الشارقة : أحمد البيرق

تحدث صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، عبر حوار تلفزيوني، عرض ظهر يوم أمس، على شاشة الشارقة الفضائية، عن «الحرف العربي»، وبيّن كيفية وصوله إلى الجزيرة العربية، ومن جاء به؟ ومن أين أتى؟
يأتي هذا الحوار الذي أداره الإعلامي محمد حسن خلف، مدير إذاعة وتلفزيون الشارقة، استكمالاً لمحاضرة صاحب السموّ حاكم الشارقة، خلال لقائه الأخير بالإعلاميين الذي نظمه مركز الشارقة الإعلامي، ضمن مجلسه الرمضاني، وجاءت بعنوان «من هم العرب؟»، وبيّن سموّه من خلالها تاريخ العرب وتفاصيل الجنس العربي واللغة العربية، وقدم فيها معنى كلمة عرب.
وحرصاً من سموّه، النابع من روح الباحث المؤرخ يأتي هذا الحوار ليوثق جزئية مهمة من تلك المحاضرة متمثلة في معرفة «الحرف العربي».
وأوضح صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، في مستهل حديثه، أن الحرف العربي المستخدم في كتابتنا اليوم، طرحت حياله كثير من النظريات التي تحدثت عن أصوله ومصادره التي كوّنته.
وقال سموّه «وفقاً لنظرية التوقيف، هناك من يقول إن الحرف العربي قد أنزله الله سبحانه وتعالى، ويستدلون على ذلك من قوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها...} (البقرة،31)، ويدّعون أن الحرف العربي من بين تلك الأسماء التي تحدى الله عز وجل بها الملائكة بتعليم آدم إيّاها، وهذا أمر لا يعقل، لأنه جل في علاه، لو أراد ذلك لوضحه وبينه، فكانت هذه النظرية بعيدة كل البعد عن الواقع».
وفيها يقول سموّه «الحرف المسند، أي الحرف المدعوم، وله آفاق كثيرة وكان موجوداً في مكة، لذلك وقبل وصول حرف الجزم - الذي سنتحدث عنه بالتفصيل لاحقاً - كانت أوثان قريش قد خط عليها بحرف المسند. وقد نشر ابن النديم، هذا الادعاء في أول الأمر، وتبناه من بعده آخرون، وكان ذلك في زمن المأمون في العصر العباسي، وتبع ابن النديم فيها كتّاب آخرون كابن خلدون، وفي العصر الحديث شكيب أرسلان واليازجي، ولم يكن لهم اطلاع على الحروف، بل هم مفكرون».
وبيّن سموّه، أن النظرية الحيرية تعود إلى منطقة الحيرة العراقية، ذات الصيت والنفوذ في زمن حكم المناذرة، حيث كانت عاصمتهم وانتشر فيها الاهتمام بالمعرفة والأدب، وكان فيها المنذر بن ماء السماء الذي استأثر بفحول الشعر العربي، قبل الإسلام، من أصحاب المعلقات كلبيد بن ربيعة والنابغة الذبياني.
والذين يقولون بهذه النظرية، يرون أنه قريب من حرف النبط الذي كان من إبداع مملكة الأنباط، وهذا الشبه بين الحيري والنبطي يعود إلى أن الملوك في الحيرة كانوا مناذرة، أما الشعب فقد كانوا نساطرة، وتعني السريان وكتاباتهم آتية من الآرامية، والنبطية من الآرامية، لذلك نجد الكتابة متقاربة ومشتركة؛ وقد أهملت تلك النظرية.
ولربط المواضيع ببعضها بعضاً، استرجع صاحب السموّ حاكم الشارقة، بعض المعلومات التي ذكرها سابقاً في محاضرة «من هم العرب؟»، حيث قال «ذكرت في تلك المحاضرة أن الحرف كان عند الآراميين وهم أصحاب ثقافة وتجارة ومراسلات، وطوروا الحرف عندهم، وتكون أول حرف لديهم، فلما جاورهم الأنباط أخذوه منهم، وربما أجروا تعديلاً طفيفاً عليه، ولكن كيف جاء ذلك الحرف النبطي إلى الجزيرة العربية؟ ومن أتى به؟ وكثير من الباحثين والمهتمين يغفلون ذلك، أو لا يتطرقون إليه، وأكد سموّه أن النظرية النبطية بحثها الناس في هذا الظرف لإجراء المقارنات، ولديهم الكتابات التي تبين مدى قربها لما هو مستخدم اليوم في كتابة الحروف العربية، وتبين كذلك العلاقة بين الحرف المسند والحرف النبطي».
واستعرض صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، جدولاً لتبيان ثلاثة أنواع من الحروف يوضح أشكالها، والطريقة التي كان يكتب بها وهي:
النبطي. والعربي الجزم. والمسند، وله فروع:

الصفوي، وهو المكتشف في حرة الصفا الواقعة إلى جنوب شرقي دمشق.
                                                           الثمودي، وهو الظاهر في مدائن صالح على خط شمال الجزيرة العربية.
اللحياني، أو الديداني، نسبة إلى مملكة بالقرب من مدائن صالح.
                                                           المتصل، ويتميز بأن بعض حروفه متصلة ببعضها بعضاً.

