يكتب ابن حجة الحموي عن فن «الكان وكان» في كتابه «بلوغ الأمل في فن الزجل» قائلاً: «وله وزن واحد وقافية واحدة، ولكن الشطر الأول من البيت أطول من الشطر الثاني، ولا تكون قافيته إلا مردوفة قبل حرف الروي بأحد حروف العلة، ومخترعوه البغداديون، ثم تداوله الناس في البلاد. وسمي بذلك لأنه أول ما اخترعوه لم ينظموا فيه غير الحكايات والخرافات والمنصوبات، فكان قائله يحكي ما كان وكان، إلى أن كثر واتسع طريق النظم فيه، فنظموا فيه المواعظ والرقايق والزهديات»، عاش ابن حجة الحموي في العصر المملوكي، حيث انتعشت فنون شعرية جديدة، ركز في كتابه آنف الذكر عليها، ونشأت فنون أخرى لعل أبرزها ما يعرف بالبديعيات، وهي قصائد طويلة في المديح النبوي.
اختلف الباحثون في أول من ابتكرها، هل هو ابن جابر الأندلسي أم صفي الدين الحلي؟ ولكن الثابت أن الجميع تأثروا ببردة البوصيري، وعلى درب كل هؤلاء سار ابن حجة الحموي في نظم بديعيته وجعلها في 145 بيتاً التزم فيها بحر البسيط ورويّ الميم المكسورة، والأهم أنه شرحها في كتاب شهير في تراثنا بعنوان «خزانة الأدب وغاية الأرب»، يقع في تسعمئة وستين صفحة، يتكون كتاب ابن حجة الحموي من 145 فصلاً، يشرح في كل فصل أحد أبيات القصيدة، ليتحول في النهاية من كتاب ألفه صاحبه ليشرح فيه قصيدة إلى كتاب مهم في فنون الأدب والشعر.
ولد أبو بكر تقي الدين محمد بن علي بن عبدالله الحموي في مدينة حماة في عام 767ه ، اشتغل في بداية حياته بالحرير وعقد الأزرار، فلقب أحياناً بالأزراري، تنقل في دراسة الأدب بين حماة والموصل ودمشق والقاهرة، والتقى في المدينة الأخيرة الوزير فخرالدين بن مكانس وصادقه ومدحه بقصيدة، والتقى أيضاً ابن خلدون، ومدحه بقصيدة أخرى.
ويبدو أن حياته كانت صاخبة خاصة في أولئك الأعلام الذين تقرب منهم، حيث احتكم إلى ابن حجر العسقلاني في ثلاث قصائد تائية، الأولى لابن نباتة المصري يقول في مطلعها: «قضى وما قضيت منكم لبانات/ متيم عبثت فيه الصبابات»، والثانية لبرهان الدين القيراطي، ومطلعها: «ما لابتداء صباباتي نهايات/ يا غاية ما لعشقي فيه غايات»، والثالثة لابن حجة يعارضهما معاً، ومطلعها: «لعجبه ولذيل الهجر شمرات/ وللقلوب من الأجفان كسرات»، فحكم ابن حجر للحموي بالتفوق على صاحبيه، أيضاً تعرف ابن حجة إلى الدماميني وأرسل إليه رسالة نثرية سماها الحموي «الرسالة البحرية» صور فيها هروبه إلى مصر عبر طرابلس فراراً من أهوال شهدتها بلاد الشام في عام 802 ه في تمرد أهلي ضد حكم السلطان.
وفي عام 815 ه آلت الأمور في مصر وبلاد الشام إلى الملك المؤيد الظاهري، والذي عين ناصر الدين البارزي رئيساً لديوان الإنشاء، فاستقدم هذا الأخير صديقه ابن حجة الحموي للعمل في الديوان، وظل الحموي في عمله الجديد الذي أتاح له الشهرة والراحة المادية والكتابة والتأليف حتى وفاة البارزي، ثم الملك المؤيد، فساءت أحوال ابن حجة وهجاه كثير من منافسيه، فاضطر إلى أن يعود إلى حماة وظل فيها حتى وفاته في عام 837ه.
