إعداد: محمد إسماعيل زاهر

«والتاريخ مما يحتاج إليه الملك والوزير، والقائد والأمير، والكاتب والمشير والغني والفقير، والبادي والحاضر، والمقيم والمسافر. فالملك يعتبر بما مضى من الدّول ومن سلف من الأمم، والوزير يقتدي بأفعال من تقدّمه ممّن حاز فضيلتي السيف والقلم، وقائد الجيش يطّلع منه على مكايد الحرب، ومواقف الطعن والضرب، والمشير يتدبّر الرأي فلا يصدره إلّا عن روية، والكاتب يستشهد به في رسائله وكتبه، ويتوسّع به إذا ضاق عليه المجال، والغني يحمد الله تعالى، على ما أولاه من نعمه ورزقه من نواله، وينفق مما آتاه الله إذا علم أنه لابدّ من زواله وانتقاله، والفقير يرغب في الزهد لعلمه أن الدنيا لا تدوم، ولتيقّنه أن سعتها بضيقها لا تقوم. ومن عدا هؤلاء يسمعه على سبيل المسامرة، ووجه المحاضرة والمذاكرة، والرغبة في الاطلاع على أخبار الأمم، ومعرفة أيام العرب وحروب العجم»، يعتبر كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري من تلك الكتب التي يطلق عليها الموسوعات الكبرى، أو المعاجم الأدبية الكبرى، وإن كان النص السابق يبدو للوهلة الأولى معنياً بالتاريخ فذلك يعود إلى أن النويري يخصص أكثر من نصف كتابه للتاريخ، بل إن بقية الكتاب لا تخلو من حس تاريخي واضح يهيمن على مختلف الموضوعات الأدبية.
يقسم النويري الموضوعات التي يتناولها في موسوعته إلى خمسة فنون، هي: السماء والآثار العلوية، الأرض والمعالم السفلية، في الإنسان وما يتعلق به، في حياة الحيوان، النبات: ويشتمل على قسم خاص في التداوي، التاريخ: منذ بدء الخليقة وحتى السلطان المملوكي محمد بن قلاوون. ويقع الكتاب في ثلاثين مجلداً في بعض الطبعات، وآلاف الصفحات التي تختلف أعدادها بسبب الطبعة، وأمضى النويري عشرين عاماً في تأليف موسوعته التي يظهر من خلال مطالعة عناوينها الفرعية رغبة المؤلف في التوثيق لكل معارف عصره، حيث تضمن كل فن خمسة أقسام، ويرى البعض أنه مثلاً كتب سيرة مستقلة للرسول صلى الله عليه وسلم في الجزء الخاص بأخبار النبي الكريم.
ولد النويري في عام 667ه في قرية النويرة في بني سويف في صعيد مصر، وتلقى تعليمه في الأزهر، وعشق علم التاريخ، والتحق بخدمة السلطان محمد بن قلاوون بسبب جمال خطه، وتوفي في عام 733ه. كان النويري ينسخ الكتاب بخطه ويبيع النسخة منه بألف درهم، وقد ضاع الكتاب في القرون الأخيرة، حتى عثر أحمد زكي باشا على نسخة منه في إحدى مكتبات الأستانة، فنقل منه صورة شمسية وحملها إلى القاهرة، وتألفت لجنة لتحقيقه وطباعته، فرغت من طباعة المجلد الأول منه عام 1920 وانتهت من طباعة الجزء قبل الأخير عام 1992.

