ملف أعدته: إيمان عبد الله آل علي

المستشفيات مؤسسات علاجية في المقام الأول، مهمتها تقديم الرعاية الصحية العلاجية لمن يحتاج إليها، وقد بدأت تعاني في السنوات الأخيرة وجود مرضى يحتاجون رعاية صحية متخصصة لمدد طويلة، تفوق قدرة أقسام العناية المركزة في المستشفيات، بما وضعها أمام معضلة حقيقية.
مستشفيات في الدولة تحولت إلى مقرات لإقامة العديدين من المرضى الذين يعانون أمراضاً مزمنة، فالدولة لا توصد أبوابها أمام المرضى طويلي الإقامة، أياً كانت جنسيتهم، ولكن تحول الحالة الصحية للكثير منهم دون مغادرة المستشفى إما بسبب الغيبوبة أو الحالة الصحية الصعبة، فنجد في غالبية مستشفيات الدولة مرضى يقيمون لأشهر وسنوات، ما قد يؤثر في احتياج إدارة المستشفى لأسرة إضافية في ظل ازدحام المراجعين والمرضى، وقد تضيع الفرصة على مرضى آخرين هم في أشد الحاجة إلى الرعاية الطبية.
تبقى هناك صعوبات تواجه إدارات المستشفيات في إخراج هؤلاء المرضى وتحويلهم إلى مراكز تأهيلية متخصصة، أو نقلهم إلى منازلهم، مع توفير العناية والأجهزة لهم، أو تسفير الوافدين منهم، وفي الوقت ذاته تقديم الخدمات المطلوبة للمرضى والمصابين ومحتاجي العناية الخاصة لفترات ليست طويلة وهم الأغلبية بطبيعة الحال.
في مجتمعنا الإنساني رغم وضع المرضى وحاجاتهم من الرعاية الصحية الفائقة والنوعية والمتخصصة، بما يؤثر في علاقاتهم بذويهم في بعض الأحيان، إلا أن أهاليهم حريصون على زيارتهم يومياً، فهؤلاء المرضى لا ينساهم ذووهم ولا يتخلون عنهم حتى بعد أن قيدهم المرض على السرير الأبيض، وأصبحوا عاجزين ويعتمدون على التنفس الصناعي، أو بحاجة لخدمات وأجهزة أخرى خاصة.
في كل الأحوال، فإن المستشفيات معنية بمتابعة تلك الحالات كوضع إنساني في المقام الأول، ويبقى إنشاء مركز لمرضى الإقامة الطويلة لاستيعاب أعداد المرضى الذين يشغلون أسرة المستشفى ضرورة.
ولا تتوانى هيئة الصحة والخدمات الطبية في دبي عن تقديم المبادرات والمشاريع الضخمة من أجل تقديم أفضل الخدمات الصحية، وما أطلقته من مبادرات خلال الفترة الأخيرة وما وضعته من خطط واستراتيجيات خير دليل على أنها ماضية بخطوات ثابتة من أجل تحقيق استراتيجية الدولة.
«الخليج» تفتح ملف مرضى الإقامة الطويلة في مستشفيات هيئة الصحة في دبي، والذين يبلغ عددهم 118 مريضاً وتنتقل بين الأقسام المتنوعة في مستشفيات لطيفة ودبي وراشد، تعرض حالات من المرضى الذين لم تسعفهم ظروفهم الصحية وحالتهم المستمرة للخدمات العلاجية، وتستمع إلى آراء المسؤولين في الميدان الذين يعيشون هموم تقديم خدمات المستشفيات كاملة للمرضى والمراجعين اليوميين، وحاجة المرضى الآخرين للإقامة الطويلة والخدمة الطبية النوعية المتميزة، وهي بكل تأكيد على حساب الإمكانيات المهيئة للوفاء بمسؤولياتها تجاه مرضاها ومراجعيها.

أم تمكث سنة ونصف مع إبنها

البداية مع أم تحكي قصة ولدها الذي مكثت سنة ونصف السنة في المستشفى من أجله، وقالت: في الشهر الخامس من الحمل اكتشف الأطباء أن هناك مشكلة في مخ الطفل وأن الأطراف قصيرة، ولم يكن هناك مجال لعمل أي شيء، وبعد الولادة اتضحت المشاكل، وكان هناك تشنجات عدة يتعرض لها ابني، وبدأ يتناول الأدوية، وتم نقله إلى المنزل، بالاعتماد الكلي على الأدوية، وبعد سنة بدأت تظهر مشاكل في التنفس، وتدهورت حالته وكان بحاجة إلى التنفس الصناعي، ومكث بعدها سنة ونصف السنة في المستشفى يتلقى العلاج ويرقد في العناية المركزة معتمداً على التنفس الصناعي، وتم عمل فتحة للتنفس، وكنت أتردد يوميا على المستشفى، وأخذت إجازة من العمل من دون راتب لمدة 9 أشهر من أجل ابني، وبعد تلك الفترة قررت أن أنقله للمنزل، وجهزت له غرفة متكاملة ووفرت الهيئة الأجهزة التي يحتاجها، ومكث سنة كاملة في المنزل من دون حتى مراجعات، ولكن مؤخرا انتكست حالته، وأصبح يمكث بالأشهر في المستشفى في العناية المركزة.
فيما فارقت الحياة مؤخراً مريضة قضت أكثر من 1300 يوم على سرير المرض.
وفي قصة أخرى، مكثت امرأة نحو 1000 يوم، عاشتها بين الأطباء والممرضين والفنيين بين جدران غرفة المستشفى، وداخل وحدة العناية المركزة، تلقت العلاج منذ سنوات وبقيت في المستشفى، ولم تستطع الخروج بسبب حالتها المعقدة، واعتمادها الكلي على التنفس الصناعي لتبقى أسيرة على السرير الأبيض، ويزورها أقاربها يوميا.

