«الحساب علم بقوانين استخراج مجهولات عددية من معلومات مخصوصة، فموضوعه العدد وهو ما يقع في العد ويشتمل على الواحد وما يتألف منه... وضع حكماء الهندسة أرقاماً للعقود التسعة المشهورة، أما المراتب فهي مواضع الأرقام المتوالية من اليمين إلى اليسار في الصف، وسموا الموضع الأول مرتبة الآحاد، والذي عن يساره مرتبة العشرات، والذي عن يساره مرتبة المئات، ثم بعد ذلك سموا ثلاثة مواضع، تجيء بعد الثلاثة الأولى آحاد الألوف وعشراتها ومئاتها، ثم آحاد ألوف الألوف وعشرات ألوف الألوف ومئات ألوف الألوف، وهكذا يتزايد لفظ الألوف بتزايد الأدوار، أعني المواضع الثلاثة التالية عقب الأخرى»، ويسترسل عالم الرياضيات الشهير الكاشي في تفصيل الأرقام، وتشعر معه بأن علم الحساب، أو ما يعرف بالرياضيات، ذلك العلم الذي اعتبره الكثيرون أحد العلوم الدالة على الازدهار الحضاري كان في حالة صعود متواصل مع هذا العلم الذي عاش في القرن التاسع الهجري، واكتشف الكسور العشرية التي أسهمت بقوة في إحداث نقلة معرفية في علم الرياضيات.
لعب العرب دوراً كبيراً في تطوير علم الرياضيات، وأضافوا إلى ما قدمته الحضارات القديمة: المصرية، اليونانية، البابلية.. إلخ، ومن أشهر علماء الحضارة العربية الإسلامية في الرياضيات: ثابت بن قرة، سنان بن فتح الحراني، أبو الوفاء البوزجاني، أبو القاسم المجريطي، ابن الهيثم، ابن البناء المراكشي، والكاشي، وكتب هذا الأخير عمله الأبرز تحت عنوان «مفتاح الحساب» الذي عده أكثر من مستشرق موسوعة الرياضيات في ذلك الزمان.
ولد غياث الدين بن مسعود بن محمد الكاشي في مدينة كاشان في خراسان، درس النحو والصرف والفقه والمنطق، ثم درس الرياضيات وتفوق فيها، وعاش معظم حياته في سمرقند، وفيها بنى مرصداً سماه «مرصد سمرقند»، وإضافة على شهرته في علم الرياضيات كتب أيضاً في علم الفلك والهيئة، وقدر تقديراً دقيقاً أكثر من خسوف للشمس بين سنوات 809 و811 ه، وهو أول من اكتشف أن مدارات القمر وعطارد إهليليجية، بيضاوية، وليست دائرية كما كان سائداً في علوم الفلك القديمة.
ومثل كثير من علماء الحضارة العربية الإسلامية، لا يوجد تأريخ دقيق لميلاد الكاشي، وهناك اختلاف في تحديد عام الوفاة بين عامي 839 أو 840 ه، وبتقدير نشاطه العلمي ندرك أنه عاش بين الربع الأخير من القرن الثامن والنصف الأول من القرن التاسع الهجريين، والمعلومات عن حياته شحيحة، إلا أن هناك إشارات إلى تأثره بعالم الفلك الأشهر نصير الدين الطوسي، وحقق الكثير من جداول النجوم التي تركها الطوسي في مرصد مراغة.
إسهامات مميزة
عندما نقرأ قائمة إسهامات الكاشي العلمية ينتابنا الكثير من الأسئلة المتعلقة بضرورة العمل على كتابة منهجية مؤسسية حول تراث الحضارة العربية الإسلامية العلمي، فمثلاً نعرف أنه مبتكر الكسور العشرية، وأول من صنف المعادلات من الدرجة الأولى إلى الرابعة، وابتكر حلاً عددياً لمعادلات الدرجة الرابعة، ووضع الكثير من الطرائق المألوفة والمستخدمة حالياً بشأن الحسابات الأساسية، خاصة الضرب والقسمة، وصنع أداة للرصد الفلكي وحساب التقاويم وسماها «طبق المناطق»، وألّف رسالة حول طريقة العمل بها أطلق عليها «نزهة الحدائق»، وفي رسالته «الوتر والجيب» استخرج جيب الدرجة الأولى، ووصل إلى جيب يعرف ب«60 sin».. إلخ، وتسترسل المعلومات الضئيلة التي وصلتنا عن الكاشي في إظهار إسهاماته اللافتة في عصر وصف كثيراً بالتدهور والتراجع والانحطاط.