اتساع الرؤية

يقول النويري في مقدمة الكتاب مفصلاً في مفهومه عن الأدب بمعناه العام الذي يستوعب التاريخ والجغرافيا وغيرهما من العلوم، بل ونكتشف في النص التالي صورة أخرى للكاتب آنذاك وهي صورة القارئ الموسوعي والذي شبهه النويري بفارس المطالعة: «من أولى ما تدبّجت به الطروس والدفاتر، ونطقت به ألسنة الأقلام عن أفواه المحابر، وأصدرته ذوو الأذهان السليمة، وانتسبت إليه ذوو الأنساب الكريمة، وجعله الكاتب ذريعة يتوصّل بها إلى بلوغ مقاصده، ومحجّة لا يضلّ سالكها في مصادره وموارده: فنّ الأدب الذي ما حل الكاتب بواديه، إلّا وعمرت بواديه، ولا ورد مشارعه، إلّا واستعذب شرائعه، ولا نزل بساحته إلّا واتّسعت له رحابها، ولا تأمل مشكلاته إلّا وتبيّنت له أسبابها.. فامتطيت جواد المطالعة، وركضت في ميدان المراجعة. وحيث ذل لي مركبها، وصفا لي مشربها، آثرت أن أجرّد منها كتاباً أستأنس به وأرجع إليه، وأعوّل فيما يعرض لي من المهمّات عليه. فاستخرت الله سبحانه وتعالى وأثبتّ منها خمسة فنون حسنة الترتيب، بيّنة التقسيم والتبويب: كلّ فنّ منها يحتوي على خمسة أقسام».
مع النويري أنت تتنقل من التاريخ إلى الحكم والمواعظ والأمثال إلى نظم الحكم إلى أنواع النبات إلى تراجم الأعلام إلى أيام العرب.. إلخ، وهناك من يرى أنه بإمكانك أن تقرأ كتاب أبي الفرج الأصفهاني الشهير والضخم «الأغاني» ملخصاً في موسوعة النويري، ففي الجزء الرابع من الكتاب يواصل رصده للفن الثاني، الإنسان وما يتعلق به، ويخصص الباب الثالث من القسم الثالث لهذا الفن والمتعلق بالمدح والهجاء لموضوع الأصفهاني الأثير: النوادر والفكاهات والملح وأخبار المغنيين والموسيقيين والشعراء..إلخ، يقول مثلاً عن الموصلي: هو أبومحمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وقد تقدّم نسبه في أخبار أبيه. وكان الرشيد يولّع به فيكنيه أبا صفوان. قال أبوالفرج الأصفهاني في ترجمة إسحاق: وموضعه من العلم، ومكانه من الأدب، ومحلّه من الرواية، وتقدّمه في الشعر، ومنزلته في سائر المحاسن أشهر من أن يدلّ عليها بوصف»، بعد الغناء يرتحل النويري في الشروط الواجب توافرها فيمن يتولى الحكم ويسترسل في مهامه وصفاته، يقول: «السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدّين والدنيا، وهو حمى الله في بلاده، وظلّه الممدود على عباده، به يمنع حريمهم، وينصر مظلومهم، ويقمع ظالمهم، ويؤمّن خائفهم».
في «نهاية الأرب» تستمتع أيضاً وهو يحدثك عن الكتابة: تاريخها وأعلامها وشرفها، ومكانة الكتابة بالعربية بين لغات العالم، فضلاً عن رصده لشكل الكتابة بلغة الضاد وتطوره:» الكتابة العربية أشرف الكتابات لأن الكتاب العزيز لم يرقم بغيرها خلافاً لسائر الكتب المنزّلة. وهذه الكتابة العربية أوّل من اخترعها على الوضع الكوفي سكّان مدينة الأنبار، ثم نقل هذا القلم إلى مكة فعرف بها، وتعلّمه من تعلّمه، وكثر في الناس وتداولوه، ولم تزل الكتابة به على تلك الصورة الكوفيّة إلى أيام الوزير أبى علىّ بن مقلة، فعرّبها تعريباً غير كاف، ونقلها نقلاً غير شاف، فكانت كذلك إلى أن ظهر علي بن هلال الكاتب المعروف بابن البوّاب، فكمّل تعريبها، وأحسن تبويبها، وأبدع نظامها، وأكمل التئامها، وحلّاها بهجة وجمالاً»، وهو هنا يتحدث عن شكل الخط العربي المعروف الآن، أما الكتابة كمهنة يعتاش منها البعض فيقسمها إلى:»كتابة الإنشاء، وكتابة الديوان والتصرّف، وكتابة الحكم والشروط، وكتابة النّسخ، وكتابة التعليم».
يضم «نهاية الأرب» موسوعة مصغرة لأشهر الأمثال العربية يأتي بها ضمن الفنون المتعلقة بالأمثال، ومع النويري تقرأ في علوم الفلك في ذلك الزمان، وتقلبات المناخ، والملاحظ رعايته للمعاني اللغوية لكل ما يضمه إلى موسوعته، فهو عندما يحدثك عن المطر وفصوله وأنواعه في مساحة جغرافية تضم العالم الذي يعرفه، لا يغيب عنه ذكر أسماء المطر في اللغة العربية وما قاله الشعراء فيه، بحيث يصلح الجزء الذي يتحدث فيه عن المطر ليكون كتاباً مستقلاً في «أدب» المطر، والحال نفسها تنطبق على مفردات مثل النار والتي يتتبع بيوت عبادتها قبل الإسلام، ومعانيها اللغوية وما قيل فيها شعراً وما يرتبط بها من فضاءات أخرى، يورد مثلاً قول الأرجاني: «في الشمعة نمّت بأسرار ليل كان يخفيها / وأطلعت قلبها للنّاس من فيها. قلب لها لم يرعنا وهو متمكن / إلا برقية نار من تراقيها. سقيمة لم يزل طول اللسان لها/ في الحي يجنى عليها ضرب هادية»، ثم يتطرق إلى السحاب والنيازك والشمس والقمر والليل والنهار والشهور والأيام.. إلخ.

