على درب ابن الأثير في «الكامل في التاريخ»، ولكن بلهجة أخف يقول ابن كثير في تأريخه لسنة 617 عن بدء ظهور التتار:«في هذه السنة عم البلاء، وعظم العزاء بجنكيز خان المسمى بتيموجين، لعنه الله تعالى، وبمن معه من التتار، قبحهم الله تعالى أجمعين، واستفحل أمرهم، وامتد إفسادهم من أقصى بلاد الصين إلى أن وصلوا إلى بلاد العراق وما حولها حتى انتهوا إلى إربل، فملكوا في سنة واحدة، وهي هذه السنة، سائر الممالك إلا العراق والجزيرة والشام ومصر..وقتلوا في هذه السنة من المسلمين وغيرهم في بلدان متعددة الكبار والصغار بما لا يحد ولا يوصف، وبالجملة فلم يدخلوا بلداً إلا قتلوا جميع من فيه من المقاتلة والرجال، وكثيراً من النساء والأطفال، وأتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، وبالحريق إن لم يحتاجوا إليه».
والقارئ لصور ابن كثير على تأثيرها يدرك الفارق بين مؤرخ عاصر الأحداث، ابن الأثير، توفي سنة 630 ه، وآخر يعتمد على كتب السابقين والروايات والشواهد، ابن كثير ( 701- 774ه)، ولذلك لن تجد أبداً إحساس مؤرخ بفادحة ظهور التتار على مسرح الأحداث مثل ابن الأثير، لنستمع إليه وهو يقول: «لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، فمن ذا الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين..فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً»، وبعد مبررات يسوقها للقارئ لينقل إليه عظم المصاب الذي دفعه للتردد في مسألة التأريخ للتتار، يقول: «الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقّت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله آدم وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقاً».
ولا ننسى أيضاً أن ابن كثير شهد وقائع الانتصار على التتار في عين جالوت وأرخ لها بفرح قائلاً: «ولما كسر الملك المظفر قطز عساكر التتار بعين جالوت، دخل دمشق في أبهة عظيمة، وفرح الناس به فرحاً شديداً، ودعوا له دعاء كثيراً».
سيرة لافتة
ولد أبو الفداء عماد الدين إسماعيل ابن كثير في منطقة «مجدل القرية»، وهي قرية من نواحي مدينة بصرى بالشام، تعود أصوله إلى مدينة البصرة، انتقل إلى دمشق في سن الخامسة، فتلقى علوم عصره على يد مجموعة من أبرز أعلام المعارف المختلفة، ففي علوم الدين والفقه، درس على يدي ابن تيمية، والحديث والتاريخ على المؤرخ الشهير الحافظ شمس الدين الذهبي، وشغل منصب الخطابة في جامع المزة، وخلف الشيخ الذهبي في تدريس الحديث، وصار قيماً على «دار الحديث الأشرفية»، بعد رحيل تقي الدين السبكي، ودرس في جامع الأمويين دروسه في التفسير، وخلف للمكتبة الإسلامية مؤلفات عدة في الحديث والتاريخ والسير والتفسير، وعُرف بثلاثة أعمال أساسية على نطاق واسع حتى اليوم: «تفسير القرآن الكريم»، المعروف بتفسير ابن كثير، و«البداية والنهاية»، و«قصص الأنبياء»، وله في التراجم «طبقات الفقهاء الشافعية ومناقب الشافعي»، وفي الحديث «التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل»، و«اختصار علوم الحديث»، و«جامع المسانيد».
يتوقف التأريخ في «البداية والنهاية» عند عام 768ه، أي قبل وفاة ابن كثير بسبع سنوات، وقراءة الكتاب متعة بالغة، خاصة أنه ربما يغنيك عن «قصص الأنبياء»، وسيرة كتبها مؤرخنا للنبي الكريم، وهما لا يختلفان كثيراً عن رصده لسير الأنبياء في «البداية والنهاية»، وفي البداية يستوقفك العنوان، فماذا يعني ابن كثير بالبداية والنهاية، يقول في مقدمة كتابه، بطموح المؤرخ الذي لا حدود له: «فهذا كتاب أذكر فيه بعون الله وحسن توفيقه ما يسره الله -تعالى- بحوله وقوته من ذكر مبدأ المخلوقات، من خلق العرش والكرسي والسموات، والأرضين وما فيهن...... حتى تنتهي النبوة إلى أيام نبينا محمد _صلوات الله وسلامه عليه_، فنذكر سيرته كما ينبغي.... ثم نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة. ثم البعث والنشور وأهوال القيامة».
هو طموح المؤرخ الفقيه المفسر، في زمن لم يعرف التخصص، وفي ثقافة تأسست فيها كل العلوم انطلاقاً من الدين الحنيف، وبصفة خاصة علم التاريخ، ولأنه يدرك أنه سيتحدث في أمور تقع في منطقة الغيبيات فيحدد منهجه بعد ذلك، في الاحتراس عند التعامل مع «الإسرائيليات»: «ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله»، وأيضاً في تطبيق قواعد الجرح والتعديل على الأحاديث والمرويات المختلفة.