لنقترب أكثر من الكاشي للتعرف إلى إنجازاته العلمية، حيث ينقسم كتابه «مفتاح الحساب» إلى خمسة مقالات، يشتمل كل مقال على الكثير من الأبواب، فمثلاً يتوزع المقال الأول على ستة أبواب، هي: في صور الأعداد ومراتبها، في التضعيف والتصنيف والجمع والتفريق، في الضرب، في القسمة، في استخراج الضلع الأول من المضلعات وفي ميزان الأعمال، ويخصص المقال الثاني 12 باباً للكسور، والثالث 6 أبواب لحساب الفلك، والرابع 9 أبواب للمساحة، والخامس 4 أبواب، للجبر والمقابلة.
وتحدث الكاشي في المساحة عن مساحة المثلث، والمربع، وشبه المعين، ومساحة ذوات الأضلاع الكبيرة، والدائرة، ثم تتطرق إلى الأشكال الأسطوانية، وينتقل إلى جداول الجيوب، ومساحة سطح المخروط، ومساحة سطح الكرة واستخراج قطرها، ومساحة القبة والسطوح المقرنصة، وغير ذلك كثير، يقول الكاشي عن الكسور العشرية «كمية تنسب إلى جملة تفرض واحداً، والمنسوبة إليه تسمى مخرجاً، والكسر إما مفرداً وإما مركباً، فالمفرد ما نسب فيه عدد صحيح أكثر من الواحد، وهو إما مجرداًَ أو مكرراً، فالمجرد ما يكون عدد كسره واحداً، كواحد من اثنين ويقال له النصف، أو من ثلاثة وهو الثلث، أو من أربعة وهو الربع، وما زاد مخرجه على العشرة كواحد من 11 أو 20، وليس له اسم خاص لا يخرج عن حد المجرد». ويتابع في الباب الثالث من مقال الكسور عما أسماه التداخل والتشارك والتباين، فيقول: «كل عددين غير الواحد إما أن يكونا متساويين، أو لا متساويين، والأخيران إما أن يكونا متداخلين مثل 3 و9، أو متشاركين مثل 4 و10 أو متباينين»، ويشير في الباب الرابع من المقال نفسه إلى ما أطلق عليه «التجنيس والرفع»، وفي الباب الخامس إلى الكسور المختلفة من مخرج واحد، وهو ما يسمى الآن بالقاسم المشترك ويزود أمثلته بالرسوم والجداول.
يبدأ الكاشي كل مقال بتعريفات علمية دقيقة، لنشعر بأن فكر الرجل يصدر عن خلفية علمية مؤسسة منهجياً، يقول تحت عنوان «في استخراج المجهولات بالجبر والمقابلة»: «لا بد من تسمية المجهول بشيء، ويستخدم رموز ش، ص.. إلخ، للتعبير عن تلك المجهولات»، وأورد في الباب الثالث من مقال «الجبر والمقابلة» خمسين قاعدة حسابية تفيد في مسائل الإرث والتركات، ويستمر في دأبه العلمي قائلاً عن القسمة كأنه يرسم لوحة حسابية: «وتعريفها الجامع أنها تحصيل عدد نسبته إلى الواحد كنسبة المقسوم إلى المقسوم عليه، والعمل فيه أن نضع أرقام العدد المقسوم، ونخط فوقه خطاً في العرض، ثم نخط بين كل مرتبتين خطاً طولياً يبدأ من الخط العرضي إلى حد ما، ثم نضع المقسوم عليه تحت المقسوم بمسافة، بحيث يحاذي آخر مراتب المقسوم عليه آخر مراتب المقسوم».
ولكتاب «مفتاح الحساب» أكثر من عشرة مخطوطات في لندن وموسكو وباريس وبرلين، ونشرت وزارة التعليم السورية تحقيقاً حديثاً للكتاب لنادر النابلسي، عميد كملية العلوم في جامعة دمشق سابقاً، وتقع النسخة الحديثة من الكتاب في 700 صفحة، ويقول د. عبد الحليم منتصر في كتابه «تاريخ العلم» عن «مفتاح الحساب»: «والخلاصة أن كتاب الكاشي، إنما هو كتاب تفرد به بين كتب زمانه بأنه سفر يعرف الكاشي فيه مصطلحاته العلمية تعريفاً دقيقاً، ويبوب الموضوعات ويجدول الأعمال الحسابية حتى التي نسميها المعادلات الجبرية، فالكتاب هو في ذروة الكتب مقاماً، من حيث إنه جمع المعرفة، كل المعرفة المسطورة في كتب زمانه وطورها».
