نجاة الفارس

الشعر موهبة تولد مع الإنسان بالفطرة، يصقلها وينميها بالقراءة والكتابة، فالشعراء هم نبض الأمة وميزانها الحساس، بما يمتلكونه من إحساس مرهف، وعاطفة جياشة، وقد شهد التاريخ ولادة آلاف مؤلفة من الشعراء، ولكل عصر رواد وشعراء متميزون تخلدهم الذاكرة البشرية، بما تركوا من إرث وتراث شعري حافل، ومن هؤلاء رشيد سليم الخوري، الملقب بالشاعر القروي، والذي ولد في قرية البربارة في لبنان عام 1887م وتوفي عام 1984 وهو في طريقه إليها، وقد قدر لهذا الشاعر أن يعمّر ما يقرب من سبع وتسعين سنة ليعيش تحولات كبرى على الصعيدين الخاص والعام.
تعلّم القروي تعليماً بسيطاً، واشتغل بمهنة التعليم سبع سنوات في لبنان، ثم قرر أن يهاجر مع أخيه عام 1913 إلى البرازيل، كان الشاعر وهو في الطريق إلى تلك البلاد يحلم بحياة أفضل من حياته في لبنان، التي غادرها إثر وفاة والده، لكنه واجه في البرازيل حياة قاسية، وعانى ضنك العيش، وكان هدفه لسنوات طويلة أن يحصل على عمل يقيم به الأود، وقد عكست أشعاره هذا الوضع وجسّدت ضيقه وتعاسته فقال:

دفنت ربيع عمرك في بلاد

                           بها طالت لياليك القصار

يريك نهارها عشرين فصلا

                        لها شرح وللحسن اختصار

كأنك ساكن في قلب أنثى

                           فليس لها على حال قرار

يباركها الذي قد حاز مالا

                              وقيمة ماله ذل وعار

يقول لي المعزة في حماها

                       وبئس العز يفهمه التجار.

وقد كان ذهاب القروي إلى سان باولو إيذاناً بمرحلة جديدة في حياته، فقد عمل معلماً للدروس الخصوصية، ثم عمل في التجارة، وفي الصحافة فتولى تحرير جريدة «الرابطة» بعد وفاة محررها عام 1934، وانتخب عام 1938 رئيساً للعصبة الأندلسية.
أصدر الشاعر القروي عدداً من الدواوين هي: الرشيديات 1916، القرويات 1916، الأعاصير 1933، ديوان القروي 1952، وقد صدرت الأعمال الكاملة له عام 1992م.
إن المتأمل لأشعاره وما تنطوي عليه من أغراض متعددة، سيجد أن شعر القروي يعكس موهبة قوية تنبع من مشاعر جياشة وإحساس مرهف، فهو لم ينل حظاً وافراً من التعليم، كما أن شعره مكتوب بنزعة قومية قوية، صبغت أشعاره، مع هجوم قوي على القوى الاستعمارية، واستنهاض لقوى الثورة، ودعوة إلى التحرر، لذا اتخذ القروي من العروبة ديناً ومذهباً.
كانت علاقة القروي بالتراث العربي علاقة قوية، فقد ظل يرى أن هذا التراث وبخاصة الشعري منه، يشكل روح الأمة المبدع، فكانت قصائده تنهج نهج الشعراء العرب القدامى في توخي الفصاحة، والحرص عليها فهو يقول في مقدمة ديوانه:
«علّموا القرآن والحديث ونهج البلاغة في كل مدارسكم، ولتزخر صدوركم بالحكمة، وتشرق طروسكم بساحر البيان»، وقد تفرع من هذا الموقف اعتزاز كبير بأبطال التاريخ العربي الإسلامي، كشخصية الرسول ، عليه السلام، وخالد بن الوليد، وطارق بن زياد، وصلاح الدين الأيوبي.
وقد اتضح اعتزازه بالرسول الكريم في قصيدة «عيد البرية» التي قالها بمناسبة المولد النبوي الشريف ومنها:

عيد البرية عيد المولد النبوي

                        في المشرقين له والمغربين دوي

عيد النبي ابن عبد الله طلعت

                         شمس الهداية من قرآنه العلوي

يا حبذا عهد بغداد وأندلس

                      عهد بروحي أفدي عوده وذوي

يا قوم هذا مسيحي يذكركم

                   لا ينهض الشرق إلا حبنا الأخوي

فإن ذكرتم رسول الله تكرمة

                        فبلغوه سلام الشاعر القروي

لقد شهد الشاعر القروي من التطورات السياسية والاجتماعية الشيء الكثير، لهذا يمثّل ديوانه الضخم سجلاً حافلاً لهذه الأحداث بقالب شعري عربي تقليدي، وبناء فخم للقصيدة يشاكل بناء الشعراء العرب القدامى وبخاصة الشعراء الفحول.

[email protected]