القاهرة: «الخليج»

أصدر الشاعر عزيز أباظة ديوانه «أنات حائرة» وكتب له د. طه حسين المقدمة، لتشتعل معركة حول تلك المقدمة لا الديوان، فقد كتب عميد الأدب العربي يقول: «لقد كنت متحرجاً يا سيدي من نشر هذه الصحف، لأنك لم تتخذ الشعر صناعة، ولأنك تكره أن يتحدث الناس عن مدير يقول الشعر، فمن الذي وقف الشعر على الذين يتخذونه لأنفسهم صناعة؟ ومن الذي يمنع الإنسان الحساس من أن يصور إحساسه، ويغني حزنه شعراً أن واتاه الطبع؟ وما أحسن ما يواتيك طبعك».
كان ذلك كفيلاً بإشعال الخصومة بين طه حسين وعدد من كتاب عصره، فقد كتب المازني في جريدة «البلاغ» بتاريخ 25 يونيو/حزيران 1943: «كان ترددي قبل أن أكتب هذه الكلمة لسبب لا يخلو بيانه من فائدة، فقد تلقيت الكتاب من البريد فلما فضضت الغلاف وقعت عيني أول ما وقعت على عنوانه«أنات حائرة» ولم تأخذ عيني اسم صاحبه، ولو فعلت لاختلف الحال، فإنه صديق كريم، ونفرني العنوان لأني أكره أن تكون الكتب أنينا، وأرى أن الحزين أو الموجع أو اليأس يحسن أن يسر ما به عن الناس وأن يتقي فضولهم».
وقال إنه تلقى الكتاب بسرور واستغراب، وأما السرور فلأن للرجل في نفسي موضعا لم يزحزحه عنه شيء منذ عرفته وإن كانت مشاغل الحياة والعمل قد باعدت بيننا، وأما الاستغراب فلأنه يعرف أن عزيز أباظة يحتفل بالأدب، ولا يكتبه، إلى أن يكتب المازني «هذا طه حسين يخسره الأدب ولا تكسبه الحكومة، فما خلق لها، بل للأدب، وأنه ليضيع نفسه في هذه المناصب، التي تشغله وتستنفد جهده ووقته، فإذا كتب جاء بماذا، بمثل هذا الكلام الذي لا محصول وراءه، ولا أعرف له رأساً ولا ذنباً، فلماذا لا يستقيل ويريح نفسه من هذا العناء الباطل، ويتفرغ للأدب؟».
ورد د. طه حسين على المازني في البلاغ في مقال عنوانه «رد على نقد» جاء فيه: «سيدي الأستاذ رئيس تحرير البلاغ.. أراد الأستاذ المازني أن يثني على ديوان شاعرنا المدير أو مديرنا الشاعر الأستاذ عزيز أباظة فلم يستطع أن يصل إلى غرضه، دون أن يقدم بين يدي مقاله برثاء لي وإشفاق عليّ، لأن الأدب قد خسرني، وأن الحكومة لم تكسبني، ولأني كتبت في تصوير هذا الديوان كلاماً لا محصول وراءه، ولا يعرف له رأس من ذنب».
وفي مجلة «الرسالة» كتب د. زكي مبارك مقالا بعنوان «بين طه حسين والمازني» بتاريخ 9 سبتمبر/أيلول 1943 يقول فيه: «كلمة اليوم في شرح مناوشة عنيفة ثارت بين الدكتور طه حسين والأستاذ المازني على صفحات جريدة البلاغ، وهي مناوشة تمثل التجني والتظالم على أعنف ما يكون بغي الرجال على الرجال، وسنقف من هذه المناوشة موقف القاضي العادل، فقد ساءنا أن يتبادل هذان الرجلان الظلم والعدوان بلا ترفق ولا استبقاء، بعد أن ظلا صديقين حينا من الزمان».
أصل القضية أن عزيز أباظة مدير محافظة البحيرة أصدر مجموعة شعرية مع تصدير بقلم طه حسين، وكما يقول زكي مبارك: فلما بدا للأستاذ إبراهيم المازني أن يتحدث عن تلك المجموعة بدأ بالهجوم على صاحب التصدير، فغضب الدكتور طه وكتب رداً أراد به دفع العدوان بما هو أقسى من العدوان.
وكان طه حسين قد كتب في رده: «أؤكد للأستاذ المازني أني آسف أشد الأسف لأن الأستاذ عزيز أباظة، لم يطلب إليه هو كتابة هذا التصدير، وإذن لكان له الحصول كل الحصول، ولكان له رأس كقمة الجبل وذنب كالذي خوف به المنجمون المعتصم حين هم بفتح عمورية، وآسف أشد الأسف لأن الحكومة لم تكل إلى الأستاذ عملي في وزارة المعارف وفي جامعة فاروق، إذن لكسبته الحكومة والأدب جميعاً».
واختتم زكي مبارك مقاله قائلاً: «لقد فصلنا الخصومة بين الرجلين بوضوح، ولم يبق إلا أن نكف شر الأستاذ المازني عن الدكتور طه، وشر الدكتور عن الأستاذ المازني، لأننا نكره أن تختل الموازين في هذه البلاد».
وحول أسلوب د. حسين حين يكتب المازني في كتابه «قبض الريح»: «والآن ما رأينا في أسلوب صديقنا الدكتور طه حسين، الحق أن هذا موضوع يدق فيه الكلام، تناولت القلم فكتب به الشيطان ما يأتي: الدكتور طه حسين رجل أنيس المحضر ذكي الفؤاد، جريء القلب، تعجبك منه صراحته، ويعلق بقلبك إخلاصه ووفاؤه، ويثقل عليك اعتداده بنفسه».
ويقول إن أظهر عيب في مقالات الدكتور هو التكرار والحشو، وما إليهما من سبيل، وعندنا أن علة ذلك ليست فقط أنه يملي ولا يراجع، بل الأمر يرجع في اعتقادنا إلى سببين جوهريين: أولهما أن ما أصيب به في حياته من فقد بصره كان له تأثير لا يستطيع أن نقدر كل مداه في الأسلوب الذي يتناول به موضوعاته، وثاني هذين السببين أنه أستاذ مدرس وقد طال عهده بذلك التعليم مهنة تعود المشتغل بها التبسط في الإيضاح والإطناب في الشرح والتكرار أيضا، وبعبارة أجلى تضطر المدرس إلى تجنب العمق والغوص وأن يكتفي ما وسعه الاكتفاء بما لا عسر في فهمه، ولا عناء في تلقيه، وتلك آفة التدريس.