إعداد: محمد إسماعيل زاهر

يصف الرحالة الشهير ابن جبير صلاح الدين الأيوبي بالقول: «إنه لا يأوي إلى الراحة، ولا يخلد إلى دعة، ولا يزال سرجه مجلسه، وسمعنا أحد فقهاء المسلمين يذكر عنه ثلاث مناقب في ثلاث كلمات: إحداها أن الحلم من سجاياه، فقال، وقد صفح عن جريرة أحد الجناة عليه، أما أنا فلأن أخطئ في العفو أحب إلي من أن أصيب في العقوبة، وقال أيضاً وقد تنوشدت بحضرته الأشعار، وجرى ذكر من سلف من أكارم العرب وأجوادهم، والله لو وهبت الدنيا للقاصد الآمل لما كنت أستكثرها له، ولو استفرغت له جميع ما في خزائني لما كان عوضاً مما أراقه من حر ماء وجهه في استمناحه إياي. وحضره أحد مماليكه المتميزين لديه بالحظوة والأثرة مستعدياً على جمّال ذكر أنه باعه جملاً معيباً، فقال السلطان له: ما عسى أن أصنع لك وللمسلمين قاض يحكم بينهم، والحق الشرعي مبسوط للخاصة والعامة، وإنما أنا عبد الشرع، فالحق يقضي لك أو عليك».
تتعدد المشاهدات والانطباعات والتحليلات في كتاب ابن جبير «تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار» أو الصادر تحت عنوان آخر «اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك، أو المعروف ب«رحلة ابن جبير»، والرحلة في الكتاب تتخطى منطق الاكتشاف من قبل الرحالة الذي يستهدف إخبار السامع أو القارئ بما يحدث له في الرحلة وما قابله من مخاطر وما رآه من بلدان وأماكن جديدة أو حتى غريبة لتتحول إلى نص تتقاطع فيه حقول معرفية عدة، فهنا فقرات مطولة عن عدل وحكمة صلاح الدين، وهناك تعليقات على الأحوال الاجتماعية والاقتصادية، أي أن الرحلة تنتقل من أدب يستهدف الإمتاع والإدهاش إلى كتاب في التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع.
سافر ابن جبير الأندلسي إلى الشرق ثلاث مرات، الأولى بهدف الحج إلى بيت الله الحرام، بدأت في 580ه واستمرت لمدة عامين، والكتاب يتضمن وصف البلاد التي شاهدها ابن جبير في رحلته الأولى وحسب، ولم يمكث رحالتنا في بلاده طويلاً، حيث يذكر لسان الدين بن الخطيب في كتابه «الإحاطة بأخبار غرناطة» أن ابن جبير سافر مرة ثانية إلى الشرق في عام 585ه بعد وصول الأنباء بدخول السلطان صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس في عام 583ه، ومكث ابن جبير في رحلته هذه لمدة عامين، وبعد وفاة زوجته التي كان يحبها كثيراً عاود الرحيل مرة ثالثة إلى الشرق في عام 614ه، فذهب إلى مكة وبيت المقدس، وقضى أيامه الباقية في مدينة الإسكندرية، حيث توفي في العام نفسه، ويبدو أنه كان عاشقاً للمدينة حتى يمضي فيها لحظاته الأخيرة ويظهر ذلك من مشاهداته للمدينة ووصفه الساحر لها في الكتاب.
ولد ابن جبير، أبو الحسين بن محمد بن أحمد في عام 540ه، في مدينة بلنسية الأندلسية، وعمل لدى أمير غرناطة -أبو سعيد بن عبد المؤمن- أمير الموحدين في وظيفة كاتم سره، فاستوطن غرناطة، وبخلاف كتابه الشهير في الرحلات ألف الكثير من الأشعار يغلب عليها النزعة الدينية والزهد والتقوى، يقول عن الحج: «إذا بلغ المرء أرض الحجاز/ فقد نال أفضل ما أمّ له. وإن زار قبر نبي الهدى/ فقد أكمل الله ما أمله». ظل كتاب ابن جبير مخطوطاً منذ تأليفه في حدود عام 582ه، حتى طبعه الإنجليزي ويليام رايت في عام 1852.

