تايلاند : وليد عثمان

يتوفر الجزء الشمالي من تايلاند على مقومات سياحية متنوعة. في القلب من هذه المقومات الطبيعة الخلابة التي تستقبل الزائر وترافقه أينما ذهب.
أهم هذه المقومات الأشجار التي تفوق السكان عدداً، وتفرض حضورها الأخضر على كل بقعة، حتى الجبال التي تتنازل عن صلابتها المعهودة، وتترك ملامحها للأشجار والنباتات ترسمها كيفما شاءت.
هذه الأشجار حاضرة بأنواعها وأطوالها المختلفة حول البيوت والأنهار الفنادق والمعالم السياحية والمعابد وفي الشوارع الرئيسية والفرعية.
وما من فندق إلا والخشب بطل تصميمه وأثاثه، يستوي في ذلك الفنادق البسيطة والفاخرة.
المدينتان الأشهر في الشمال التايلاندي هما شاين ماي وشاين راي، ويفصل كل منهما عن العاصمة بانكوك رحلة طيران مدتها تتجاوز الساعة بقليل.
صحيح أن لكل منهما مطاراً صغيراً يرطها بالعاصمة ومدن أخرى، إلا أن هذا المطار يقود إلى عوالم مدهشة لا تحضر فيها الطبيعة وحدها، فالإنسان أيضاً لا يغيب بأدبه المتمسك بكل عادات الترحيب المتوارثة، وحسن استقباله للزائرين.
شاين ماي، أو شيانغ ماي، مدينة خضراء بامتياز، لذلك تلقب ب «وردة الشمال»، لكن اسمها يعني «المدينة الجديدة».
والمدينة، وهي ثاني أكبر مدن تايلاند بعد بانكوك، لا تخلو، على بساطتها وهدوئها، من المظاهر العصرية كالمراكز التجارية وفنادق الخمس نجوم.
وخيارات الفنادق في المدينة وفيرة وتناسب مستوى كل سائح، فسعر الليلة في فندق مثل «سب سان» قد يكون 400 درهم في الموسم الحالي، لكنه يبدأ من 3000 آلاف درهم في «الفورسيزون».
ورغم أن الطبيعة وحدها كفيلة بتوفير المتعة للزائر، فإن هناك معالم عدة في المدينة تجمع بين التسوق والترفيه أبرزها «السوق الليلي».
أما محمية ميسا للفيلة في المدينة فقصة أخرى حافلة بالدهشة والإثارة.
المحمية تبعد عن المدينة نحو 60 كيلومتراً، ويحتشد فيها الزوار خاصة يوم الجمعة حول الفيلة عند المدخل الواقع على نهر صغير، حيث يشاهدونها واقفة في مياهه غير العميقة.
وفي الداخل، حيث ساحة العروض، ترى الأسر التايلاندية والزائرة متحلقة لمشاهدة العرض المصنف الأفضل من نوعه في العالم.
في الفقرات تقدم الفيلة ما قد يصعب على بعض الناس تصديقه: لعب كرة القدم، ممازحة الزوار، الرسم.
في فقرة الرسم، تتوزع حوامل اللوحات في ساحة العرض، بجوار كل منها مدرب يناول فيله فرشاة بعد أن يغمسها في اللون المطلوب. والنتيجة لوحات مدهشة بريشة الفيلة تُعرض في قاعة خاصة للبيع، ويُمنع الزوار من تصويرها.
ليس ذلك فحسب، فالفيلة التي يشتري الزوار حزم الموز لإطعامها مدربة على التصوير معهم فرادى وجماعات.
ومن العادي أن تجد الفيل يلف خرطومه حول رقبة الزائر لإنتاج صورة مملوءة بالألفة تبدو كما لو كانت بين صديقين.
قد تجد فيلاً آخر يأخذ قبعة مدربه ليضعها فوق رأس زائر يبتسم للكاميرا استعداداً لالتقاط صورة.
الفيلة حاضرة أيضاً، لكن في مشهد آخر ومدينة أخرى هي شيان راي (شيانغ راي).
شيان راي تبعد عن شيان ماي ساعة بالسيارة، لكنها تمتد إلى أكثر من ثلاث ساعات مع التوقف لتناول الطعام وغمس القدمين في مياه نبع ساخن على الطريق الواصل بين المدينتين.
على الطريق نفسه، يقع وات رونغ خون، أو المعبد الأبيض، الذي صممه الفنان التايلاندي د.تشيلمشاي كوسيتبيبات، واستمر في بنائه حتى الآن عام 1997.
وشيان راي تقع في أقصى شمال تايلاند، تحدها محافظات فاياو ولامبانغ وشيان ماي.
يبلغ عدد سكانها 200 ألف نسمة وهي مركز تجاري رئيسي يقدم خدماته لمنطقة «المثلث الذهبي» التي تتألف من تايلاند وميانمار ولاوس.
في المدينة تقع أقصى نقطة في شمال تايلاند على الحدود مع ميانمار.
والفاصل بين الدولتين عند هذه النقطة نهر صغير تعلوه بوابة حدودية يعبرها سكانهما في الاتجاهين بحرية، ويمكن ذلك للسياح أيضاً مقابل دفع ما يوازي عشرة دولارات في تايلاند، ومثلها في ميانمار.
كما يمكن رؤية دولة لاوس من هذه المدينة، فالفاصل بينهما نهر ميكونغ الذي يمكن عبوره بغير تأشيرة في قارب من تايلاند إلى جزيرة تتبع لاوس يلخصها سوق للبضائع الصينية.
الفندق الأهم في شيان راي هو «أنانتارا جولدن تريانجل»، أو «أنانتارا المثلث الذهبي».
و«المثلث الذهبي» هو الوصف الشائع لمناطق التقاء حدود تايلاند وميانمار ولاوس، وضلعه من الجانب التايلاندي هي مدينة شيان راي.
لا يخلو الفندق/‏ المنتجع كغيره من جمال الطبيعة، فالخضرة تلفه من كل اتجاه حتى تكاد تخفيه وتفصله عن نهر ميكونغ.
وفي رحاب هذه الخضرة تحضر الفيلة ثانية، لكن بشكل آخر يمثل تجربة ثرية لكل سائح.
يحتضن الفندق 21 فيلاً 6 منها ملكه والبقية لسكان يعيشون معها في الفندق بعائلاتهم وهو يتكفل بنفقات كل ما يلزمهم من المأوى والملبس والمأكل إلى الصحة والتعليم.
بوسع المقيم في الفندق أن يحجز مسبقاً موعداً لجولة مع الفيلة تبدأ من حظائرها في الصباح، وتمتد بين الأشجار في كل أرجائه وتنتهي في الاستقبال، حيث يتوسط كل فيل مجموعة من السياح لالتقاط الصور التذكارية.
الجولة يقودها مدربو الفيلة، وكل منهم يسمى «ماهوت»، ولا تتقيد بزمن، فهي هنا تمشي على راحتها وتقف وتتحرك وقتما تشاء ومن خلفها يمشي السياح. وبعض السياح يفضلون ركوب الفيلة خلال الجولة.