أفق أرحب
اكتشف الكاشي أيضاً الجذر الثاني للأعداد، الذي يعد أسهل الطرائق لحساب الجذر النوني، وهي الطريقة التي تم اعتمادها مرة أخرى بعده بمئات السنين من قبل العالم الرياضي الإيطالي روفيني، والعالم البريطاني جورج هارنر في القرن التاسع عشر الميلادي.
ترك الكاشي مجموعة من المؤلفات اللافتة والمهمة في علمي الرياضيات والفلك من أهمها: «الرسالة الكمالية أو سلم السماء»، «مفتاح الأسباب في علم الزيج الأبلخاني»، «الرسالة المحيطة في استخراج محيط الدائرة»، «رسالة في درجات الاسطرلاب»، «رسالة في معرفة سمت القبلة من دائرة هندية معروفة» «نزهة الحدائق حول اسطرلاب طبق المناطق»، «رسالة في استخراج جيب درجة واحدة» وغيرها.
أثر الكاشي بقوة في الكثير من العلماء الذين جاؤوا بعده في العالم الإسلامي، وأيضاً في الغرب، حتى إن البعض لقبه ببطليموس الثاني، وعماد علم الفلك.
وحظيت الرياضيات باهتمام العلماء العرب والمسلمين، وانطلقوا من علوم القدماء أو علوم الأوائل، وترجموا على مراحل مختلفة أهمها المرحلة العباسية، وأضافوا لتراث العالم كله، كان المنطلق في تجديدهم وتطويرهم ينسج من محبة المعرفة بالدرجة الأولى ومن إيمان قوي بخصوصيتهم الثقافية وانفتاحهم على العالم في الوقت نفسه، لقد كان دافعهم الأول في علم الحساب مثلاً مواكبة مسائل المواريث والتركات في الفقه، مستندين إلى ما وجدوه في تراث علم الحساب الهندي، ولنا أن نقرأ من خلال وجهة النظر نفسها ما فعلوه في الهندسة اليونانية، وعلوم الفلك التي قطعوا فيها أشواطاً طويلة.
لم يكن هناك ذلك الفصام النكد بين ثقافة الأنا ومعارف الآخر، وعانى الكثير منهم حالات من التشرذم والطغيان، ولم يركن أحدهم إلى تلك الحجج ولم يعزف نغمة التدهور والانحطاط، ولم يروج أحدهم لمقولة «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، وحتى في تلك العصور المسماة ظلماً بالمظلمة، كانت هناك الموسوعات، بل والاجتهاد في العلوم التطبيقية، لم يكن هناك آنذاك المعايير المقولبة أو النموذج أو «الكتالوج»، وكلها دلالات نستشفها من جميع من يتحدثون الآن عن النهضة والتقدم، والأهم من ذلك والأخطر أنهم ينقلون خيباتهم المتلاحقة والمتواصلة إلى الماضي، ويسحبون تدهورهم المستمر على زمان آخر.
ينتمي الكاشي إلى سلسلة ذهبية من العلماء عاشت ظروفها الحرجة، لكنها قاومت، وأبدعت، وتركت للعالم تراثاً طويلاً ومهماً يحتاج إلى إعادة القراءة المرة تلو الأخرى، ومع الكاشي لا بد أن نبحث عن مصادر التكوين العلمي، ودأب الدراسة، وحب المعرفة، والانفتاح عليها، وأنت تقرأ كتاب «مفتاح الحساب» تشعر بتراث الرياضيات القديمة يقفز من بين السطور، وأنت تقرأ الكاشي ستنبهر بطول النفس في التحليل العلمي والرغبة في الاكتشاف واختراق مناطق مجهولة، وإفادة بني البشر جميعاً، وأنت تطالع المعلومات القليلة عن حياته، وتتعرف إلى إسهاماته وتستوقفك إنجازاته ستظل تطرح الأسئلة عن التراث العلمي العربي الإسلامي الذي يحتاج إلى من يستنطقه ويكشف عن وجوهه المضيئة التي ما زالت، وللأسف، مجهولة.