لذة القراءة

ويبدو أنه حاول أن يجدد في طرائق السرد التاريخي المهيمنة في عصره، برصد تاريخ كل دولة بصورة مستقلة وتتبع الدول في انتصاراتها وفي انكساراتها، بعكس المتبع أيامه حيث كان المؤرخ يكتب كل ما يعرفه من وقائع حدثت في البلدان المختلفة في كل سنة، يقول: «ولمّا رأيت غالب من أرّخ في الملة الإسلامية وضع التاريخ على حكم السنين ومساقها، لا الدّول واتّساقها، علمت أن ذلك ربما قطع على المطالع لذّة واقعة استحلاها، وقضيّة استجلاها، فانقضت أخبار السنة ولا استوعب تكملة فصولها ولا انتهى إلى جملتها وتفصيلها، وانتقل المؤرّخ بدخول السنة التي تليها من تلك الوقائع وأخبارها، والممالك وآثارها، والدول وسيرها، والحالة وخبرها، فتنقّل من الشرق إلى الغرب، وعدل عن السّلم إلى الحرب، وعطف من الجنوب إلى الشمال ، وقد تجول به خيل الاستطراد فيبعد عن موضوعه.. فاخترت أن أقيم التاريخ دولاً، ولا أبغي عن دولة إذا شرعت فيها حولاً، حتى أسردها من أوائلها إلى أواخرها، وأذكر جملاً من وقائعها ومآثرها، وسياقة أخبار ملوكها، ونظم عقود سلوكها، ومقرّ ممالكها، وتشعّب مسالكها.. إن عرضت واقعة كانت بين ملكين كان وقتهما واحداً، وكان الدهر لأحدهما على الآخر مساعداً، شرحتها بجملتها في أخبار الظاهر منهما، وأحلت في أخبار المغلوب عليها، واكتفيت بإيرادها في أحد الموضعين ولم أعرّج في الآخر إلا بالإشارة إليها. وجريت في تقسيم هذا الفنّ على القاعدة التي تقدّمت فيما قبله من الفنون ليكون أبسط للنفوس وأنشط للخواطر وأقرّ للعيون».
والملاحظ في الكتاب أنك تشعر في كل جزء منه أنك أمام أحد أدبائنا الكبار، ففي الغناء يتمثل الأصفهاني، وفي الحيوان تحس أنك تقرأ الجاحظ والدميري والقزويني، وفي الجغرافيا يبدو لك شبح المسعودي بين الصفحات، وفي اللغة تقرأ بين السطور ابن المعتز والثعالبي وابن قتيبة، ولا يخلو الكتاب من مذاق المقريزي، وتصادف ابن خلدون في ربطه بين الجغرافيا واختلاف أمزجة وطبائع البشر، تنتهي من الكتاب وأنت تمتلك أكثر من موسوعة في عدة حقول من تراثنا الفكري والأدبي، فضلاً عن متعة تصيبك نتيجة للغة مترعة والمعلومات التي تبدو أنها بلا نهاية. عاش النويري بين منتصف القرن السابع ومنتصف القرن الثامن الهجريين، ومهما قيل في رغبته من التكسب من وراء الكتابة الذي جعله يستفيض فيما يبدعه إلا أنه ترك كتاباً يضم عدة موسوعات في مختلف حقول المعرفة المتاحة في عصره. كتاب تتنوع استخداماته، فإذا كنت من هواة تصفح الموسوعات بحثاً عن معلومة في هذا الفن أو ذاك، فنهاية الأرب يمنحك ما تريد وأكثر، وإذا كنت من هواة قراءة التراث لتتعرف إلى ما أبدعه القدماء فستجد كتاباً يجمع بين مختلف آداب ذلك التراث، وإذا كنت من الباحثين عن كتاب يصور لك مناخ وروح تلك الفترة التاريخية، فالكتاب يلبي حاجتك البحثية بجماليات إمتاعية قل أن توجد في كتاب آخر.