الغيث» و«الغرام» حيث يقول:

مُقامي عندَ مَنْ عرفوا مَقامي

                                   قياماً حيثُ همْ شهدوا قيامي

غَرمتُ بذاتهِ غَرمي غراماً

                                   وقَدْ غرمَ الفؤادُ من الغرامِ

...

ومنكَ الخيرُ يُرجى يا مُغيثاً

                                   يغيثُ عبادَهُ غوثَ الكرامِ

إن شعر الابتهال هو الإحساس الصادق، وهو الإيقاع الوجودي، وابتهال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، شفاف اللفظ، وفي غاية الروعة وعبقرية الجمال، وقد جاءت شواهده الشعرية كثيفة، وقَيِّمة الرؤية الفنية، وحملت في طياتها الإحساس الصادق بكل ما يثيره الواقع من خلق ووصف وتطلع، وإشراقات صور ناطقة بالفصاحة وحُسن البيان، فالقصيدة فيها جرس موسيقي يُفرح القلوب ويملؤها بالطمأنينة، وفيها من الجناس والطباق والتقابل والتضاد والمحسنات البديعية، ما أعطاها بعداً جمالياً رائعاً يجعلها تُقرأ بالقلب قبل أن تُقرأ بالعقل.
وسموه شاعر متمرس، وفارس كلمة، يعرف كيف ومتى يكتب، ولماذا يكتب، فإلى جانب الترابط الروحي العالي مع حلول شهر رمضان الفضيل، وما تبوح به القصيدة من معاني الإيمان والتقوى والرجاء إلى الله، نجد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يستعيد هذا اللون الشعري، وكأنها دعوة منه لجميع الشعراء لكي يكتبوا في هذا الباب، وأن يستخدموا مَلَكاتهم الشعرية ويطوعوها لتكون عذبة رقراقة بذكر الله عز وجل، والنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فقصيدة الابتهال من أرق قصائد الشعر الديني لغة، وأصدقها عاطفة، فهي لا تولد إلا في لحظات الصفاء الروحي، وفي لحظات التأمل والتفكر والوقوف مع النفس، وفي تلك اللحظات يكون الشاعر معنياً أو مشغولاً بنفسه، وبعلاقته مع الخالق الواحد لهذا الكون الفسيح.
وفي مناجاته، لا ينسى سموه ذكر صفات الله جل جلاله من حلم وعفو وتسامح ورأفة وعطف وإغاثة لعباده، فهو الكريم والعليم واللطيف، كما يؤكد سموه أهمية التوكل على الله، وهي خاصية لا يعرفها إلا عباده الصادقون، وهي سبيل المخلصين المؤمنين بالقضاء والقدر، ويذكر بالاعتماد على الله والإيمان بأنه مسبب الأسباب، وأن قَدَره نافذ سبحانه وتعالى، إذا يقول سموه في تتابع مقصود المعنى والتوجه:

ولولا حلمُهُ قضتِ البرايا

                                   ولولا فضلُهُ فالأمرُ حام

ولولا عفوُهُ مادام حَيٌّ

                                   برحمته ورأفته اعتصامي

وأعجب من تلطفه بعبدٍ

                                   يجاهر بالخلاف على الدَّوام

في هذا الابتهال الجميل والنظم البديع في الشكل والجوهر والمعنى والمقصد، يختتم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قصيدته برجاء حسن الخاتمة، فالمؤمن الصادق يَلتزم الصدق في القَول، وفي النية والإرادة، وفي العزم والصدق في العمل، والصدق في الخوف والرّجاء، والرضا والحب والتوبة، فيقول:

تباركَ ذكرُهُ جوداً وفضلاً

                                   به نرجو السعادَةَ في الختام

 