اهتم ابن حجة في مؤلفاته بأدب وشعر عصره، ففي كتابه «بلوغ الأمل في فن الزجل»، يقدم شروحاً وافية ل «الزجل» و«المواليا» و«الكان وكان»، ويقول شارحاً فن «القوما»: «وله وزنان: الأول منهما، بيته مركب من أربعة أقفال، منها ثلاثة متساوية في الوزن والقافية، والآخر هو الثالث أطول منها وهو مهمل بغير قافية، والوزن الثاني منها بيته مركب من ثلاثة أقفال مختلفة الوزن متفقة القافية، يكون القفل الأول منها أقصر من الثاني، والثاني أقصر من الثالث،ومخترعوه البغداديون أيضاً في دولة الخلفاء من بني العباس برسم السحور في شهر رمضان المعظم، واشتقاق اسمه من قول المغنين للسحر كل بيت منه بعد غناء الرمل والجزل: قوما للسحور، ينبهون به رب المنزل، فأطلقوا عليه هذا الاسم وصار علماً له، ثم لما شاع وكثر فيه التصنيف نظموا فيه الغزل والزهد، وقيل إن أول من اخترعه ابن نقطة برسم الخليفة الناصر، والصحيح أنه مخترع من قبله، وكان الناصر يطرب له».
وخصص ابن حجة كتاباً كاملاً للحكايات المنتخبة، أو المختارات الأدبية أو الملخصات عنونه ب «ثمرات الأوراق في المحاضرات»، تتنقل معه في كتابه بين قصص معن بن زائدة، وعدي بن حاتم، ويحيى بن أكثم الصيفي، وتتجول في كتابه بين ذكاء متطفل، وذكاء متلصص وذكاء حيوان، ووصف مسهب لعيون المها وحكاية عن المهدي والقاضي شريك، وأخرى عن الحمقى وثالثة عن الرشيد.. إلخ.
عُرف ابن حجة كذلك بشعر المديح، النبوي والعام، وله في النوع الثاني عدة قصائد منها واحدة في البارزي يقول فيها: «أقلامك السمر الرشاق إذا انثنت/ أبدت لنا سحراً حلالاً طيباً. وسرى نسيم الذوق في قصباتها/ فغدا بها بين الأنام مشببا»، أولع كذلك بشعر الألغاز، يقول: «أي شيء من الجمادات يلغى/ وتراه من بعد ذا حيواناً. وتراه عند الملوك عظيماً/ وبتصحيفه حقيراً مهانا. عكسه في تصحيفه زذ بنقص/ والمعمي هنا فكن يقظانا. وبتحريفه تؤدب من شئت/ إذا كان يجهل العرفانا. فافترسه إن كنت في الحل ليثاً/ فهو لغز عن حله قد أبانا».
تحليلات مستفيضة
اشتهر ابن حجة بقصيدته البديعية في المديح النبوي مطلعها:«لي في ابتداء مدحكم يا عرب ذي سلم/ براعة تستهل الدمع في العلم»، حاكى فيها بردة البوصيري الشهيرة، وجرى في كل بيت منها على وجه من أوجه البديع، ووضع لها شرحاً مطولاً سماه «تقديم أبي بكر»، ثم أطلق عليه في ما بعد «خزانة الأدب وغاية الأرب»، ويحكي ابن حجة في مقدمة كتابه تحريض البارزي له على تأليف القصيدة يتفوق فيها على قصيدتي الموصلي والحلي، بل لقد راجع البارزي ما كتبه ابن حجة وجعله يهذبه ويبسطه، يقول الحموي: «فصرت أشيد البيت فيرسم لي بهدمه، يقصد البارزي، ويقول بيت الصفي أصفى مورداً وأنور اقتباساً، فأسن كل ما حدّه الفكر، وأراجعه ببيت له على المناظرة طاقة، فيحكم لي بالسبق وينقلني إلى غيره، وقد صار لي فكرة إلى الغايات سباقة، فجاءت بديعية هدمت ما نحته الموصلي، في بيوته من الجبال».