وقال سموّه: هناك نوع آخر للمسند، وهو الزبور أو الحميري نسبة إلى ملكة حمير في حضرموت، إلا أن معظم حروفه غير متوافرة ولم تجمع بعد، وقد وجد في نجران بمنطقة عسير، وكذلك وجد في منطقة مليحة بالشارقة حيث كتب على شواهد القبور في مدافن أثرية تعدّ من أهم الاكتشافات. كما أنه وجد في عدد من أودية اليمن.
ومن خلال جدول أشكال الحروف الذي عرضه سموّه، يذكر سموّه أنه ومن خلال ملاحظة تلك الأشكال نرى أنه لا يوجد أي تشابه في الشكل بين الحرف المسند بكل فروعه، والحرف العربي الجزم، بينما نرى وبشكل واضح أن هناك تقارباً وتشابهاً كبيرين، بين النبطي والعربي الجزم من حيث الشكل والرسم.
بشر بن عبد الملك الكندي وحرف الجزم
وأضاف سموّه «بعد هذا التوضيح نعود مجدداً لنجيب عن التساؤل الذي طرحناه: من أتى بحرف الجزم القريب في شكله من النبطي إلى جزيرة العرب؟ يقال إن من جاء به يدعى بشر بن عبد الملك الكندي، وهو أول من جلب حرف الجزم إلى مكة، وهو شقيق «الأكيدر»، أحد قادة مدينة دومة الجندل، وكانت عاصمة مملكة كندة، بين القرنين السادس والسابع الميلاديين، أي قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بنحو 100 عام».
وأشار سموّه إلى أنهم في مكة ربطوا بين أشكال حرف الجزم، بعد أن جاءتهم، وقال إن هذه الأمر لا بدّ له من دليل، نستدل من خلاله على مدى صحته، وكيف أن الحرف الجديد «الجزم» أزاح الحرف السابق والمتداول «المسند» بكل أشكاله.
وأورد سموّه، ما يعزز هذا الكلام، حيث ذكر أبياتاً لشاعر يقال إنه من مكة، ومن دومة الجندل، وقدم شرحاً لها:

لا تَجْحَدوا نَعْماءَ بِشْرٍ عليكُــــــــــــمُ
                                        فقد كان مَيمونَ النقيبةِ أزهَــــــــــــرا
أتاكمْ بخطّ الجزمِ حتى حفظتــــــــمُو
                                        من المالِ ما قدْ كانَ شتى مُبَعثـَــــــرا
فأجريتمُ الأقلامَ عَوداً وبــَــــــــــــدْأةً
                                        وضاهَيْتمُوا كتّابَ كِسرى وقَيْصَـــــرا
وأغْنَيْتمُو عن مُسْنَدِ الحَيِّ حِمْيَـــــــرٍ
                                        وما زَبَرَتْ في الصُّحفِ أقيالُ حِمْيرا

وقال سموّه إن الشاعر هنا يمجد بشراً كونه من جاء بحرف الجزم لمكة وما جاورها من مناطق، فأصبحتم تكتبون بهذا الخط الذي جاءكم به، وتفوقتم على غيركم من الفرس والروم، واستغنيتم عن حرف المسند الحميري المستخدم في كتابة كتب ملوك حمير ومراسلاتهم.
وهنا يكون الأمر واضحاً وجلياً، ويثبت أن الحرف العربي الجزم مستنبط من الحرف النبطي وقريب منه في الشكل، وكان أتي به من الشمال، حيث بقايا الأنباط الموجودين في تلك المنطقة بعد أن هجم عليهم الرومان، ولم يستكينوا رغم ذلك الهجوم، بل طوروا الحرف وغيروا فيه؛ وما بشر الكندي إلا ناقل للحرف، ولم يكن مبتدعاً له، وقد أتى به في بداية القرن السادس الميلادي.
وقال سموّه إن العرب عند استخدامهم لهذا الحرف، ربطوا بعض أشكاله ببعضها، إما بما يسبقها، وإما بما يلحقها، وتركوا بعضها من دون ربط، والحرف العربي الجزم هو الذي دونت به المعلقات وحفظت في بادئ أمرها، وهو الحرف ذاته الذي كتب به القرآن الكريم في فترة صدر الإسلام، وجميع الكتب التي أنتجت في تلك الفترة، إلى جانب مخاطبات الرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلم، ومراسلاته إلى الملوك.
واختتم سموه، حديثه بقوله: أما التنقيط والشَّكلُ، فجاءا متأخرين عن تلك الفترة، مؤكداً أن ما قدمه اليوم، أو خلال محاضرة «من هم العرب؟» ليس إلا جزءاً بسيطاً من بحث كبير يقوم به سموّه، موثق بالمراجع التاريخية والمتخصصة، ويحوي معلومات كثيرة وشاملة.