مع «البداية والنهاية» تتجول بين آلاف الصفحات، يقع الكتاب في 9 مجلدات أو 10 في بعض الطبعات، تستمتع بقصص الأنبياء، عليهم السلام، تراه يعتمد بالدرجة الأولى على القرآن الكريم، وسلسلة من الرواة، وفي بعض الأحيان يعلق على قصته بالقول: «وهذا خبر غريب»، ثم ينتقل إلى العرب في الجاهلية، يتتبع الأنساب، ويكتب الأشعار، ويرصد المعتقدات والعادات والتقاليد، في باب «ذكر جماعة كانوا مشهورين في زمن الجاهلية»، تتعرف إلى قصة خالد بن سنان العبسي، وحاتم الطائي، وعبد الله بن جدعان، وامرئ القيس، وأمية بن الصلت، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وتجديد حفر بئر زمزم، ونذر عبد المطلب ذبح أحد ولده، هو يمهد بقوة، وعلى المستويات كافة قبل أن يفصل في سيرة نبينا الكريم، ومع الهجرة النبوية يبدأ الرصد الحولي للتاريخ، ليمر بكل وقائع الإسلام ومفاصله وأحداثه الكبرى حتى عام 768 ه بمقتل الأمير المملوكي يلبغا، ويختتم الكتاب بالقول «وهذا آخر ما وجد في التاريخ»، وفي بعض الطبعات يضاف مجلد آخر بعنوان «الفتن والملاحم الواقعة في آخر الزمان»، يتم إلحاقه ليكتمل معنى عنوان تاريخ ابن كثير «البداية والنهاية».
مدونة شاملة
الكتاب مدونة شاملة في الثقافة بمفهومها العام، فإذا طالعته بروح من يحب قراءة الوقائع التاريخية، فستجد سارداً وحكاء من الطراز الأول، وإذا كنت تبحث في سير الأعلام والمشاهير ستجده يرصد حياتهم، وفي كل عام وعلى عادة مؤرخينا يورد أهم من رحل في هذا العام، وبإمكانك قراءة قصص الأنبياء في الكتاب بعيداً عن تلك الأساطير التي تجدها في كتب أخرى مماثلة مثل «عرائس المجالس» للثعلبي وغيره، فهو وإن اضطر لإيراد الغرائب والعجائب فلا يترك الفرصة إلا وينبه القارئ، وهناك ما لا يحصى من قصص وأخبار تتعلق بالتتار والحملات الصليبية، وأحوال البلدان الإسلامية المختلفة، وخاصة دولة المماليك، فضلاً عن صور باذخة للمجتمع تعثر عليها هنا وهناك، وأخبار تقلبات الطبيعة وأفكار الفرق والطوائف المختلفة وعشرات القصائد...الخ.
وبين المعارك والتقلبات السياسية، لا يغفل مؤرخنا الأشياء التي تجذب عين القارئ، يقول في حوادث عام 702 ه وتحت عنوان «عجيبة من عجائب البحر»: «قرأت في بعض الكتب الواردة من القاهرة أنه ظهرت دابة من البحر عجيبة الخلقة من بحر النيل من أرض المنوفية، بين بلاد منية مسود وإصطباري والراهب، وهذه صفتها: لونها لون الجاموس بلا شعر، وآذانها كآذان الجمل، وعيناها مثل الناقة... ولها أربعة أنياب: اثنان فوق واثنان من أسفل، طول كل واحد دون الشبر في عرض أصبعين، وفي فمها يوجد ثمانية وأربعون ضرساً وسناً مثل بيادق الشطرنج»...ويستمر في وصفها ليختتم بالقول: «وحمل جلدها على خمسة أجمال في مدار ساعة من ثقله، على جمل بعد جمل، وأحضروه إلى بين يدي السلطان بالقلعة وحشوه تبناً وأقاموه بين يديه»، أو تأريخه لبركان أرض الحجاز في أحداث عام 654 ه واعتباره من علامات الساعة التي أخبر بها نبينا الكريم: «فيها كان ظهور النار من أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه».
عاش ابن كثير في القرن الثامن الهجري، في فترة وصفت دائماً بالتراجع والانحطاط، وركود الإبداع، وبالنظر إلى تاريخه فقط، بخلاف مؤلفاته الأخرى، سنكتشف أن هذا العمل بمفرده، يحتاج إلى عشرات الباحثين لإنجازه بمعايير عصرنا الحالي، فالرجل يختصر في كتابه مئات المصادر، وتختزن ذاكرته آلاف المرويات، وهو في الوقت نفسه يُدرس الحديث ويفسر القرآن الكريم، ويدخل مع جدل ساد في عصره بين اتجاهات ومذاهب شتى، ويظل يعمل حتى يفقد بصره وهو يؤلف كتاب «جامع المسانيد»، ويرحل الرجل، ويترك لنا إحدى الموسوعات التاريخية الهامة في تراثنا العربي الإسلامي، وأنت تتصفحها لا تعرف على وجه الدقة السحر الكامن بين السطور، هل يكمن في البساطة والسلاسة، أم القدرة على السرد والحكاية، أم احترامه لعقله ولعقل قارئه، بإيراد الحكاية والتعليق عليها بموافقتها أو مخالفتها للمنقول والمعقول، تلهث وأنت تقرأ تاريخ «البداية والنهاية»، وهذا اللهاث، مهما كان الغرض منه، سواء البحث أو المتعة أو حتى النقد، يكفي بمفرده لضرورة إعادة التفكير في زمن وصف كثيراً بالانحطاط والأفول والتدهور.