إعداد: محمد إسماعيل زاهر
«إن المعلوم أن الأدب سلم إلى معرفة العلوم، به يتوصل إلى الوقوف عليها، ومنه يتوقع الوصول إليها، غير أن له مسالك ومدارج، ولتحصيله مراقي ومعارج، من رقى فيه درجاً بعد درج، ولم تهمّ شمس تشميره بعرج، ظفرت يداه بمفاتيح أغلاقه...وإن أعلى تلك المراقي وأقصاها، وأوعر هاتيك المسالك وأعصاها، هذه الأمثال..ومن حام حول حماها، ورام قطف جناها، علم أن دون الوصول إليها خرط القتاد، ولا وقوف عليها إلا للكامل العتاد، كالسلف الماضين الذين نظموا من شملها ما تشتت، وجمعوا من أمرها ما تفرق، فلم يُبقوا في قوس الإحسان منزعاً»، وبعد أن يعدد الميداني أهمية الأمثال في الأدب والثقافة عامة، ويتحدث في مقدمة موسوعته «مجمع الأمثال» عن التبويب الذي وضعه لكتابه، يقول: «وسميت الكتاب مجمع الأمثال؛ لاحتوائه على جميع ما ورد منها، وهو ستة آلاف ونيف، والله أعلم بما بقي منها، فإن أنفاس الناس لا يأتي عليها الحصر».
قضى الميداني سنوات طويلة في كتابة هذه الموسوعة، إذ يقول معتذراً للقارئ عن أي تقصير يراه فيها: «وأنا أعتذر إلى الناظر في هذا الكتاب من خلل يراه أو لفظ لا يرضاه، فأنا كالمنكر لنفسه، المغلوب على حسه وحدسه، منذ حط البياض بعارضي رحالَه، وحال الزمان على سوادهما فأحاله، وأطار من وكر هامتي خُدَارِيَّه، وأنحى على عود الشباب فمصَّ رِيَّه، وملكت يد الضعف زمام قواي».
من أين يكتسب المثل جمالياته؟، ولماذا كانت عناية الكثير من القدماء به، وحتى المحدثين في رصدهم مسارات الأدب العربي وتاريخه، كثيراً ما يضعون المثل في قلب الأدب؟، يستند الميداني لبيان أهمية الأمثال إلى أقوال أدباء وعلماء لغة ومفكرين، «قال المبرد: المثل مأخوذ من المثال، وهو قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه»، «وقال إبراهيم النظّام: يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة»، «وقال ابن المقفع: إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث».
ولد أحمد بن محمد النيسابوري الميداني، في محلة ميدان في نيسابور، وعاش فيها، وتاريخ ميلاده غير معروف على وجه الدقة، وترجح بعض المصادر وفاته في عام 518 ه، أي أنه عاش في القرن الخامس الهجري، قال عنه ياقوت الحموي «في معجم الأدباء»: «هو أديب فاضل وعالم نحوي لغوي»، كتب عدة مؤلفات في مختلف علوم اللغة، مثل: «الهادي للشادي في الحروف والأدوات»، و «السامي في الأسامي»، و«النموذج في النحو»، و«شرح المفضليات»، و«نزهة الطرف في علم الصرف»، و«منية الراضي في رسائل القاضي». كتب الميداني الشعر أيضاً، يقول في إحدى قصائده «تنفَّس صبحُ الشيبِ في ليلِ عارضي/ فقلتُ عساهُ يكتفِي بعذاري. فلما فشا عاتبْتُه فأجابني/ ألا هلْ ترى صبحاً بغيرِ نهارِ.»

فضاء ممتد

وزّع الميداني «مجمع الأمثال»، على 30 باباً، خصص 28 منها لحروف المعجم، أما الباب التاسع والعشرون فجعله في أسماء أيام العرب دون ذكر الأحداث والوقائع، ويعلل ذلك بالقول: «فإن فيها، يقصد الوقائع، كتباً جمّة بديعة، وإنما عنيت بأسمائها لكثرة ما يقع فيها من التصحيف»، وجعل الباب الأخير لكلام النبي الكريم والخلفاء الراشدين مما يدخل في المواعظ والحكم. واشتهر الكتاب في مختلف البلاد العربية، حتى أن الشاعر إبراهيم بن الأحدب نظم الكتاب شعراً في قصيدة مطولة من 6 آلاف بيت في ديوان مستقل تحت عنوان «فرائد اللآل في الحكم والأمثال»، صدر في بيروت عام 1312 ه.
