إن مشاعر الناس ليست من حجارة، بل هي من بلور، وهو الذي ينكسر من رمية بحجر صغير، وإذا انكسر فلا يمكن إعادته إلى وضعه السابق من دون أن يترك أثراً. فكرامة أحدهم إذا جرحت لن تعود إلى وضعها السابق، بل تبقى عقدة في نفسه، لن تغادرها لمدة طويلة.
إذاً ما الذي يجعل الآخرين يسارعون إلى مد يد العون لك ويقفون إلى جانبك دوماً؟ كيف تنجحون في زرع ثقة الآخرين بكم وتنالون دعمهم، وتكسبونهم إلى صفكم؟ ما هي الأعمال التي تقرب الناس منكم وتجعل تأثيركم فيهم يكبر؟ هناك قواعد وهي كالآتي:

1/ لا تصدر الأوامر لأحد، بل اطلب ما تريد في صورة تمنيات:

إن كل شخص يرى الكون كله بعينيه، لا بعيني غيره، وهو يحب كل شيء لنفسه، ولا يحله لغيره. ومن هنا، فإن لكل إنسان كرامة عند نفسه، وإن كان وضيعاً في نظر الآخرين، ولذلك فلا يوجد من يضع نفسه أمامك عبداً مطيعاً يتلقى الأوامر، مهما أوتيت من علم أو مال أو سلطان، بل يراك نظيراً في الخلق. لا تنصب من نفسك زعيماً فوق الناس تصدر لهم الأوامر، وتأمرهم فيأتمرون، أو تنهاهم فينتهون. تأكد أن الناس يستقبحون الأوامر التي تصدر إليهم، بينما هم لا يمانعون في تنفيذ ما يطلب منهم في صورة رجاء، أو تمن، أو ما شابه ذلك. فبدل أن تقول: افعل هذا، ولا تفعل هذا، يمكنك طلب شيء تريده من أحد بقولك: إنني أتمنى أن تساعدني في عمل كذا. ألا تظن أن من الأصوب أن تفعل كذا؟ عندما تطلب بود فإنك بذلك تفسح المجال للشخص الآخر لكي يتصرف من تلقاء نفسه، فقد ينفذ الآخرون أوامرك بدافع إسقاط الواجب، ولكن إذا أصدرت لهم الأمر في صورة تمنيات، فإنهم يندفعون من أنفسهم إلى تنفيذه عن طيب خاطر. فالتمنيات تسهل الاستجابة لدى الآخرين، لأنها تأتي منسجمة مع ذواتهم، ويحس الفرد معها، وكأنه متفضل على الطرف الآخر، لأنه يلبي نداءه في طلب العون والمساعدة، بحرية تامة، ومن دون ضغط أو أمر. وفرق كبير بين العطاء وبين التنفيذ، فصاحب العطاء يحاول أن ينجز عمله بأحسن صورة، بينما الرجل المنفذ يحاول أن يأتي عمله بمقدار ما يسقط الواجب عنه.

2/ امنح الآخرين الثقة بأنهم قادرون:

إذا أردت من شخص طلب عمل يحتاج إلى شجاعة، فما عليك إلا أن تخبره بأنك واثق من شجاعته، ذلك أن إنجاز أي عمل في حاجة إلى ثقة بقدره. فالمؤلف لا بد أن يمتلك مقداراً كافياً من الثقة بحجم ما يريد الكتابة عنه، والمقاتل لا بد أن يمتلك من الثقة بما يعادل حجم العملية القتالية التي ينوي القيام بها. وما دامت الثقة لا تولد بالضرورة مع الإنسان، وليست موجود فيه دائماً، فينبغي أن يشحنها باستمرار في ذاته، سواء كان ذلك بتشجيع من الآخرين أو من نفسه. فلزرع الثقة في الآخرين لا نحتاج إلى أكثر من الكلام وتحريك اللسان. فلا تبخل بزرع الثقة في الناس، ولا تظن أن الثقة مخزون كامن في النفس البشرية، ولا تقل إن من يثق بنفسه ليس بحاجة إلى من يشجعه عليها. الثقة هي عملة يتبادلها الناس فيما بينهم، وكذلك الإحباط، والفرق هو أن الإحباط عملة مُزورة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، بينما الثقة عملة سليمة. فإذا أردت إصلاح الآخرين فإن من واجبك أن تؤكد لهم ثقتك بقدرتهم على التغيير نحو الصلاح، وإذا أردت أن تقنع مجموعة من الناس على التغيير الجذري في حياتهم، فلا بد أن يثقوا بأنهم فعلاً في حجم ذلك التغيير، وأنك واثق في قدرتهم على تحقيق ما يريدون.

3/ أخبرهم بحسناتهم وشجعهم على فعل الخير:

تلك قاعدة أخرى من قواعد التأثير في الآخرين، وهي من أنجح الطريق وأنفعها، وأقربها إلى تحقيق أهدافك. غير أن أغلب الناس يتصرفون خلاف ذلك، فهم عادة ما يلجأون إلى أسلوب الحديث السلبي، والتذكير بالأخطاء فقط، ظناً منهم أن هذا التذكير سيسهم في إزالة السلبيات وتصحيح الأخطاء. ولا شك في أن هذا الأسلوب خاطئ، سواء أكان مع الناس أم الأصدقاء. والأسلوب السليم هو ذكر الحسنات، والتشجيع عليها، وفقاً لمبدأ إزالة السيئات بالحسنات، وطرد الفساد بالإصلاح. فعندما تريد إزالة الظلام لا يكفي أن تلغيه، بل لا بد أن تشعل شمعة، وبعدها سيتخذ الظلام طريق الهروب. وفيما يرتبط بالمجتمع، مسؤوليتك أن تشعل في قلوب من حولك شموع الآمال، بدل أن تلعن ظلمات الصفات السيئة الكامنة داخلهم.