مارلين سلوم

في عالم السينما الواسع، طبيعي أن تتنقل بين مختلف الأماكن، وتحلّق في أرجاء الكون، وتلامس كل ما هو أبعد من خيالك. طبيعي أن تجد نفسك وسط الأدغال مرتين خلال هذا العام، مرة مع فيلم «كتاب الأدغال»، ومرة أخرى مع «أسطورة طرزان» الفيلم الذي تعيد إنتاجه السينما الأمريكية لتحيي الأسطورة التي كتبها ونشرها لأول مرة إدغار رايس بوروز عام 1912 في مجلة وأصدرها في كتاب عام 1914.
بين الأسطورتين التشابه كبير، ففي «كتاب الأدغال» طفل رمته الأقدار في أحضان الغابة ليصبح ابنها، وتربيه الذئبة مع صغارها، ومثله طرزان الذي نعرفه جميعاً طفل يتيم مرضت أمه أثناء وجودها مع زوجها وسط الغابة الإفريقية فماتت، بينما قتل زعيم القرود والده ليبقى الرضيع وحيداً، وقد احتضنته القردة كالا. أما الفرق بين «موغلي» و«طرزان»، فهو أن الأول بقي في كل الأفلام طفلاً صغيراً، بينما الثاني عرفناه رجلاً قوياً، يجمع بين الإنسان شكلاً والحيوان سلوكاً. هو بطل خارق، يحمي الغابة ممن يريد أن يؤذي جمالها أو حيواناتها. ومع تطور السينما الأمريكية، صار الفرق أكبر بين «موغلي» و«طرزان»، حيث خرج ابن الغابة منها ليعود إلى أصوله البريطانية، ويعيش عيشة الطبقة الأرستقراطية، ويخلع عنه لقب طرزان مكتفياً باسمه الحقيقي «جون كلايتون الثالث»، مرتدياً الثياب الفاخرة، ساكناً قصره ومعه حبيبته وزوجته جاين بورتر التي التقاها لأول مرة في الأدغال الإفريقية، وكانت هي ووالدها السبب في اكتشاف أصول جون، أو طرزان وإعادته إلى بيئته الحقيقية.
من هنا يبدأ فيلم «أسطورة طرزان»، من قلب الغابة تنطلق الأحداث، لكنها هذه المرة بلا ابنها الوفي طرزان الذي غادرها ليعيش في قصره في لندن مع زوجته. المشهد الأول يحكي لنا عن نوايا سياسية وأطماع الاستعمار في تقسيم الكونغو، وسرقة الألماس من أرضها، وإحكام السيطرة عسكرياً عليها، من قبل ملك بلجيكا ليوبولد الذي يعاني أزمة اقتصادية لن يعرف التخلص منها إلا من خلال إرسال جيشه إلى الكونغو لاستعمارها ونهب كل الخيرات منها.
هذه المهمة الصعبة توكل إلى ليون روم ويؤدي دوره ببراعة كريستوف وولتز. روم يتوجه إلى الكونغو حالماً بالحصول على الألماس بعد معركة بسيطة مع القبائل، ليفاجأ بهجوم لم ينج منه سواه. زعيم القبيلة موبنغا (دجيمون هونسو) يوافق على تسليم الألماس لروم مقابل تسليمه «طرزان» شخصياً. ولأن الشرط يناسب جداً مطامع ليون روم، يوافق على الفور ويقنع الملك بإرسال دعوة إلى جون كلايتون الثالث للقيام برحلة بحرية لزيارة الأرض التي يحن إليها «الكونغو» الإفريقية.
يرفض جون الدعوة لكن مساعده الدكتور جورج واشنطن ويليامز (صامويل إل جاكسون) يقنعه بالموافقة لأن هذا الأخير يشك في نوايا البلجيكيين، وبأن الملك يتخذ من أبناء إفريقيا وتلك المناطق الفقيرة عبيداً يسخرهم لخدمته. ذلك التحليل يزرع الشك في نفس جون فيوافق على الفور، لكنه يتجه إلى الكونغو بطريقته الخاصة، من دون أن يتخلى عن ملابسه الأرستقراطية، رافضاً أن يخلع عنه اسمه الحقيقي، على حساب لقبه «طرزان».
ولأن جون كلايتون أرستقراطي، فلا بد أن يكون ذهبي الشعر، يحمل كل وسامة الغرب في ملامحه. ولتكتمل أسطورة الغرب، لا بد أن يأتي البطل لينقذ القبائل الإفريقية وكل أبنائها «السود» من مكائد الاستعماريين، ويحمي الأدغال والكونغو الإفريقية من نهب ثرواتها وكنوزها من طبيعة وأراضي وألماس. هذه «النعرة» الهوليوودية استفزت كثيرين فشنوا حملاتهم ضد الفيلم، رافضين التمييز العنصري، ويمكن القول إنها النقطة السوداء في «أسطورة طرزان»، ولكنها نقطة لا يمكنها أن تحجب عن العمل نصيبه من الإشادة، ولا تعيق نجاحه وإقبال الجمهور عليه.
