لك الحمد يا ربي لك العز والمجد
على كل شيء في الوجود لك الحمد
استهلال بديع يبدأ به سموه القصيدة، فكان لابد من وقفة مع هذا الاستهلال قبل الدخول إلى كل القصيدة، فالاستهلال قد حمل التسليم الكامل، بأن كل نعم الله التي لا تُحصى، وكل موجوداته عز وجل تستوجب الحمد والشكر، وهي كذلك تحمل تسليماً بأن العز كله والمجد أكمله لله رب العالمين خالق الوجود، له العز الدائم والمجد الدائم، فكل شيء إلى زوال إلا ربي وصالح الأعمال، ولا يدوم للإنسان سوى فضل شكر الله وحمده، وعن كثير من السلف: أن أهل الجنة كلما اشتهوا شيئًا قالوا: سبحانك اللَّهُمَّ، فيأتيهم الملك بما يشتهون، ويسلِّم عليهم، فيردُّون عليه. وذلك في قوله تعالى: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}، وأيضا في قوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، والآيات الكريمات تبين فضل الحمد والشكر، يقول سموه:
من الضد للرحمن ربي وخالقي
إذا حان ميعاد الحساب من الضد
وما المد إلّا منه جوداً ورحمةً
فمن جوده الجود المضاعف والمد
تطوف القصيدة هنا في معاني روحانية فريدة، راجية رحمة الله يوم لا ظل إلّا ظله الكريم، في يوم تتقلب فيه الصور، فلا مثيل له «ليس كمثله شيء»، أي أن الله ليس له وليس هناك من يشابهه أو يماثله. ولا شريك له، قال تعالى: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» وهذه الأسماء فسرها النبي صلى الله عليه وسلم تفسيراً كاملاً واضحاً فقال: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء»، فهو الكريم الذي نرجو كرمه ورحمته، هو وجود لا حد له، لا تحصى فضائله ولا تعد، وقد جاءت الأبيات مليئة ومحتشدة بالصور البيانية والبديعية في تناغم لغوي فريد:
له العهد مني أن أوحد ذكره
بتوحيده ما عشت قد ثبت العهد
لك الحمد ربي عن كتاب وملة
بها يهتدي إن زاغ عن نهجه العبد
لك الحمد والشكر المضاعف كلما
بدا شارق يا من له الحل والعقد
والقصيدة في أبياتها تلك تحمل معاني التوحيد لله رب العالمين لا شريك له، وهذا التوحيد يحمله المؤمن عهداً لا فكاك منه مادام حياً، وتطوف القصيدة في كل حين حول معاني الشكر والحمد لله رب العالمين حول نعم غير مقطوعة، وتنتقل إلى ذكر النعم التي كان لها فضل هذا التوحيد. فالبشرية قد مرت بمنعطف كبير عندما أنزل الله القرآن على الناس بالحق فنقل البشرية من الظلمات إلى النور، وعندما ارتضى الناس بالإسلام دينا، كانت المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك، فالله سبحانه وتعالى مستوجب شكره، كلما أطل صباح، وأشرقت شمس يوم جديد، وأمل جديد، وعهد جديد، وبيد الله كل الأمور والنهي والأمر، والحل والعقد:
عليك رجائي وإتكالي ومرجعي
أبوء بذنبي حينما الأمر يشتد
فلا تبعدني عنك يا سامع الدعا
إليك مفري منك نحوك أرتد
فكن لي مجيراً أنت حسبي وليس لي
سوى بابك المفتوح إن جهد الجهد
ومن يتواكل فاته الخير والوعد
ومثلما كان للقصيدة مستهل بديع، كان لها كذلك ختام بديع، عندما حملت معاني توحيد الله رب العالمين والذي هو أساس كل شيء، فهو الواحد الأحد، فالتوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة وترك عبادة ما سواه، وهو الكافي عندما تتوجه القلوب التي أوتيت نعمة الإيمان إليه، ويطوف البيت الأخير حول معاني التوكل، وهو اعتماد القلب على الله تعالى في استجلاب المصالح ودفع المضار، ومعناه: تفويض الأمر لله، والاستعانة به في جميع الأمور، وربط الأشياء بمشيئته، والتوكل يعصم المؤمن من الفتن، «ومن يتوكل على الله فهو حسبه»، وبالمقابل فإن التواكل هو عكس التوكل كون التوكل مربوطاً بالعزم، أما التواكل فهو يشير إلى التقاعس والكسل، ومن يفعل ذلك يفوته الخير الكبير والوعد العظيم.