مصاعب ومخاطر

تبدأ الرحلة بذكر المصاعب التي تعرض لها، ربما بهدف جذب القارئ، فبعد أن يغادر المركب جزيرة سردينيا، يقول ابن جبير: «وقام علينا نوء هال له البحر.. فبقينا مترددين بسببه حول بر سردانية، فأطلع الله علينا، في حال الوحشة وانغلاق الجهات بالنوء، فلا نميز شرقاً من غرب، مركباً للروم قصدنا إلى أن حاذانا، فسئل عن مقصده، فأخبر أنه يريد جزيرة صقلية.. فأخذنا عند ذلك في اتباع أثره».
ويستمر ابن جبير في وصف مصاعب الرحلة حتى يصل إلى بر الإسكندرية:»ومن أعظم ما شاهدناه من عجائبها (المنار) الذي وضعه الله عز وجل، على يدي من سخر لذلك، آية للمتوسمين، وهداية للمسافرين... يظهر على أزيد من سبعين ميلاً. ومبناه في غاية العتاقة والوثاقة طولاً وعرضاً... إلخ»، أما المدينة نفسها فتتميز باتساع المباني وكثرة الأسواق والآثار الرومانية اليونانية والمدارس والمستشفيات ويتميز سكان البلد بحب السهر ومن الغريب أيضاً، في أحوال هذا البلد، تصرف الناس فيه بالليل كتصرفهم بالنهار في جميع أحوالهم، ويلفت انتباهه كثرة المساجد «وبالجملة فهي كثيرة جداً، تكون منها الأربعة والخمسة في موضع».
في مصر أيضاً تستوقف ابن جبير الأهرام والمساجد والتكايا والخانقاوات وروضة النيل وأسواق مدينة قوص التي تشتمل على البضائع كافة، ومن قوص تستهدف رحلات الحج ميناء عيذاب، في منطقة حلايب، وظل هذا الميناء أشهر وجهة للحجاج من الجانب المصري إلى جدة لمدة أربعة قرون فضلاً عن شهرته في التجارة الدولية آنذاك، ولا ينسى ابن جبير إدهاش القارئ بوصف حجم التجارة المرتبطة بالأمن في عهد صلاح الدين بالقول: «ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء، بين قوص وعيذاب، أنك تلتقي بقارعة الطريق بأحمال الفلفل والقرفة وسائرها من السلع مطروحة لا حارس لها، تترك بهذا السبيل إما لإعياء الإبل الحاملة لها، أو غير ذلك من الأعذار، وتبقى بموضعها إلى أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات، على كثرة المار عليها من الناس».
بعد وصف مستفيض لأماكن الحج المقدسة تستمر الرحلة في اتجاه العودة، حيث ينطلق من المدينة المنورة إلى العراق واصفاً المدن بتفصيل أحياناً وباقتضاب في أحيان أخرى، يقول عن الكوفة: «هي مدينة كبيرة عتيقة البناء، قد استولى الخراب على أكثرها»، وعن الحلة: «لهذه المدينة أسواق حفيلة جامعة للمرافق المدنية، والصناعات الضرورية، وهي قوية العمارة كثيرة الخلق، متصلة الحدائق داخلاً وخارجاً، وفي بغداد يفصّل في ذكر مجالس العلم ووصف دار الخلافة والحمامات والمساجد والأسواق العامة، ولقد وهن منصب الخليفة في زمن ابن جبير للدرجة التي تجعل الرحالة يتحدث عنه قائلاً: «أبصرنا هذا الخليفة المذكور، وهو أبو العباس أحمد الناصر لدين الله»، ثم يسترسل في وصف هيئة الخليفة ونسبه من دون أي تعليق على أعماله، ويبدو حال الخليفة من حال المدينة التي يقول عنها إنها مثل «الطل الدارس والأثر الدامس»، ولا تختلف الحال كثيراً بين بغداد و خليفتها ومدينة ازدهرت ذات يوم في التاريخ العربي وكانت العاصمة الفعلية للدولة الإسلامية ونعني بها سامراء: «هي اليوم عبرة من رأى. أين معتصمها وواثقها ومتوكلها؟، أسماء خلفاء عظام سكنوا المدينة، مدينة كبيرة استولى عليها الخراب.. وقد أطنب المسعودي في وصفها، ووصف طيب هوائها ورائق حسنها.. وإن لم يبق إلا الأثر من محاسنها، والله وارث الأرض ومن عليها»، ويلاحظ في العراق تركيزه على سرد الحكايات المرتبطة بقبور الأنبياء والصالحين الموجودة في أرجاء البلاد.