دعاء ورجاء

تندرج قصيدة «مقامي» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في سياق ما عُرف في التراث الشعري العربي، بشعر المتصوفة، هذا الشعر الكبير في معانيه ودلالاته، الذي يحمل بين ثناياه كل معاني الحب والعشق للذات الإلهية، فضلاً عما تحمله القصيدة من خشوع وتضرع إلى الله لطلب العون، والتقرب إليه بالدعاء والرجاء.
والقصيدة هي من نوع الابتهال، التي تتوجه في مآلاتها الأخيرة إلى المديح، المديح كما هو حال المدائح النبوية هنا، مصوَّب نحو الذات الإلهية التي يتضرع إليها المؤمن بالخشوع والرجاء وطلب العون والمغفرة من الله سبحانه وتعالى.
وقد ساد عند المسلمين الأوائل، من الصحابة والأئمة الصالحين، أن نظمت الكثير من القصائد على هذا المنوال.
يقف المتتبع لقصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عند عنوان القصيدة «مقام»، والمقام هنا، هو الموضع أو المكان، أو المكانة، وقد برع سموه في هذا البيت حينما أراد أن يشير إلى مقامه بوصفه من أصحاب الحكم والحكمة والمهابة، عند أولئك النفر الكثير الذين يعرفون مكانته ويقدرونها خير تقدير، والمقام يأتي أيضاً ليشير إلى صاحب المكانة، وقد باشر في موقع التقرب إلى الله، وإقامة الصلاة كما في البيت الأول، حيث يقول سموه:

مقامي عند من عرفوا مقامي

                                   قياماً حيث هم شهدوا مقامي

القصيدة مكونة من عشرة أبيات، وهي منظومة على بحر الوافر، هذا البحر الذي استخدمه الشعراء بسبب وفرة حركاته، وهو كالبحر الكامل له نحو ثلاثين حركة، كما يوصف بأنه من الأبحر السباعية ويستعمل تاماً ومجزوءاً.
في دلالات حرف الميم الذي استخدمه سموه في نهاية عجز كل بيت من الأبيات العشرة، ثمة الكثير مما يمكن التوقف عنده، والميم كما يفسرها الباحث محمد غازي عرابي، هي تعبير عن خلاصة قولنا «سلام قولاً من رب رحيم» وهي أعظم الحروف من بعد الألف الفاعلة، إذ فيها سر التوحيد، ولذلك قال سبحانه عند بلوغ العبد هذا المقام «وتحيتهم فيها سلام»، فالسلام جوهر الإسلام، والتسليم للخالق البارئ الفاعل.
يقول سموه:

غرمت بذاته غرمي غراما

                                   وقد غرم الفؤاد من الغرام

رجا أرجوه يا من ترتجيه

                                   جميع الناس يا رب الأنام

ولأن القصيدة، تتوجه في سياقها العام بمفردات الدعاء والرجاء، بما في هذه العبارات، وما في هذا التوجه من قوة روحانية يريد منها المسلم أن ينشىء صلة وصل واتصال مع خالقه، تكون سبباً في توفيقه لمراده وحوائجه سواء الدنيويّة أو الأخرويّة، فهذا أمر مستحب تبدع القصيدة في وصفه، بل هو أمر مطلوب ويثاب عليه المسلم، هذه الصلة القوية التي تروم الارتباط بالخالق عز وجل، ممن يتصف بصفات لا حصر لها من النعم والتفضل والكرم والإنسان، هي بكل تأكيد أمور مطلوبة من المسلم، وها هو سموه يلتقط هذه المعاني في قصيدته «مقامي» فيبدع في تصوير هذه العلاقة، كما في البيت الذي يقول:

مقامي عند بابك يا كريما

                                   إليك نضجّ في الكرب العظام

وهكذا تستمر القصيدة في استدراج المعاني والعبر والدلالات للتحدث عن الخير المرتجى، كما تتحدث عن الحلم، وهي من صفات الله جل وعلا، والحلم هو صفة من صفات التسامح التي لولا فضل الله على المؤمنين لأخذهم بخطاياهم كلها، ولولا عفوه جل وعلا ما عصم خلق أو بَرِيَّة، ولولا تلطفه بعباده سبحانه وتعالى، لأخذهم بمجاهرتهم بالخلاف واستمرارهم على هذا السياق، لكنه اللطيف الذي تبارك ذكره، وهو صاحب الجود والفضل الذي نرجوه في الملمات كما نرجوه في منح عباده سعة من الصحة والطمأنينة والسعادة الغامرة.