فلنضع مسألة اللون جانباً، والرغبة الأمريكية المستميتة في جعل الأبطال الخارقين من البيض، فإن الممثل ألكسندر سكارسغارد هو الرجل المناسب لأداء دور طرزان في هذا الفيلم. بنيته الجسدية وطوله الفارع، إضافة إلى إجادته التمثيل الصامت مكتفياً بالتعبير بملامح وجهه أكثر من الكلام. وإذا شئت، يمكنك عد الكلمات التي ينطق بها جون طوال الفيلم لأنها قليلة، بينما التركيز كان على قدراته الجسدية في الجري والقفز والتحليق والتنقل مثل «القرود» من شجرة إلى أخرى ومن شجرة إلى قطار.
طبعاً التقنيات الحديثة تجعل من الاستوديو غابة مملوءة بالقرود والحيوانات المفترسة، وتجعل الممثل يحلق ويتسلق أشجاراً عملاقة، ويقفز من أعلى صخرة إلى قاع الوادي من دون أن يصاب بأذى، ويستطيع صامويل إل جاكسون بفضل تلك التقنيات أن يجاري طرزان ويقفز مثله من دون أن ينكسر له أي ضلع، ويمشي مثله على أفرع وجذوع الشجر، كأنه مولود أصلاً في الغابة.
كل عمل «خرافي» يكون البطل الرئيسي فيه هو المخرج، يليه كل الفريق التقني والعاملون في المؤثرات الصوتية والضوئية، ثم الكاتب، وفي المرتبة الرابعة الممثلون جميعاً. والبطل في «أسطورة طرزان» هو مخرج الأجزاء الأخيرة من سلسلة «هاري بوتر»، دايفيد ييتس الذي نجح في تقديم مشاهد رائعة لعمل ضخم من هذا النوع، وإن كان أقل ضخامة طبعاً من «هاري بوتر». من المشاهد الجميلة في الفيلم، تحليق طرزان ومعه أبناء إحدى القبائل التي تدعمه، من شجرة إلى أخرى، ومن حبل إلى حبل، ومن وسط الغابة إلى خارجها للحاق بالقطار الذي يُقل عسكريين بلجيكيين ينقلون مجموعات كبيرة من أبناء الكونغو الإفريقية إلى نقطة التقاء معينة، ليتم ترحيلهم لاحقاً للعمل بالسخرة كعبيد وبناء جسور، من أجل استكمال خطة الاستعمار والسيطرة على المنطقة وثرواتها. والمشهد الرائع أيضاً في ميناء بوما حيث المعركة بين الحق والباطل، بين العبودية والحرية، بين الخير والشر، أي المعركة بين طرزان وجاين وجورج مدعومين بالحيوانات المفترسة والتماسيح أصدقاء طرزان، وبين فيلق الملك ليوبولد وليون روم.
«الفلاش باك» يغطي أجزاء كبيرة من العمل، كي يعيدنا بالذاكرة إلى قصة طرزان من دون أن يضطر إلى روايتها من جديد، أو سردها بطرق روتينية تقليدية. هكذا استنبطها المخرج من الحاضر، فصارت المواقف هي التي تعيد البطل إلى طفولته ولقائه الأول بجاين، ووفاة أمه الحقيقية وأمه القردة كالا، ومقتل أبيه.. طريقة ذكية اتبعها كاتبا الفيلم والسيناريو آدم كوزاد وكريغ بروير لتعريف المشاهد بأحداث مضت.
مارغو روبي أدت دور جاين زوجة طرزان، فبدت مقنعة وسريعة الحركة. علماً بأن حجم دورها لا يقل عن حجم دور بقية الشخصيات الرئيسية من طرزان إلى ليون روم وجورج واشنطن. لذا يمكن القول إن كل من هؤلاء النجوم كان بطلاً، ولم يرتكز الفيلم على طرزان وحده، علماً بأنه المحور الأساسي والمحرك لكل الأحداث.
من أهم ما يميز هذا الجزء من حكايات طرزان الخرافية، أنه يقدم لنا الشخصية بشكلها الإنساني الأرستقراطي بعد خروجها من الغابة، وتأقلمها من جديد مع البشر. ثم يعيده إلى حيث نشأته من دون أن يتخلى عن ملابسه الأنيقة.