تعود أهمية كتاب الميداني أيضاً إلى استناده إلى كتب الأمثال السابقة وهي كثيرة، مثل مؤلفات الضبي والأصمعي وأبي عبيدة وغيرهم، وهو ما نلحظه عند شرحه مثل «إن الموصين بنو سهوان»، إذ يقول: «هذا مثل تخبط في تفسيره كثير من الناس، قال بعضهم: إنما يحتاج إلى الوصية من يسهو ويغفل، وقال بعضهم يقصد به جميع الناس؛ لأن كلهم يسهو. والأصوب في معناه أن يقال: إن الذين يوصون بالشيء يستولي عليهم السهو كأنه مُوكل بهم. ويضرب لمن يسهو على طلب شيء أمر به»، ثم يشرح المثل لغوياً ويستشهد بالشعر. تستمتع كذلك وأنت تقرأ شرحه لمثل «إن الجبان حتفه من فوقه»: «الحتف: الهلاك، ولا يبنى منه فعل، وخص هذه الجهة؛ لأن التحرز مما ينزل من السماء غير ممكن، ويشير إلى أن الحتف إلى الجبان أسرع منه إلى الشجاع».
المثل في كتاب الميداني ليس معانيَ لغوية وتشبيهات وعلاقة بين قائل المثل والموقف الذي يستخدمه فيه وحسب، ولكنه فضاء يمتد إلى القصص والحكايات التاريخية، يقول في شرح مثل «تجمعين خلابة وصدوداً»: «يضرب لمن يجمع بين خصلتي شر، قالوا هو من قول جرير بن عطية، وذلك أن الحجاج بن يوسف أراد قتله، فمشت إليه مضر فقالوا: أصلح الله الأمير، لسان مضر وشاعرها، هبه لنا، فوهبه لهم». المثل أيضاً يقصد به وصف أوصاف وسلوكيات إنسان، «أحمق من نعامة»، «وذلك أنها تنتشر للطعم، فربما رأت بيض نعامة أخرى قد انتشرت لمثل ما انتشرت هي له، فتحضن بيضها وتنسى بيض نفسها. ولخفة النعام وسرعة طيرانها على وجه الأرض قالوا في المثل: شالت نعامتهم، وخفت نعامتهم». وهناك أيضاً: «أحير من ضب»: «لأنه إذا فارق جحره لم يهتدِ للرجوع». وهناك أمثال عديدة للتعبير عن الأخلاق «كلابس ثوبي زور»، «وهو الرجل يلبس ثياب أهل الزهد، يريد بذلك الناس، ويظهر من التخشع أكثر مما في قلبه».
يمتد أفق المثل كذلك ليشمل الأساطير، منها ما يرتبط بمظاهر الطبيعة، يقول شارحاً مثل «أحر من الجمر»: «زعم النظّام أن الجمر في الشمس أشهب أكهب، وفي الفيء أشكل، وفي الليل أحمر»، ومنها ما يتعلق ب«حواديت» العرب، والتي ربما لا تقل جمالاً عن نظيرتها اليونانية، يقول «كيف أعاودك وهذا أثر فأسك»: «أصل هذا المثل على ما حكته العرب على لسان الحية أن أخوين كانا في إبل لهما فأجدبت بلادهما، وكان بالقرب منهما وادٍ خصيب وفيه حية تحميه من كل أحد، فقال أحدهما للآخر: يا فلان، لو أني أتيت هذا الوادي فرعيت فيه أبلي وأصلحتها، فقال له أخوه: إني أخاف عليك الحية، ألا ترى أن أحداً لا يهبط ذلك الوادي إلا أهلكته»، ويسترسل الميداني في حكاية المثل فالحية تقتل أحد الأخوين، ويحاول الآخر الثأر له، حتى تحتال عليه الحية وتعقد معه اتفاقاً؛ إذ تتركه يرعى بإبله وتمنحه كل يوم ديناراً مقابل ألا يحاول قتلها، وبعد فترة يتذكر الأخ ثأره، فيحاول قتل الحية بفأس، ولكنها تهرب منه وتدخل جحرها، فيضرب الجحر مرة أخرى بالفأس، ولا تلبث الحية أن تقطع عنه الدينار، فيندم الأخ فلا هو ثأر لأخيه ومنعت عنه الحية الدينار، فقال لها: هل لك أن نتواثق، ونعود إلى ما كنا عليه؟، فقالت: كيف أعاودك وهذا أثر فأسك، وهو يضرب لمن لا يفي بالعهد».

