في مقابلة وثائقية متلفزة للفيلسوف الفرنسي الفارق غاستون باشلار، كان يجلس على مقعد خشبي محني الظهر وقد بدت لمعة في عينيّه من خلف لحيته الكثة وشعره المهمل، وراح ينظر إلى الصحفي الذي استهل حديثه بقوله: «بما تحب أن أناديك؟ أتحب لقب الفيلسوف؟».
أجاب باشلار وقد استفزه السؤال، وانتفض جسده، حتى تحركت كل شعرة في رأسه، وقال: «لا لا، أنا باشلار، هكذا يناديني أهلي منذ كنت طفلاً، ولا معنى لأن تناديني بهذا اللقب».
ابتسم الصحفي وتابع أسئلته في السياق ذاته: «الفلاسفة يتعففون عن المادة، ويزهدون في الحياة، هل أنتَ من هذا النوع؟» فكانت إجابة باشلار عميقة بما يكفي ليسرد تفاصيل يومه بعد أن تجاوز الثمانين من العمر، إذ أجاب: «لا أتعفف عن المادة، فأنا أذهب إلى الجزار، وأعرف بلمح البصر اللحم الجيد من الرديء، وأختار ما يعجبني، وأشتري، لأعود إلى البيت كأي رب أسرة يمارس يومه بصورة طبيعية بالكامل».
ليس مفارقاً ما يرويه باشلار، فالعقول الكبيرة، بسيطة النفس، متواضعة، لأن المعرفة شكل من أشكال التواضع، إذ كلما عرفت، كلما وجدت أنك لا شيء أمام العلم، وذلك يكفي لتقتصد في رؤيتك لذاتك، وتلزم الصمت أكثر من الثرثرة.
لكن هذه الحقيقة يفتقر إليها المشهد الثقافي العربي بصورة عامة، فالحكايات تطول في سياق التضخم، وتكاد استعادتها تمرر في بالنا الكثير من الأسماء المعروفة في الشعر، والرواية، والفكر، وغيرها، فأحد الأسماء الثقافية لا يتنازل عن لقب «فيلسوف» سابقاً لاسمه، باعتباره درس الفلسفة أكاديمياً، في الوقت الذي يخجل ديكارت من هذا اللقب، ويُستفز باشلار إن ناداه أحدهم بالفيلسوف، ويظل كل من حسن حنفي، وزكي نجيب محمود، ومحمود أمين العالم، ومحمد أركون، وإدوارد سعيد، وغيرهم في مساحة المنظر، والمفكر، ولم يتجرؤوا على لقب فيلسوف.
مقابل هذا الواقع يجد المعاين للكثير من مثقفي المشهد الثقافي العربي، أن بعضهم ما زال عالقاً في حرف الدال الذي يسبق أسمه، بوصفه هو الحرف الذي سيعدل قامته، ويقيم له وزناً في النقاشات، والندوات، وحتى في الكتابة، فلا يتخلى عنه، ويغضب إن ناداه أحدهم من دون «دكتور».
يتجاوز التضخم الثقافي العربي الألقاب الأكاديمية ليصل إلى صورة أكثر فجاجة، فيروي أحد الشعراء أنه دخل في عراك كاد يصل إلى تضارب بالأيدي، حين نادى على أحد الشعراء باسمه «حاف»، فالآخر كان ينتظر، لقب أستاذ، أو يا كبيرنا مثلاً، أو غيرها من الألقاب لتشبع تضخمه.
يكشف ذلك الواقع واحدة من أكثر أشكال الخواء المعرفي العربي بصورة عامة، ويثير تساؤلات حول عمق الكثير من المثقفين، وقدرتهم على الاختباء وراء الألقاب لمداراة هشاشتهم الثقافية، فكم يحتاج الواقع إلى غربلة جادة تكشف الحقيقي من الزائف؟

محمد أبو عرب
[email protected]