القصيدة أتت مفعمة بمعان إيمانية عميقة، وحملت كثيراً من نفحات الشهر الكريم وطيبه وعبقه، على جناحي نظم يحمل فرادة بلاغية وإبداعية في أبياتها، التي جاءت قوية في تصويرها ودقتها وبيانها اللغوي والإبداعي، تلك الأبيات التي جاءت على بحر الطويل، فامتلأت بالمعاني الجميلة.
الابتهال.. تقليد ثقافي نوراني رفيع
يواصل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، سيرة الشكر والحمد والمغفرة والنور بلغة شعرية قريبة من الروح، ومن القلب، لغة شعرية قريبة من السماء ومن الناس ومن نبض القلوب، وبشرى العيون.
الشعر بهذا المستوى والامتلاء من الإيمان والخشوعية والروحانية يصبح علاجاً لليأس والقنوط والانسحاب من الحياة، والشعر بهذه الحساسية وبهذه الطهورية يصبح قنديلاً مشعاً في ظلمة البأس والألم والاضطراب.
شعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في رمضان.. شهر التقوى ومخافة الله ومحبة الناس.. هو شعر الطمأنينة، وشعر النفس الهانئة بالخشوع، والهانئة بالرحمة، والهانئة بسمو المعنى الإلهي العميق.
شعر ابتهالات وقربى من خالق الأكوان والأفلاك. شعر ارتحالات إلى نور السماء، كما هو شعر تأمل في مخلوقات الله ومعجزاته، وبراهينه تعالى.. وحده له الشكر والحمد، وحده تعالى له الابتهال، ووحده تعالى له الصلاة والصيام والعبادة.
نفسية ممتلئة بالتوازن والهدوء والنقاء والصفاء يشيعها مثل هذا الشعر في شهر الخيرات والبركات والغفران. حالة رحمانية، تلقائية، قلبية، سامية، صافية.. يشيعها هذا الشعر الذي يناسب الزمن والزمان. الشعر الحي والباقي والماثل أبداً في الزمن والزمان والمكان. شعر مولود من قلب نظيف طاهر، قلب إنسان، وأب، وقائد، ومعلم، وفارس.. أرسى تقليداً ثقافياً دينياً معرفياً روحياً في شهر الدين والمعرفة والروح.
نعم.. ابتهالات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد تقليد ثقافي رفيع المبنى، ورفيع المعنى بهذه الشعرية الروحانية، وبهذا الامتلاء النوراني الحميم. ابتهالات من القلب إلى ملايين القلوب المتعطشة للخير والجمال والحكمة.
في ابتهاله «لك الحمد يا ربي» نجد قافية (الدال) المتحركة والمشبعة بمد الضم انسجاماً وتجانساً مع كلمة (الحمد).
الحمد لله، ولله العز، ولله المجد على كل شيء في الأرض والسماء والوجود. ما من شيء وكائن إلا وينطلق منه الحمد (الحمد لله رب العالمين).. الحمد على العافية، الحمد على الاستقرار.. الحمد على التسامح، الحمد على السعادة، الحمد على النجاح.
هذا الكون هو كون الله هو خالقه وهو مدبره.. الرحمن الخالق، هو تعالى يحاسب الإنسان، فإما أن تكثر حسناته، وإما أن تكثر سيئاته، ويوم الحساب ما من ضد للرحمن (ربي وخالقي).. ولتأكيد هذه الفكرة يتم استخدام عبارة (من الضدُّ) مرتين.
من الضدُّ للرحمن ربي وخالقي
إذا حان ميعاد الحساب من الضدُّ
الاستفهام هنا جاء للتأكيد، فما من ضدٍّ للرحمن الخالق إذا حان ميعاد الحساب.
يقطع الشاعر عهداً أن يوحد ذكر الله بتوحيده (ما عشت قد ثبت العهد..)، ومرة ثانية وليست أخيرة، نحن أمام شعر جذره الأرض واتصال فرعه بالسماء. شعر يصدر عن إنسان ممتلئ قلبه بالحمد والتوحيد. شعر قلب يخفق بحب الخالق.. دائم الحمد، ودائم التوحيد.
على الله الرجاء والاتكال وإلى الله الرجوع، وفي كل ذنب قد يقع للمرء إنما يعود إلى الله في الضيق والشدائد.. والله غفور رحيم وسعت رحمته السماء والأرض، فالحمد له على نعمة الغفران، وهو عنوان ومركز أو ركيزة هذا الابتهال.