مشاهدات وملاحظات

في بلاد الشام تتعدد مشاهدات ابن جبير، ينبهر بقلعة حلب: «قلعة شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، معدومة الشبه والنظير في القلاع»، ثم يورد حكايات الحمدانيين من حكام حلب، ويصف المدينة نفسها بذات «القدر الخطير»، ثم ينتقل إلى حماة وحمص، ليستفيض في وصف دمشق وخاصة المسجد الأموي، حتى لتشعر أحياناً أنك أمام مصور فوتوغرافي يلتقط عبر الكلمات وعلى مدار ما يقرب من عشر صفحات الزوايا والتفصيلات الصغيرة في معمار المسجد وتاريخه والإصلاحات والتجديدات التي مرت عليه، وفي جبل لبنان تشعر بأن ابن جبير يود إيصال ثلاث رسائل للقارئ، الأولى حديثه عن سكن جزء من «الحشاشين» لهذا الجبل وكيف تمكنت هذه الفرقة الباطنية من إلحاق الأذى بالمسلمين حتى عهد صلاح الدين، وكيف ضعفت قوتها بعد انهيار الدولة الفاطمية في مصر، جبل لبنان أيضاً هو الحد الفاصل بين مدن لا يذكرها ابن جبير إلا مصحوبة بدعاء «حرسها الله» ومدن على الجانب الآخر من الجبل حتى الساحل لا يورد اسمها إلا ويعقبها دعاء «دمرها الله وأعادها» مثل عكا وصور..إلخ، وهي مدن كانت واقعة في نطاق السيطرة الصليبية آنذاك، يستوقف ابن جبير كذلك في جبل لبنان التسامح الذي يلقاه الحاج المسلم من المسيحيين الساكنين في الجبل، وهناك فضلاً عن ذلك تلك العلاقات التجارية بين المسلمين والصليبيين في بلاد الشام والتي لم تتوقف أو تتأثر بسبب المعارك المتصلة. في هذا الجزء من رحلات ابن جبير تشعر بأن الخريطة التي يرسمها لك تتشابه كثيراً مع الأوضاع اليوم.
ويختتم الكتاب بوصف جزيرة صقلية فالمركب الذي يستقله ابن جبير يتعرض لعاصفة أوشكت على إغراقه، حتى تأتيهم نجدة من زوارق الملك غليام الثاني ملك الجزيرة، والتي يستفيض ابن جبير في وصفها، ولكن الملاحظ هنا المعاملة الحسنة التي يلقاها المسلمون في المدينة حتىإن الجزء الأكبر من حاشية هذا الملك من المسلمين: «وهو، يقصد الملك، كثير الثقة بالمسلمين، وساكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله، حتى إن الناظر في مطبخه رجل من المسلمين».
تعتبر رحلة ابن جبير من أهم الرحلات المعروفة في الأدب العربي، بل في الكثير من الكتب المؤرخة لأعلام المسلمين في الأندلس، يذكر ابن جبير بصاحب الرحلة، ويبدو أنها لا تكتسب أهميتها ليس من المشاهدات الجغرافية بقدر ما منحتها لحظتها التاريخية هذه الأهمية، فابن جبير يعيش في عصر القلق الأندلسي المحاط بالإسبان ورحلته إلى أرض يمتد إليها القلق نفسه ولكن يبدو أنها على وشك التخلص من هذا القلق على يد صلاح الدين، ومن هنا نفهم احتفاء ابن جبير به، وعودته مرة أخرى إلى المشرق بعد استعادة بيت المقدس والأهم من ذلك الاحتفاء بتلك المدن والأماكن الواقعة تحت حكم صلاح الدين أكثر من أماكن أخرى ربما تفوقها آنذاك فيما قدمته للثقافة العربية الإسلامية، ولكن يبدو أن عين الرحالة تبحث عن كل ما يطمئن صاحبها في عصره المضطرب، ومن هنا أيضاً نفهم دعواته للمدينة بالبقاء والسلام أو عليها باللعنة والتدمير والعودة إلى العرب، وأيضاً في هذا الواقع المضطرب تلتقط العين مشاهد التسامح والتبادل التجاري وكل ما له علاقة بإشاعة السلام والأمن.