«هذا كتاب أودعته فناً من الأمثال السائرة عن العرب، وهو أكثر ما يجري منها على ألسن الفصحاء، ويختلط بخطابة البلغاء، ويدخل في نوادر وبدائع الشعراء، وهو ما جاء من الأمثال على قولهم أفعل من كذا، وقد سبق إلى تأليف ذلك جماعة من علماء اللغة. فللأصمعي في ذلك كتاب لطيف الحجم، مقدار عشر ورقات، وللحياني أيضاً كتاب يقرب من كتاب الأصمعي، وفي آخر كتاب أبي عبيد باب ضمّنه بعض ما في كتاب الأصمعي واللحياني، وتعقب هؤلاء محمد بن حبيب البصري، وألف في ذلك كتاباً»، هنا نحن أمام كنز من ذخائر تراثنا العربي، فالكاتب لم يكتفِ بالتأليف عن الأمثال وهو فن أدبي شاع في آداب العربية خلال فترة ازدهار حضارتنا، ولكنه تخصص في نوعية من الأمثال تلك التي تأتي على صيغة «أفعل»، لقد بحث حمزة الأصفهاني في هذا الباب، ودرس تراث السابقين عليه والذين لم يقدموا الكثير، فتصدى لتأليف «الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة»، جامعاً فيه 1800 مثل.
في مقدمة كتاب الأصفهاني، تلك التحفة الأدبية يقدم مؤلفنا تمهيداً يبرر فيه نحوياً وبلاغياً اختياره صيغة أفعل ليبحث عن الأمثال العربية التي تبدأ بها، ولكننا سنخرج من متعة الأمثال لنجد أمامنا كاتباً على وعي بعلم العمران، حيث يبرر في مقدمته ذيوع مثل ما في منطقة دون غيرها، وترديد أهل الحضر لأمثال مغايرة للبدو، والأمثال المرتبطة بالحيوانات، وتلك التي تحتوي أسماء رجال أو قبائل فضلاً عن معرفة واسعة بلهجات العرب المختلفة، وبتغير البناء اللغوي للمثل أو الحكم السائرة من بلد إلى آخر من الحفاظ على المعنى نفسه، فمقولة مثل «إذا خالف الهوى المنكر فالزّبد بالسكر» تنسب إلى أهل البصرة، يرويها بصيغ أهل الكوفة ومكة والمدينة والشام واليمامة والبحرين ونجران وعُمان..إلخ، وهو يحفر بعمق في المعرفة، ليتحول المثل من نص لغوي يستخدمه الإنسان وقت الحاجة ليعبر عن رأيه في موقف أو تجاه حدث إلى مفردة تختزن دلالات ثقافية واجتماعية وتاريخية.
مع الأصفهاني تتوقف أمام أمثال أهل مكة المكرمة: أكسى من الكعبة، وآمن من غزال مكة، وآلف من حمام مكة، ثم ترتحل إلى المدينة المنورة: أتجر من عقرب، وأبطأ من هيت، ثم تواصل الرحلة إلى الكوفة: أهون من قعيس على عمته، فعُمان: أظلم من الجلندي... إلخ، وتتفتح شهيتك لمعرفة قصص تلك الأمثال التي ارتبطت بأعلام الرجال: أدهى من قيس بن زهير، وأوفى من الحارث بن ظالم، وأجود من حاتم، وأحزم من سنان، وأحلم من قيس بن عاصم، وأعز من كليب وائل، وأفرس من عتيبة، وتستمتع في تلك الأمثال المعبرة عن تعاطي العربي مع بيئته: أبصر من نسر، أحمق من عجل.. إلخ.

السعي وراء المعرفة

ولد أبو عبدالله حمزة بن الحسن في مدينة أصفهان، فــي أواخـــر الــــقرن الثــالـــث الهجري، وإليها ينسب، وتوفي نحو عام 351 هـ، ورحل كثيراً إلى بغداد وأقام فيها لفترات طويلة، وتتلمذ على عدة أعلام كتبوا في حقول معرفية عدة لعل أشهرهم الطبري، والذي يبدو تأثيره واضحاً في كتاب الأصفهاني «تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء»، ودرس على أيدي الأنباري أيضاً مما انعكس لاحقاً في كتاباته الأدبية، وترك العديد من المؤلفات في الأدب والتاريخ، لعل أشهرها كتابه عن الأمثال. يقول الدكتور قصي الحسين في أحد تحقيقات الكتاب: «يعد أوسع المدونات التي جمعت الأمثال التي جاءت على أفعل، إذ يضم بين دفتيه منها زهاء ألف وثلاثمئة مثل قديم جاهلي وإسلامي، وزهاء خمسمئة مثل مولد مزدوج، وبذلك صح أن يطلق عليه بجدارة كتاب أفعل كما جاء في بعض المصادر. ومن ناحية أخرى انفرد الكتاب، من بين كتب الأمثال، بذكر طائفة كبيرة من الكلمات التي تسير في اللغة مسير الأمثال، وأعني بها كلمات المكنى والمبني والمثنى من الأسماء... ويبلغ عدتها أكثر من خمسمئة كلمة».