أم كلثوم تصدح في «السوق الليلي»

من أهم معالم مدينة شيان ماي «السوق الليلي»، وهو يمتد لنحو 700 متر في أحد شوارع المدينة بجوار فندق «الميريديان».
وعلى جانبي السوق تمتد «بسطات» صغيرة تبيع كل شيء، بدءاً من أطباق الفاكهة التايلندية، مروراً بالملابس والمنتجات الجلدية والإكسسوارات.
المفاجأة أن المار بالسوق يسمع في وسطه تقريباً صوت أم كلثوم منبعثاً من أحد المحال. وعندما يتتبع الصوت يصل إلى شاشة صغيرة تعرض قائمة مطعم عربي يملكه عراقي وفي خلفيتها تغني أم كلثوم فتبعث في العرب الحنين.
وليست أم كلثوم وحدها التي تبعث البهجة في «السوق الليلي»، ففي بعض مواقع الشارع وعند نقاط التقائه مع شوارع أخرى، تجد فرقاً شبابية تقدم كل أنواع الموسيقى.

الازدهار الخماسي

كل المقومات التي تزخر بها المنطقة الشمالية من تايلند تراهن عليها الجهات المعنية بالسياحة في المملكة لخلق مقاصد جديدة لنوع خاص من السياح.
لذلك، اختارت الحكومة التايلندية عقد سوق السياحة التايلندي في شيان ماي، بدءاً من هذا العام ولمدة 3 أعوام مقبلة.
السوق الذي أقيم بين 8 و 12 الجاري في مركز شيان ماي الدولي للمعارض والمؤتمرات، استهدف ابتداء الترويج للمنطقة الشمالية من تايلند بين سياح العالم، لكنه أيضاً أراد أن يجعل من هذه المنطقة معبراً إلى علاقة قوية في كل المجالات بين المملكة الآسيوية وجيرانها: كمبوديا، ولاوس، وميانمار، وفيتنام.
أتاح المعرض لكل واحدة من الدول الخمس أن تبرز مقوماتها السياحية منفردة، لكنه لم يغفل قيمة العمل الجماعي.

السياحة الرياضية

السياحة الرياضية، أو الرياضة السياحية أحد رهانات تايلاند في المرحلة المقبلة، فهي تستعد لأن تكون إحدى أفضل الوجهات في هذا المجال آسيوياً، وذلك عبر إطلاق العديد من المشاريع والمنشآت الرياضية ذات المعايير العالمية التي تضاف إلى خبرتها في هذا الميدان وسمعتها في استضافة وتنظيم الفعاليات والبطولات الرياضية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
هذا التوجه كشفت عنه كوبكارن واتانافرانجكول، وزيرة الرياضة والسياحة التايلاندية خلال سوق السياحة التايلاندي.
وقالت: إن تايلاند تدخل عصر الرياضة السياحية من أوسع أبوابه، وندعو العالم إلى التمتع بالفرص العديدة المتوفرة على أرض المملكة، والتي تلبي متطلبات السياح الرياضيين سواء الهواة منهم أو المحترفين. وأشارت إلى أن الرياضة تلعب دوراً حيوياً في منح الناس تجربة جديدة في تايلاند بما تقدمه من ألعاب الغولف وكرة القدم، مع الأخذ بعين الاعتبار رياضة ركوب الدراجات الهوائية وسباقات الجري وخوض المنافسات مع الشعب التايلاندي في عدة رياضات.
وأشارت إلى أن حكومة المملكة، وهيئتي الرياضة وتايلاند السياحة تعمل على مساعدة الزوار على اكتشاف مزيد من المرافق التي تستضيف الأنشطة الرياضية المتضمنة 5000 من حلقات الملاكمة و50 نادياً للغولف مع شبكة من ممرات الدراجات الهوائية في المناطق الحضرية والريفية المنتشرة في جميع أرجاء تايلاند.
واحتضنت تايلاند عدة بطولات رياضية دولية مثل بطولة العالم لرفع الأثقال في عامي 1997و 2007، فضلاً عن مسابقة الألعاب الآسيوية الشاطئية في 2014، وبطولة آسيا للدراجات 2015 وبطولة العالم لجولات السيارات 2015 الذي عقد في حلبة تشانغ الدولية في محافظة بوري رام. وتقام كذلك فعاليات القوارب الشعبية السنوية (كينغ ريجاتا) في جزيرة بوكيت.