أرباح

بلغت تكلفة إنتاج فيلم «أسطورة طرزان»، 180 مليون دولار، بينما حقق إيرادات من شباك التذاكر في أمريكا فقط نحو 130 مليون دولار، وبلغت أرباحه عالمياً نحو 335 مليوناً. ما يدل على نجاح التجربة رغم بعض الملاحظات والهفوات التي تشوب معظم الأفلام السينمائية.
الفيلم أمريكي من توزيع شركة ورنر براذرز، وغنتاج مجموعة من الأشخاص من بينهم المخرج نفسه، تم تصويره في لندن ومناطق أخرى من بريطانيا، ويتناول حقبة عانت فيها شعوب من الاستعمار، حيث تتركز أحداثه في عام 1880.

رسائل

لا بد من الخيال والبطولات الخارقة في هكذا أنواع من الأفلام العالمية، والخيال يمتع المشاهد إذا كان مصنوعاً بحرفية والمبالغات فيه مقبولة. «أسطورة طرزان» فيلم ممتع، يمرر رسائل عن همجية وأطماع البشر لا سيما في مشهدين مختلفين للقطار، حيث عربة تحمل العاج المسلوب من إفريقيا، وعربة مزدحمة بالعبيد المكبلين بسلاسل من حديد. في المقابل، يلفتنا حوار بين طرزان وموبنغا لحظة تقاتلهما حيث يسأل الأخير طرزان عن سبب قتله لابنه الوحيد فأجابه بأنه قتل كالا (أمه القردة) فيقول موبنغا: «كان فتياً، وأنت أين كان شرفك؟» فيجيبه طرزان بعد صمت: «لم يكن لدي شرف».

أفاتار

من الواضح أن المخرج «دايفيد ييتس» تأثر بالمخرج جايمس كاميرون، فوصلنا هذا الإحساس في أحد المشاهد، حيث يعود طرزان بالذاكرة إلى مرحلة شبابه في الغابة، فيبدو الشبه كبيراً في ملامحه عند لقائه الأول بجاين، بسكان «أفاتار» وملامحهم ونظراتهم المملوءة بالتعجب والسحر والعواطف والبراءة والشراسة في آن، حتى جذوع الأشجار تشبه الأذرع الممدودة والشوارع العريضة التي يمشي عليها أهل الغابة بسهولة، وفي الفيلمين نجد البطل مهموماً بحماية الغابة والأشجار والطبيعة من وحشية الإنسان الذي يسعى إلى استغلال كل شيء بهدف كسب المال والسياسة.