الأمثال تتضمن الحكمة والنصيحة، وتحتوي أيضاً على رسائل يسعى ضارب المثل إلى إيصالها إلى الآخرين، يقول الأصفهاني في مقدمته: «دعا رجل لبعض الملوك، فقال: جعل الله جرأتك جرأة ذباب، وقوتك قوة نملة، وكيدك كيد امرأة، فغضب الملك من قوله، فقال له: على رسلك أيها الملك، إنه يبلغ من جرأة الذباب أنه يقع على أنف الملك، ويبلغ من قوة النملة أنها تحمل أضعاف وزنها، ويبلغ من كيد المرأة أنها تغلب دهاة الرجال».
أمثال الأصفهاني، تتضمن القصص والأشعار والأساطير، والكلمات الجديدة والغريبة، مرآة لعادات وتقاليد العرب ورؤيتهم للعالم من حولهم. يبدأ الكتاب بـ«فيما جاء في أوله ألف»، يقول شارحاً مثل «آمن من الأرض»: فمن الأمانة، لأنها تؤدي ما تودع، ويقال بغير هذا اللفظ، أكتم من الأرض، وأحفظ من الأرض، وأحمل من الأرض، «ولنستمع إليه». أما قولهم أتجر من عقرب، فإنهم يقولون أيضاً أمطل من عقرب، وهذا مثل من أمثال أهل المدينة، حكاه الزبير بن بكار، وعقرب اسم تاجر من تجارها، قال الزبير وكان عقرب بن أبي عقرب من بينهم أكثرهم تجارة، وأشدهم تسويفاً، حتى ضربوا بمطله المثل، «وأما قولهم أخرق من حمامة، فلأنها لا تحكم عشها، وذلك أنها ربما جاءت إلى الغصن من شجرة فتبني عليه عشها في الوضع الذي تذهب به الريح، فبيضها أضيع شيء، وما ينكسر منها أكثر مما يسلم»، وتتعدد الأمثال التي تصور إدراك العربي لصفات الحيوان المختلفة: «أخدع من ضب»، «أخطأ من ذباب»، «أخطأ من فراشة»، «أخبث من ذئب»، «أخون من ذئب».. الخ.
أعلام العرب وأيامهم متناثرة في كتاب الأصفهاني، لنقرأ سرده عن إحدى قصص أمرئ القيس: «وأما قولهم أوفى من أبي حنبل، فهو حارثة بن مر الطائي، ومن حديثه أن امرأ القيس بن حجر نزل به ومعه أهله وماله وسلاحه، ولأبي حنبل امرأتان، جدلية وثعلبية، فقالت له الجدلية: رزق الله أتاك به، لا ذمة له عليك، ولا عقد، ولا جوار، فأرى أن تأكله، وتطعمه قومك، وقالت الثعلبية، رجل تحرّم بك واستجارك، فأرى أن تحفظه، وتفي له، فقام أبوحنبل إلى جذعة من الغنم فاحتلبها وشرب لبنها، ثم مسح بطنه، وقال: إن الغدر في الأقوام عار/ وإن الحُر يجزأ بالكُراع». وتتناثر بين صفحات الكتاب حكايات العرب، وبإمكانك أن تقرأ فيه أكثر من رواية عن زرقاء اليمامة التي ضرب المثل في حدة بصرها «أبصر من زرقاء اليمامة»، ثم يعرج على قس بن ساعدة الأيادي خطيب العرب المفوه «أبلغ من قس».