متعة بلا حدود

«مجمع الأمثال» يمتلئ بالقصص التي تظهر لك عادات العرب وتقاليدهم وعلاقتهم بعضهم ببعض والبيئة من حولهم، وتصوراتهم للعالم، حتى أسماء الرياضيين تجدها متوافرة بكثرة في الكتاب، حيث تقرأ «أعدى من الثوباء»، و«أعدى من الشنفرى»، و«أعدى من السليك»، والثلاثة من أشهر العدائين العرب وأنقذوا أنفسهم في مواقف، أو أنقذوا قومهم بسبب سرعتهم، وتتشابه قصة السليك بن السلكة مع زرقاء اليمامة، فقد هرب من العدو ليحذر قومه بالغزو، ولكنهم كذبوه، حتى قال في ذلك شعراً.
يتضمن الباب قبل الأخير من الكتاب: أسماء أيام العرب، قبل الإسلام وبعده، أحياناً يذكر الميداني اسم اليوم ويشرحه لغوياً وحسب، في أحيان قليلة يستطرد في ذكر وقائع اليوم وأحداثه، يقول عن يوم النِّسار»: «بكسر النون والسين غير المعجمة. كان بين بني ضبة وبني تميم. والنسار جبال صغار كانت الوقعة عندها. وقال بعضهم: هو ماء لبني عامر». أما «يوم ذي قار» فهو «من أعظم أيام العرب، وأبلغها في توهين أمر الأعاجم وهو يوم لبني شيبان»، وهناك يوم «القرن»، وهو «جبل كانت به وقعة بين خثعم وبني عامر، فكانت لبني عامر»، وتبلغ أيام العرب قبل الإسلام لدى الميداني 132 يوماً يختمها بالقول: «وهذا الفن لا يتقصاه الإحصاء»، أما أيام العرب بعد الإسلام في كتاب الميداني فتصل إلى 93 يوماً.
وخصص الميداني الباب الأخير لكلام الرسول الكريم والخلفاء الراشدين وكبار الصحابة، يورد بعض الأحاديث للنبي- صلى الله عليه وسلم- التي يرى فيها هداية للأخلاق وقواعد للسلوك، مثل «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، «رأس الحكمة مخافة الله»، «صلة الرحم تزيد في العمر»..إلخ، ثم يقتطف من كلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء وأبي ذر..إلخ.
في كتاب الميداني تجد كل الأمثال التي ترددها أو تسمعها أو تلك التي أصبحت من الماضي ولا نستخدمها حالياً، ولكننا نستمتع على مستوى اللغة والسرد بما يورده الميداني، والأهم من ذلك نتفكر في تلك الكلمات البسيطة التي تختزل حكمة أو تعبر عن وجهة نظر صاغتها تجربة مؤثرة أو نتيجة توصل إليها الإنسان بناء على علاقته بمفردات الطبيعة والعالم من حوله حتى وصل إلى قناعة راسخة في علاقته بتلك المفردات، ومن هنا جمالية المثل، ومن هنا أيضاً قوته وسعينا وراءه، للاستفادة من تلك التجارب وما تختزنه من دلالات. المثل الجاهز أيضاً يعبر عن علاقة حتمية بين السبب والنتيجة، ومن هنا نفهم نقد بعضهم إياه، فليست كل الأمثلة تصلح لجميع الأزمان أو مختلف الأمكنة، كما أن ترديدها دائماً والاكتفاء بها من دون الولوج في التجربة ربما يؤدي إلى حالة من الكسل أو السكون لدى البعض، وربما يقتل روح المغامرة أو يثبط الهمم لدى البعض الآخر، ولكن تبقى حاجتنا الدائمة للأمثال قائمة، حيث تقدم لنا متعة أدبية وفكرية بلا حدود.