يبدأ الفصل الأول من كتابه «خزانة الأدب» تحت اسم «في حسن الابتداء وبراعة الاستهلال»، ثم يورد البيت الأول من قصيدته، وبعد ذلك يأخذك في صفحات طويلة ليشرح لك حسن الابتداء عند المتقدمين، ولا يكتفي ببراعة الاستهلال في الشعر فقط بل يتجول بين أعلام النثر العربي، ويأتي الفصل الثاني تحت عنوان «الجناس» ويضع له عنواناً فرعياً «ذكر الجناس المركب والمطلق»، ثم يورد البيت الثاني من قصيدته ويقول فيه «بالله سر بي فسربي طلقوا وطني/ وركّبوا في ضلوعي مطلق السقم»، ويبحر في أقوال علماء البلاغة واللغة في ما يتعلق بالجناس، وفي الفصل الثالث «ذكر الاستطراد» يورد البيت التالي من قصيدته «واستطردوا خيل صبري عنهم فكبت/ وقصرت كليالينا بوصلهم»، ويمتعك مثلاً وهو يكتب عن الاستطراد قائلاً: «الاستطراد في اللغة، مصدر استطرد الفارس من قرنه في الحرب، وذلك أن يفر من بين يديه يوهمه الانهزام، ثم يعطف عليه على غرة منه، وهو ضرب من المكيدة، وفي الاصطلاح، أن تكون في غرض من أغراض الشعر توهم أنك مستمر فيه، ثم تخرج منه إلى غيره، لمناسبة بينهما، ولا بد من التصريح باسم المستطرد به، بشرط أن لا يكون قد تقدم له ذكر، ثم ترجع إلى الأول وتقطع الكلام، فيكون المستطرد به آخر كلامك».
ويكتب تحت عنوان «ذكر التكميل» بعد أن يورد بيته: «التكميل: هو أن يأتي المتكلم أو الشاعر بمعنى تام، من مدح، أو ذم، أو وصف أو غيره من الأغراض الشعرية وفنونها، ثم يرى الاقتصار على الوصف بذلك المعنى فقط غير كامل، فيأتي بمعنى آخر يزيده تكميلاً، كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة، ثم رأى الاقتصار عليها دون مدحه بالكرم غير كامل فيكمله بذكر الكرم أو البأس»، ويستمر الحموي على هذا النحو حتى الفصل /البيت 145 ويقول فيه «حسن ابتدائي به أرجو التخلص من/ نار الجحيم وهذا حسن مختتمي»، ويأتي الفصل الأخير تحت عنوان «ذكر حسن الختام».
موسوعية لافتة
على مدار صفحات الحموي تطالعنا مئات النماذج الشعرية التي يستشهد بها، إضافة إلى الزجل والدوبيت والمواليا، ونقرأ لمعظم أعلام الشعر العربي واللغويين وأرباب البلاغة، وربما يستشهد ببيت أو أكثر ليدعم وجهة نظرة وفي أحيان أخرى يورد القصيدة بأكملها، وفي كتابه 300 بيت للمتنبي على سبيل المثال، حتى تحول كتابه من شرح لقصيدة إلى كتاب في فن الشعر أو كتاب في فن البديع، يقول الحموي عن شرف القصيدة البديعية في مديح النبي الكريم والكتابة حولها: «هذا المصنف المبارك، أعني البديعية وشرحها، إذا ملكه متأدب شرفت نفسه عن النظر في غيره من تذاكر الآداب، فإني ما تركت نوعاً من أنواع البديع إلا أطلقت عنان القلم في ميادين الطروس، مستطرداً إلى استيعاب ما وقع من جيده ورديئه، ونصبت فيه البحث بين المصرين والمجيدين».
في تحقيقه لكتاب الحموي يذهب الدكتور صلاح الدين الهواري، أنه برغم ما قام به الحموي من جهد في تأليف بديعيته، إلا أنها أقل مكانة من بردة البوصيري، فالأخيرة أكثر متانة في التركيب والنفس الشعري، حيث قيل إن البوصيري نظم قصيدته في مدح النبي الكريم وجداناً وتقوى، بينما اتخذ الحموي مدح الرسول صلى الله عليه وسلم موضوعاً يؤلف حوله مقالة في علم البديع شعراً، أيضاً هناك فارق بين الرجلين فبينما تميز البوصيري بالنزعة الصوفية، عُرف عن الحموي بالتقرب من ذوي النفوذ والارتزاق من بعض القصائد بعد هجره حرفة الحرير.
وعلى أي حال لا يمكن إنكار جهد الحموي، ذلك الرجل الذي عاش بين منتصف القرن الثامن ومنتصف القرن التاسع الهجريين، في عصر وصف كثيراً بالانحطاط في كل العلوم والآداب، وعلى رأسها الشعر والبلاغة، ولكن من يطالع كتابه «خزانة الأدب» يدرك أن تلك الأحكام والمسلمات التي نرددها كثيراً في حاجة إلى المراجعة.