ذروة الابتهال، إن أمكن القول هو هذا البيت:
فلا تبعدني عنك يا سامع الدعا
إليك مفرّي منك نحوك أرتدُّ
هذا البيت هو ذروة أو (إشعاعة) الابتهال انطلاقاً من امتلائه بالتضرع بحرف النداء.. «.. يا سامع الدعا» تعالى إليه المفر، وإليه، مرة ثانية. الرجوع.
حمدٌ يقرن القول بالعمل
ابتهال «لك الحمد يا ربي» قصيدة جديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على طريقة الابتهال، ضمن مجموعة (القصائد - الابتهالات الدينية والروحية) والتي بدأت تصدر عن سموه خلال هذا الشهر الفضيل، والتي أبرزت من خلال ما اشتملت عليه من صور ولغة متينة، وقوة استثنائية في سبك العبارة، أبرزت شاعرية متجددة تميز بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هذه الابتهالات تستشرف تلك العلاقة السامية بين المؤمن وخالقه، وهي علاقة يرسم معالمها سموه من خلال الحمد وفلسفة الحمد، والحمد هنا، هو إحدى وسائل التقرب إلى الله عز وجل من خلال الثناء باللسان، وهو «يختلف عن الشكر للنعمة من خلال الوسائل المعروفة في التقرب إلى الله، من خلال الحركات والجوارح، كما هو في الفروض كالصلوات والصيام والحج والزكاة وغيرها من أشكال التعبد المعروفة.
يستهل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قصيدته بالبيت الشعري الذي يقول:
لك الحمد يا ربي لك العز والمجد
على كل شيء في الوجود لك الحمد
ومن خلال هذا الاستهلال، يبدأ في تفاصيل قصيدة تتألف من أحد عشر بيتاً شعرياً، مقدماً من خلالها فيضاً من أشكال الحمد والثناء، مفضلاً سموه أن يذكّر في البيت الثاني بيوم الحساب حيث يقول:
من الضد للرحمن ربي وخالقي
إذا حان ميعاد الحساب من الضّد
وفي هذا البيت الجميل الذي يشير إلى خاتمة أسباب التعبد والحمد والثناء ونتائجها، ثمة ربط واضح يريد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن يلفت إليه، في هذه الأيام التي تشع نوراً وفيضاً وتسابيح، بالتذكير بيوم الحساب، هذا اليوم الذي تخشع فيه الوجوه، وهو بكل الأحوال ذلك اليوم المشهود الذي وعد الخالق عباده به، بل وتحداهم من خلاله، وهو يوم فارق في أحداثه وتصاويره امتثالاً لما جاء في القرآن الكريم، غير أنه يوم محفوف بالأمل وبالنهايات السعيدة، لأولئك الحامدين والمسبحين.
ثمة إشارات عديدة في هذه القصيدة، إلى نعم الله التي لا تُحصى، وثمة إشارات إلى تناغم سياق هذه القصيدة ومضمونها مع تلك الصور التي ترسم معالم العلاقة بين العبد المؤمن وخالقه تعالى، ومن هذه العلامات ما يراد أو يطلب من العبد المؤمن أن يقوم به، ويشمل كل أنواع الثناء والحمد.
مرة أخرى، فإن الثيمة الرئيسية في قصيدة (لك الحمد يا ربي) هو الاشتغال على مفردة الحمد، وأشكال هذا الحمد ومعانيه ومآلاته ونتائجه.. كما تشير القصيدة بدون شك إلى الحمد بوصفه من أشكال التقرب إلى الله، وتلهج به قلوب العارفين والذاكرين لله بحمده على نعمائه وآلائه وفضائله، وكما قلنا سابقاً، فإنه حمد باللسان يقترب في نتائجه من أشكال الشكر والتقرب إلى الله بالجوارح التي أشرنا إليها سابقاً.
هو حمد يوجهه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إلى جلال الله وسلطانه طمعاً في مغفرته وجزائه وطمعاً في الخير العميم الذي وعد الله به عباده المؤمنين، وهو حمد يقرن القول بالعمل، وهو كما جاء في قصيدة سموه ضد كل أشكال التواكل، الذي بطبيعة الحال يشتت بل يفرق كل أسباب الخير والوعد بالسعادة الدائمة.