إعداد: محمد إسماعيل زاهر

«هذا كتاب جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، الذين نزل القرآن بألسنتهم، واشتقت العربية من ألفاظهم، واتخذت الشواهد في معاني الحديث من أشعارهم، وأُسندت الحكمة والآداب إليهم، تأليف أبي زيد محمد بن أبي الخطاب القُرشي، وذلك أنه لما لم يوجد أحد من الشعراء بعدهم إلا مضطراً إلى الاختلاس من محاسن ألفاظهم، وهم إذ ذاك مكتفون عن سواهم بمعرفتهم»، نحن أمام كتاب من أشهر كتب التراث العربي المعنية بديوان العرب، المهتمة بجمع الأشعار وتصنيفها ووضعها في مجموعات أدبية، هو كتاب «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي، والذي لا يكتفي بتوثيق الشعر أو التأريخ لأعلامه ولكنه يمهد لكتابه بمقدمة مطولة يتطرق فيها إلى أهمية اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، وما روي عن النبي الكريم وأصحابه في الشعر والشعراء، وما قاله الجن من شعر على ألسنة العرب، وما التقطه من أخبار الشعراء، وما قيل في مراتبهم وأسباب تفضيل بعضهم على بعض.
ينتمي كتاب القرشي إلى سلسلة طويلة من المصنفات التي تبدأ بالمعلقات التي جمعها حماد الراوية ولم تنته ب«ديوان الشعر العربي» لأدونيس، مروراً بمفضليات الضبي وتصنيفات الأصمعي، وحتى تلك الدواوين التي يجمعها بعض الشعراء وتعبر عن تذوقهم لعيون الشعر واختياراتهم للقارئ، والنماذج هنا أيضا عديدة منها ديوان «الحماسة» لأبي تمام ومنها ما جمعه الراحل فاروق شوشة تحت عناوين «أجمل عشر قصائد في الحب» و«أجمل عشر قصائد في العشق الإلهي»،.. الخ، أي أن الثقافة العربية كانت معنية طوال تاريخها ومن قبل مثقفين، غالبا شعراء، يختلفون في الرؤية والتوجه والأفكار وحتى طرائق التعبير الإبداعي بجمع الشعر وتصنيفه والتعليق عليه وتقديمه للدارسين والمتذوقين. والملاحظ في كل هذه المنتخبات أو المنتقيات أو الدواوين، على اختلاف التسمية، أنها لم تكن بهدف الارتقاء بالذائقة الأدبية أو التعبير عن جماليات اللغة وبلاغتها وحسب، ولكن جمع كل هؤلاء الإيمان بأهمية الشعر بوصفه المعبر عن الوجدان العربي، بل والمدون لتاريخ العرب وأحداثهم الكبرى، والمصور لعاداتهم وتقاليدهم وحتى رؤيتهم للعالم وطرائق التفكير والسلوك.
القارئ لكتاب القرشي ربما تستوقفه المقدمة التي يخصصها لقضايا تبدو أنها تتعلق بمناخ فكري جديد شهدته الثقافة العربية في القرن الثالث الهجري، وقراءة هذه المقدمة تحسم الخلاف حول الفترة التي عاش فيها المؤلف نفسه، حيث يذهب أحمد أمين في كتابه «ضحى الإسلام» أن القرشي توفي في عام 170ه، بينما يرجح محقق أحد طبعات الكتاب وهو علي الهاشمي أن مؤلفنا توفي بين عامي 300 و310ه.
يتحدث القرشي في مقدمته عن نزول القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وينسب إلى آدم أول أبيات قيلت في الشعر العربي، الأمر الذي يعني انخراطه في قضايا كلامية، فاتساع نطاق الثقافات التي احتك بها العرب ودخول الكثير من الأمم في الإسلام، ونشأة نزعات التعصب للقوميات والأعراق إلى آخر ما يعرفه كل قارئ للتاريخ العربي يفسر دفاع القرشي عن لغتنا، مستخدما الحجج العقلية والتاريخية، وعنونته للفصل الاول من مقدمته ب«القرآن نزل بلسان عربي»، ويفسر أيضاً لماذا ذهب معظم الباحثين إلى ترجيح رأي الهاشمي في تحديد الفترة التي عاش فيها القرشي، حيث انتعاش القضايا الجدلية في القرن الثالث، ويفسر مرة ثالثة أهمية الشعر بوصفه يرتبط بالهوية العربية وموقعها في العالم.

