لم تعد قصيدة البردة للبوصيري منذ أن كتبها صاحبها مجرد قصيدة بديعة في المدح، لقد اتخذت لدى الكثير من المجتمعات الإسلامية أبعاداً أخرى، وأصبحت موضعاً للإنشاد في ليالي الجمع والموالد والمناسبات الدينية المختلفة.
البردة هي قصيدة في مدح الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم، ألفها الشاعر محمد بن سعيد البوصيري 608 - 696 ه، وسماها «الكواكب الدرية في مدح خير البرية»، لكن اسم البردة غلب عليها، بسبب الحكاية التي رويت عن البوصيري، والتي تقول، إنه لما أنشأها رأى الرسول، صلى الله عليه وسلم، في المنام يلقي عليه بردة، ورغم أن البردة أيضاً اسم لقصيدة كعب بن زهير «بانت سعاد» التي اعتذر بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدحه فيها عندما جاءه مسلماً، فإن بردة البوصيري ذهبت بالاسم نظراً لانتشارها لدى الخاصة والعامة، وكثرة ترديدها على الألسن، كما اشتهرت للبوصيري أيضاً قصيدة «الهمزية» (كيف ترقى رقيك الأنبياء)، ولقب بمادح الرسول.

تميزت البردة بقوة السبك وجمال النظم وحسن التصوير، ورغم طولها «160 بيتاً» فإنها لم تفقد وجهها التصويري، وحرارة الدفقة الشعورية فيها، كما تميزت بأنها أول قصيدة تقدم ملامح سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشكل شامل، وتغوص في معاني تلك السيرة، وتخللها من الحكم الباهرة الشيء الكثير، وقد بدأها بالغزل والشكوى على عادة شعراء زمانه، ثم انتقل إلى الموعظة بالتحذير من هوى النفس، ثم انتقل إلى سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فجاء على مولده ومعجزاته، والقرآن الذي بعث به، ومعراجه وجهاده، وختم بمناجاة الله - سبحانه وتعالى - ودعائه.

البوصيري شاعر تصويري من طراز أول، وقد سار الكثير من أبيات قصيدته على الألسن بحسن صورها، وحكمتها، ومنها قوله:

فكيف تنكر حبّاً بعد ما شهدت

به عليك عدول الدمع والسقم

فالشاعر يشخص الدمع والمرض عندما يجعل منها عدولاً تشهد على ما به من حب، وفي الطباق بين «تنكر» و«تشهد» أيضاً توتر معنوي جميل، ومثل هذا أيضاً تشبيه النفس بالطفل، والمقابلة الإيقاعية والدلالية بين جملتي الشرط في قوله:

والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على

حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

هذه الخصائص التصويرية والبديعة والإيقاعية أكثر من أن تحصى، وهي مبثوثة في ثنايا القصيدة، وهي التي ضمنت لهذا القصيدة الرواج والبقاء، فرغم أنه في تاريخ الشعر العربي يمكن عد آلاف القصائد التي مدح بها الرسول، صلى الله عليه وسلم، فإن أغلبها اندثر، والكثير من الباقي لم يصل إلى ما وصلت إليه بردة البوصيري، بسبب عدم امتلاك أصحابه للقدرات الشعرية التي تميز بها، ومن نافلة القول أن موضوع سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، هو موضوع جاذب لكل من يؤمن به ويحبه، وقد حصر البوصيري في قصيدته من صفاته - صلى الله عليه وسلم - ما لم يسبق له، وتفنن فيها تفنن المحب الفاني في محبوبه، يقول:

أكرم بخلق نبي زانه خلق

بالحسن مشتمل بالبشر متسم

كالزهر في ترف والبدر في شرف

والبحر في كرم والدهر في همم

كأنه وهو فرد من جلالته

في عسكر حين تلقاه، وفي حشم

كأنما اللؤلؤ المكنون في صدف

من معدني منطق منه ومبتسم

لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه

طوبى لمنتشق منه وملتثم

أصبحت قصيدة البردة موضعاً للمجاراة الشعرية من طرف العديد من الشعراء، ومن أشهر القصائد التي جارتها ووصلت إلى مقامها في الحسن والجمال قصيدة «نهج البردة» لأمير الشعراء أحمد شوقي، كما عني بها الشراح فألفت عشرات الكتب في شرحها.

محمد ولد محمد سالم