مريض مقيم من دون أوراق

هناك مرضى لا يتعاون ذووهم مع قسم إدارة حالات المرضى، ولا يلتزمون بتقديم الأوراق الثبوتية للمريض، وأيضا لا يدفعون المبالغ المترتبة عليهم، ولا يقبلون بنقل المريض إلى المنزل رغم تكفل الهيئة بتوفير الأجهزة وتدريب الأهل على كيفية التعامل مع المريض.
ووصلت فاتورة إحدى الحالات 4 ملايين و 300 ألف درهم. وحالة أخرى لمريضة تجاوزت فاتورتها 4 ملايين و400 ألف درهم، وهذا يشكل تحدياً كبيراً أمام إدارة المستشفى، وميزانية كبيرة تصرف.
وفيما ينتظر بعض المرضى فرصة دخولهم المستشفى لتلقي العلاج، يقبع منذ سنوات مرضى انتهى علاجهم وقرر الأطباء خروجهم من المستشفى والعيش بين أهلهم وذويهم، ففي أحد أقسام المستشفى يرقد إماراتي على سرير المرض، وشاءت الأقدار أن يصاب بمرض عضوي ونفسي جعله بحاجة إلى عناية تمريضية مستمرة، ولكن يقف عاجزا هو وذووه عن توفير ممرضة خاصة له في منزله، ليبقى ملازما المستشفى، وقضى حتى الآن 1016 يوما في المستشفى، ويحرص أخوه على زيارته يوميا. وبجانبه يرقد مريض قضى 196 يوماً في المستشفى، ومصاب بجلطة في رجله ولا يستطيع الحركة وبحاجة إلى كرسي متحرك.
فيما تسبب حادث سير ببقاء مريض على السرير منذ عام 2008م، وهو مخالف لقانون الإقامة في الدولة، ويعتمد على التنفس الصناعي. ويرقد مريض آخر في المستشفى منذ بداية عام 2015، تعرض لحادث سير وأصبح على سرير المرض، في حين ترقد في زاوية أحد الأقسام شابة مغربية على سرير المرض، ولا تعي ما يدور حولها، لأنها في غيبوبة تامة.

ضحايا الجلطات الدماغية

وقد أدى جهل معظم الناس بأعراض الجلطة الدماغية ومسببات المرض لزيادة ضحايا المرض، حيث يرقد رجل أعمال بريطاني أصيب بجلطة دماغية وعليه مطالبات مالية بالملايين في أحد المستشفيات منذ عام 2013، وآخر إماراتي في عقده السادس أدخل المستشفى في 2013، لإصابته بجلطة دماغية وهو مقيم فيها منذ ذلك الحين.ومواطن آخر يرقد منذ عام 2011 في المستشفى بعد أن أصيب بجلطة دماغية ومعتمد على أنبوب تغذية ولا يشعر بشيء فهو في غيبوبة.

محاولة انتحار دمرت حياتها

في قصة تقشعر لها الأبدان، أقدمت أثيوبية بنفسها على إنهاء حياتها، وخسرت القدرة على التنفس والكلام بعد أن أقدمت على الانتحار بشرب «التيزاب»، ومنذ أن تم إسعافها للمستشفى لم تفارقه، فليس لها أحد هنا، وعن طريق القنصلية تم جلب أخيها ولكنه هرب بعد أن وصل وتخلى عنها لحالتهم المادية الصعبة، ولكن القدر شاء أن يمنحها فرصة أخرى للحياة السعيدة بعد أن تم تصوير حلقة تلفزيونية لها في المستشفى من قبل قناة أثيوبية بالتعاون مع قنصلية أثيوبيا، وتمكنوا من جمع التبرعات لتوفير شقة لها في بلادها، وسترحل إلى بلادها في الأيام المقبلة، ولكنها لم تدفع أي مبلغ من التكلفة التي ترتبت عليها للمستشفى، حيث إنها في المستشفى منذ عام 2010.
وفي قصة أخرى، توفي مريض مجهول الهوية في أحد الأقسام بالمستشفى بعد أن بقيه فيها منذ عام 2009.
وفي زاوية أخرى يرقد صيني مجهول الهوية، أصيب بجلطة دماغية وتم رفع بصماته ولا توجد مطابقة، وتم تصويره ونشره في الصحف ولم يتم التعرف اليه.
في أحد أركان المستشفى يرقد مريض أصيب بسرطان في الغدة وكان يتعالج في الخارج، ولم تنته رحلة علاجه، ليصبح مقيما في المستشفى على أمل الشفاء.
وتلك المريضة السورية الجنسية في عقدها السابع محاطة بأقاربها، وقضت قرابة 5 أشهر في المستشفى، ومصابة بسرطان في البلعوم والأنف.