متعة بلا حدود

تستمر المتعة مع الكتاب لنتعرف من خلاله إلى الأمثال التي ترتبط بالتفاؤل والتشاؤم، «أما قولهم أشأم من البسوس. فإنها امرأة كانت جارة لجساس بن مرة وكانت لها ناقة يقال لها سراب، فنظر إليها كليب بن وائل، وقد وردت مع إبل جساس، فقال: لمن هذه الناقة؟، قيل: لجساس، فرمى ضرعها بسهم، وقد كان كليب رآها قبل ذلك في حماه، فجاءت الناقة حتى بركت في الفناء، وضرعها يشخب لبناً ودماً، فوثب جساس على كليب فقتله.. فاشتعلت الحرب من أجلها أربعين سنة».
في الباب التاسع والعشرين من كتاب الأصفهاني نقرأ عن الأمثلة «المولدة»، وهذا المصطلح الأخير يحلق بك في فضاء الأدب بلا حدود، ويصل عددها إلى أربعمئة وأربعين مثلاً، منها ما استخدم فيه العرب السجع وعلى شطرين: «أضوأ من الفجر، وأحر من الجمر»، «أقسى من الصخر، وأعدى من الدهر»، «أجمل من البدر، وأكمل من الشهر»، «أروح من يوم التلاق، وأقبح من يوم الفراق»، «ألذ من نومة الضحى، وأحلى في الفؤاد من المنى»، «أثبت من الجبال، وأزول من الخيال». ومنها الطويل على عدة أشطر: «أسر من الرجاء بعد القنوط، ومن الطمع بعد اليأس، ومن الإقالة بعد العثرة»، «أحسن من بدر الدجى، ومن شمس الضحى، ومن قطر الندى». ومن الأمثال «المولدة» تلك المستخدمة في الشعر: «وهم تركوك أسلح من حبارى/ رأت صقراً وأشرد من ظليم». ثم ينتقل «التوليد» إلى قطع نثرية كاملة مبنية على المثل: «وصف بعض البلغاء رجلاً فقال: كان والله أعلى من مناط الثريا، وأشرق من ابتسام الحيا، وأمرع من رياض الندى، وأطيب من لذيذ الكرى، وأعذب من الشهد طعماً، وأعدى من الدهر.. الخ».
ولا يتركك الأصفهاني من دون إكمال الجرعة الثقافية والأدبية المكثفة التي يمكن لأي قارئ الحصول عليها من الكــتاب، فيـــخــصص البــاب الثــلاثيـــن لقصـــص حول «المثنى من الأسماء»، «الحجران والحبيبان، هما الذهب والفضة»، «العراقان والمصران، هما الكوفة والبصرة»، «الأجودان، هما البحر والمطر»، «الماضيان، هما السيف والقدر»، «المزعجان، هما الخوف والحذر»، «النهمتان، هما: نهمة المال ونهمة العلم»... إلخ.
ويختم الكتاب بباب حول «الخرافات»، نجد فيه عادات وتقاليد العرب في الجاهلية، وحوارات بين الحيوانات ورؤية للعالم مستمدة من بيئة العربي القديم «وزعموا أن الإنسان إذا قُتل من غير أن يُطلب بثأره خرج من رأسه طائر يسمى الهامة، فأخذ يصيح على قبره ويقول أسقوني أسقوني، فلايزال صائحاً حتى يُطلب بثأره»، «وكانوا إذا مات الميت يشدون ناقته إلى قبره، ويعكسون رأسها إلى ذنبها»، «وزعموا أن الرجل إذا ورد باب قرية يخاف وباءها فوقف بباب القرية، ونهق كما ينهق الحمار، صُرف عنه وباؤها».. إلخ.
ترك الأصفهاني كتاباً بمثابة موسوعة في الأمثال العربية، استفاد منه لاحقاً أشهر من قام بجمع الأمثال وتبويبها مثل الميداني والزمخشري والعسكري، ولكن يتفوق عليهم جميعاً الأصفهاني بالفكرة المحلقة في الاشتغال على صيغة «أفعل»، والخروج بالمثل من دائرة الأدب إلى علوم اللغة ثم إلى التاريخ والعمران، فضلاً عن مقدمة نظرية قل أن تجدها في كتاب يتناول الأمثال ويتحول بها إلى حكمة تتوارثها الأجيال، وتعبر عن أحداث تفيد المؤرخ كمصدر ثانٍ وهو يدون رؤيته لما وقع في الماضي، وتفيد مرة ثانية عالم الاجتماع في التعرف إلى العادات والتقاليد وتفاعل الإنسان مع المفردات المحيطة به واختلافها من بيئة إلى أخرى، وتفيد مرة ثالثة القارئ وتقدم له جرعة ممتعة من الأدب الجاد.