محمد بن محمد سالم
كان أبو كبير عامر بن الحليس الهذلي شاعراً مجيداً، عد في فحول شعراء الجاهلية، وكان فارساً صعلوكاً، يحفل شعره بذكر الفروسية وقيمها، وقد تزوج أم الشاعر الصعلوك تأبط شراً (ثابت الفهمي)، حين كان تأبط شراً لا يزال صبياً، ولم يحبَّ أبا كبير، ولم يطمئن أبو كبير لتأبط شراً، ولما راهق بدأ يناصبه العداء، فأصبح أبو كبير يرتاب في أمره، وخشي منه أن يأخذه على غرة، فعزم على قتله، فدعاه إلى مرافقته في إحدى غاراته على أعدائه، فقبل الفتى من دون تردد، فسار به ثلاث ليال دون توقف، وكان زادهما قليلاً، حتى ظن أن الفتى قد نال منه التعب والجوع، فنزلا في بعض الطريق، ورأيا ناراً، فعرف أبو كبير أنها لقاطعي طريق معروفين، في تلك المنطقة، تعودا على قتل الغرباء، والبطش بهم، وأخذ ما عندهم، فقال أبو كبير للفتى، وكان لا يعرف شيئاً عن الرجلين: اذهب إلى تلك النار، فالتمس لنا، أكلاً عند أصحابها، فخرج تأبط شراً إلى حيث يوجد الرجلان، فوقف على نارهما، فلما رأياه، قفز إليه أحدهما يريد أن يقتله، فأمسك به تأبط شراً، ورماه فدق عنقه، وعمد إلى الثاني فقتله، وأخذ ما كان عندهما من الزاد، وعاد إلى أبي كبير، فلما رآه، سأله: كيف فعلت مع أصحاب النار، فرمى إليه تأبط شراً ما معه من الزاد، ولم يجبه، فألح عليه أبو كبير، حتى أخبره أنه قتل الرجلين، فدخل الخوف قلب أبي كبير، لكنه مضى على عزمه على قتله.
فسارا في طريقهما، فكان أبو كبير ينام أول الليل، فيحرسه تأبط شراً، وينام تأبط شراً النصف الأخير فيحرسه أبو كبير، وفي الليلة الثالثة، ظن أبو كبير أن الفتى اطمأن إليه، وأن النوم قد أخذ منه، فأخذ حصاة صغيرة، وقذفها غير بعيد، فحركت الحشيش، فهب تأبط شراً من نومه، وسأل عن الصوت، فأنكر أبو كبير أنه سمع صوتاً، فقام يتجول، ولم يعثر على شيء، وفعل أبو كبير مثل ذلك ثلاث مرات في كل مرة يستخدم حصاة أصغر من الأولى، لكن الفتى كان يهب نشيطاً لمجرد هبة النسيم، فعرف أبو كبير أنه لن يستطيع قتله، وأن لا قبل له به، فترك محاولة قتله، وآثر السلامة، وقد أعجبته قوة ذلك الفتى وشجاعته، وفي طريق عودتهما من غارتهما، قال أبو كبير قصيدته الشهيرة التي يصف فيها قوة تأبط شراً وسرعته وجلده وكرمه، وفيها من الكثير من جمال التصوير، الذي ينم عن عبقرية شاعر فنان، وفيها عفوية الفكرة، وسلامة الطبع، وقد سار بها الرواة، فأصبحت على الألسنة:

يقول أبو كبير من قصيدته:

ولقد سريتُ على الظَّلام بمغشمٍ

                                جلدٍ من الفتيانِ غيرِ مُهبَّل

مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدٌ

                           حُبك النِّطاق فعاشَ غيرَ مثقّلِ

حَمَلَتْ بِهِ في لَيْلَةٍ مَزْؤُودَة

                            كرهاً وعقدُ نطاقها لم يُحلَّلِ

فأتت به حُوشَ الجنانِ مبطَّناً

                           سُهُداً إذَا مَا نَامَ لَيْلُ الهَوْجَلِ

***

فإذا نظرتَ إلى أسرّة وجهه

                     بَرَقَتْ كَبَرْقِ الْعَارِضِ المُتَهَلِّلِ

وَإذَا قَذَفْتَ لَهُ الْحَصَاة َ رَأَيْتَهُ

                     يَنْزُو لِوَقْعَتِهَا، طُمُورَ الأخْيَلِ

وإذا رميتَ به الفجاجَ رأيته

                 يهوى مخارمها، هويّ الأجدلِ

وَإذَا يَهْبّ من الْمَنَامِ رَأَيْتَهُ

               كَرُتُوبِ كَعْبِ السَّاقِ لَيْسَ بِزُمَّلِ

مَا إنْ يَمَسّ الأَرْضَ إلاَّ مَنْكِبٌ

              مِنْهُ وَحَرْفُ السَّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ

يُحمي الصِّحابَ إذا تكونُ كريهة ٌ

                 وَإذَا هُمُ نَزلُوا فَمَأْوَى الْعُيَّلِ