جماليات

يتجاوز كتاب القرشي بعد المقدمة الجدل الكلامي والتاريخي إلى جماليات الفضاء الأدبي، يقول في حكاية لافتة سيؤسس عليها تصنيفاته للشعراء في ما بعد: «ذُكر أن رجلا أتى الفرزدق، فقال إني قلت شعرا فانظره، قال: أنشد، فقال: ومنهم عمر المحمود نائله/ كأنما رأسه طين الخواتيم. فضحك الفرزدق، ثم قال: يا ابن أخي، إن للشعراء شيطانين، أحدهما الهوبر والآخر الهوجل، فمن انفرد به الهوبر جاد شعره وصح كلامه، ومن انفرد به الهوجل فسد شعره، وانهما قد اجتمعا لك في هذا البيت، فكان معك الهوبر في أوله فأجدت، وخالطك الهوجل في آخره فأفسدت، وإن الشعر كان جملاً عظيماً فنُحر، فجاء امرؤ القيس فأخذ رأسه، وعمرو بن كلثوم سنامه، وزهير كاهله، والأعشى والنابغة فخذيه، وطرفة ولبيد كركرته، حنجرته، ولم يبق إلا الذراع والبطن فتوزعناهما بيننا، يعني اقتسمهما مع معاصريه من الشعراء، يا هؤلاء لم يبق إلا الفرث، بقايا الطعام من منطقة البطن، والدم فأخذ ذلك الجزار، وطبخه ثم أكله ثم أخرجه، فشعرك هذا من فضلات هذا الجزار. فقال الرجل: فلا أقول الشعر أبداً».
عندما تقرأ الفقرة السابقة، فضلاً عن إمتاعية التشبيهات والصور الدلالية المترعة بالبلاغة، تشعر أن القرشي يهدف من وراء الاستناد إلى قصة منسوبة إلى شاعر بوزن الفرزدق إلى تحقيق عدة غايات، منها: ترتيب الشعراء في طبقات تبدأ بامرئ القيس، ومسألة الترتيب هذه خضعت لنقاشات وخلافات عديدة في تاريخ الشعر العربي، التأكيد على أن عيون الشعر كانت وحتى عصر القرشي تنتمي إلى أصحاب المعلقات، ونقد المواهب الضعيفة في الشعر، فالشعر فن لا يجب أن ينخرط فيه كل من اجتمعت له موهبة نظم الكلام، ولكنه تجربة وصور وأخيلة وقدرة فائقة على فهم اللغة ومفرداتها.
يعنون القرشي الفصل الخامس من مقدمته ب «في أخبار الشعراء وطبقاتهم وما فُضّل به كل واحد منهم»، ويبدأ بامرئ القيس، هنا أيضاً يستند القرشي إلى سلطة ناقد بوزن ابن سلام الجمحي، فامرئ القيس: «أول شعراء الجاهلية، لأنه أول من استوقف الرفيق، وبكى الدمن، ووصف ما فيها، وأول من شبه الخيل بالعصا، والظباء والسباع والطير، فتبعه الشعراء على تشبيهه في هذه الأصناف»، وبعد ذلك يأتي زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني، والأعشى، ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد، ويورد برغم هذا الترتيب الخلافات حول أفضلية هؤلاء الشعراء، يقول: «وبلغني أن الفرزدق قال: امرؤ القيس أشعر الناس، وقال جرير: النابغة أشعر الناس. وقال الأخطل: الأعشى أشعر الناس. وقال ذو الرمة: لبيد أشعر الناس. وقال العجاج: زهير أشعر الناس. وقال تميم بن مقبل: طرفة أشعر الناس. وقال الكميت بن زيد: عمرو بن كلثوم أشعر الناس، والقول ما قال أبو عبيدة: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وطرفة، وعمرو بن كلثوم... هؤلاء أصحاب السبعة الطوال التي تسميها العرب السُّمُوط، القلائد التي تعلقها المرأة على صدرها للزينة، فمن زعم أن في السبعة شيئاً لأحد غيرهم فقد أخطأ، وخالف ما أجمع عليه أهل العلم والمعرفة»، ولكن القرشي وهو ينظر لأصحاب المعلقات، ويدعم وجهة نظره بالأدلة والحجج والبراهين يورد قصيدتين للأعشى والنابغة هما غير القصيدتين المعروفتين لهما في كل مختارات الشعر، فضلا عن أنه أخرج عنترة والحارث بن حلزة اليشكري، وعبيد بن الأبرص من دائرة أصحاب المعلقات بخلاف الكثيرين من رواة الشعر ونقاده.

طبقات الشعراء

ينقسم كتاب القرشي بعد ذلك إلى الحديث عن أصحاب المجمهرات، وهو مصطلح يدل على قصائد جمعت في بعض الكتب عُرفت بالجمهرة، ويضم القرشي في هذه الفئة: عبيد بن الأبرص، وعنترة، وعدي بن زيد، وبشر بن أبي حازم، وأمية بن أبي الصلت، وخداش بن زهير، والنمر بن تولب. يعقب ذلك أصحاب المنتقيات: المسيب بن علس، والمرقش، والمتلمس بن جرير، وعروة بن الورد، ومهلهل بن ربيعة، ودريد بن الصمة والمتنخل بن عويمر. ثم أصحاب المذهبات، القصائد التي تكتب بماء الذهب، وهم: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان، وقيس بن الخطيم، وأحيحة بن الجلاح، وأبي قيس بن الأسلت، وعمرو بن امرئ القيس. يأتي بعد ذلك أصحاب المراثي، وهم: أبو ذؤيب الهذلي، ومحمد بن كعب الغنوي، والأعشى الباهلي، وعلقمة بن ذي جدن الحميري، وأبو زبيد الطائي، ومتمم بن نويرة اليربوعي. أما أصحاب المشوبات فيقول عن هذا المصطلح «وهن سبع شابهن الإسلام والكفر»، يقصد أن أصحابهم عاشوا في الجاهلية و لحقوا الإسلام، وهم: النابغة بن جعدة، وكعب بن زهير، والقطامي التغلبي، والحطيئة العبسي، والشماخ بن ضرار الغطفاني، وعمرو بن أحمر، وتميم بن مقبل. ويختتم القرشي مختاراته بشعراء صدر الإسلام ويطلق على قصائدهم مصطلح «المُلحمات»، وهم: الفرزدق بن غالب، وجرير بن عبد الله الخطفي، والأخطل بن عتاب، والراعي بن حصين، وذو الرمة غيلان بن عقبة، والكُميت بن زيد، والطرماح بن حكيم الطائي. ويعقب قائلا على قصائد هؤلاء:«هذه التسع والأربعون قصيدة عيون الشعر العربي في الجاهلية والإسلام، وأنفس شعر كل رجل منهم».
كتاب القرشي ضروري لكل متذوق ودارس للشعر العربي، والكتاب كما رأينا لا يقتصر على جمع منتخبات شعرية وحسب، ولكنه يمتلئ أيضا بوجهات نظر نقدية، تفاضل بين الشعراء، فهو عندما يبدأ بامرئ القيس يبرر ذلك استناداً إلى الرواة والنقاد وأيضاً الذائقة، وربما يمتعك بجملة توازن بين عدة شعراء في وقت واحد، وفي كلمات قليلة تبرز أهمية كل شاعر وقدرته على جذب المتلقين: «كفاني من الشعراء أربعة: زهير إذا طرب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا رغب، وعنترة إذا غضب». وهو يمتعك مرة ثانية بالحديث عن قصص الشعراء وأنسابهم وحكايات تتعلق بمفردات حياتهم حتى الألقاب التي أطلقت عليهم «وروى آخرون أن طرفة اسمه عمرو، وسمي طرفة لبيت قاله، واسم أمه وردة من رهط أبيه، وفيها يقول إخوتها: ما تنظرون بحق وردة فيكم/ صغر البنون ورهط وردة غُيّب. وربما يخرج من فضاء أصحاب المعلقات والمذهبات والمراثي ليتوقف أمام بيت قاله شاعر لا ينتمي إلى هؤلاء، ولكنه يراه أجمل بيت في موضوعه مثل قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا/ وأندى العالمين بطون راح. ويعتبره أهم بيت قيل في المديح».
يمكن قراءة كتاب على أكثر من مستوى، فمن يبحث عن المتعة، سيجدها في القصص والحكايات التي يزخر بها الكتاب، ومن يهدف إلى التعرف إلى أهمية الشعر في الثقافة العربية، وأهمية الدور الذي لعبته وتلعبه القصيدة في روح ووجدان العرب سيعثر في آراء الرجل على ما يؤكد ذلك، ومن يدرس تاريخ النقد وتمكن القدماء من أدواته ومناهجه سيلاحظ القدرة اللافتة للرجل في هذا المجال، ومن ينظّر للعربية و أهميتها وكونها المدونة الحافظة لتاريخنا فلن يترك كتاب القرشي قبل أن يقرأه كاملاً مستمتعاً وأيضاً مفكراً في الأحوال التي وصلت إليها لغتنا وثقافتنا اليوم.